القائمة الرئيسية

سلسلة شرح أسماء الله الحسنى (1)

259 0
سلسلة شرح أسماء الله الحسنى (1)

 

 

سلسلة شرح أسماء الله الحسنى (1)

 

هذه سلسلة دعوية نتوخى من خلالها أن نربط أنفسنا بعقيدتنا الصافية، التي شرعها ديننا، وبيَّن أصولها ومقاصدها نبينا - صلى الله عليه وسلم - نود أن نجدد الإيمان في قلوبنا، بأن نعرف حقيقة ربنا، من خلال أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، التي قال فيها ربنا - عز وجل -: "﴿ وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 180]. قال أبو السعود - رحمه الله -: "(وَلِله الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى): تنبيهٌ للمؤمنين على كيفية ذكره - تعالى -، وكيفية المعاملةِ مع المُخِلّين بذلك.. والإلحادُ: الميلُ والانحرافُ .. إما بأن يسمّوه - تعالى - بما لا توقيفَ فيه، أو بما يوهم معنى فاسداً".

 

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين -: "إِنَّ لِله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا - مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا - مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" متفق عليه.

 

وحثت نصوص كثيرة على ضرورة تعلم هذه الأسماء ومعرفة حقيقتها. قال - تعالى -: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 209]. وقال - تعالى -: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267]. وبينت أن حب هذه الأسماء والصفات كفيل بإدخال صاحبها الجنة، كما ثبت عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) - لمكان أسماء الله فيها -. فَقَالَ: "إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ" صحيح سنن الترمذي.

 

ولا بأس قبل الشروع في بيان بعض هذه الأسماء، أن نحدد مجموعة من المرتكزات، التي يبنى عليها الفهم الصحيح لهذه الأسماء - كما بينه أهل العلم:

1- إن تعدد أسماء الله - تعالى -، يقتضي زيادة تعظيم وتوقير للخالق، الذي تعبدنا بهذه الأسماء تعدادا، وإحصاء، وتدبرا، وعملا، ودعاء. فقوله - تعالى -: ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحاقة: 33]، يميَّز فيه بين الإيمان بالله مجردا، وبين الإيمان به عظيما. فإبليس آمن بالله فقال: ﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الحجر: 36]. وقال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 82، 83]، ولكن لم يؤمن به عظيما، يُخاف جانبه، ويُتقى عذابه، باتباع أوامره، والوقوف عند حدوده، وكذلك كثير من الناس اليوم، يؤمنون بالله خالقا وموجدا، ولكن يغفلون عن مقتضيات هذا الإيمان المجسد في أسمائه وصفاته، كالرقيب، والحفيظ، والعليم، والجبار، والمهيمن.. فلو استحضر اللص أن الله - تعالى - يراه ويراقبه، لما أقدم على السرقة، ولو علم شارب الخمر أن الله محاسبه، لما أقدم على شرب الخمر.

 

قال الأصفهاني: "قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله - تعالى -: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الله ﴾ [محمد: 19].

 

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "لا يستقر للعبد قدم في المعرفة، بل ولا الإيمان، حتى يؤمن بصفات الرب -، جل جلاله -، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه. فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان".

 

2- هذا التعظيم يقتضي بدوره التفريق بين النطق بالشهادة باللسان المجرد، والنطق بها إيمانا ويقينا واحتسابا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ" صحيح سنن أبي داود، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ" مسلم. فقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "وَهُوَ يَعْلَمُ"، يراد به العلم بشروطها، ومنها اليقين التام بأنه الواحد الأحد. ولذلك قالها الجبار فرعون، كما قالها سيدنا يونس - عليه السلام - في مقامين متشابهين، مقامي المحنة والاختبار: يونس وهو في بطن الحوت قال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]، وفرعون عند الغرق قال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90]، فقبلت من نبي الله يونس، ولم تقبل من فرعون، لثلاثة أمور:

الأول: إن فرعون لم يكن يعرف الله قبل المحنة، إذ كان يزعم أنه هو المعبود من دون الله، وكان يقول: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، فلذلك لم تنفعه "لا إله إلا الله" عند المحنة، ولذلك قال - تعالى -: ﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 91]. أما يونس - عليه السلام -، فنادى باسم الله الأعظم في بطن الحوت وهو مكظوم، فكانت النتيجة أن اجتباه ربه فجعله من الصالحين.

 

الثاني: أن يونس - عليه السلام - قال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ﴾ [الأنبياء: 87]، فوجه الخطاب ب"أنت" بلا واسطة، كأنه يرى ربه، لعظيم يقينه به، وأن لا أحد ينجيه من محنته سواه. أما فرعون - لشكه وكفره - قال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾ [يونس: 90]، وكأنه سمع الناس يقولون بأن هناك إلها لموسى - عليه السلام -، فقالها تخلصا من محنته وليس تيقنا من توحيد ربه. وفي الحديث: "تَعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ" صحيح سنن الترمذي.

 

الثالث: أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين، فنفعه تسبيحه وذكره لربه. قال - تعالى -: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144]. أما فرعون، فكان يحب أن يكون هو موضع تسبيح، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]. لذلك أهلكه الله، وجعله للناس آية.

 

3- المقصود بقوله - تعالى -: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180]، سموه بتلك الأسماء الحسنة، ونادوه بها، ولا تدعو بمخلوق أو حادث، فإنه لا ينفع ولا يضر، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وإذا قصدت إلى أمر فاستخر الله، وإذا عزمت على أمر فتوكل على الله. ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بأسماء الله في مواطن كثيرة، فكان يقول: "اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ" مسلم.

 

وكان - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" صحيح سنن الترمذي.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا" متفق عليه.

 

ومن أعظم الأدعية التي حثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الاعتناء بها، لما فيها من تمجيد الله - تعالى - بأسمائه وصفاته، وأثر ذلك في تفريج الكروب، وإزالة الهموم، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ الله هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجاً". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا؟ قَالَ: "بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا" صحيح الترغيب.

 

4- إحصاء هذه الأسماء ليس هو عدها، بكتابتها في رقعة أو ورقة ثم حفظها فقط، وإنما الإحصاء شيء زائد عن العد، فالعد معرفة العدد فقط، أي عدد هذه الأسماء، أما إحصاؤها الوارد في الحديث، فهو فهم معانيها، والتعبد لله بمقتضاها. ولذلك جزم ابن عقيل - رحمه الله - فقال: "(مَن أحصاها)، أي: من عمل بها".

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "الإحصاء على ثلاث مراتب: إحصاء ألفاظها وعددها، وفهم معانيها ومدلولها، ودعاؤه بها".

 

وقال ابن بطال المالكي - رحمه الله -: "طريق العمل بها (أي: الأسماء والصفات): أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده.. وما كان يختص بالله كالجبار والعظيم، فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد: نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد: نقف منه عند الخشية والرهبة".

 

5- عددها لم يثبت بحديث صحيح، ومنهم من أوصلها إلى ألف اسم. ولذلك وجب الرجوع إلى أهل العلم لبيان ما يجوز تسمية الله به مما لا يجوز، لأن هذه الأسماء توقيفية لا مجال للعقل فيها، فلا يجوز المجازفة بنطقها إلا بعد التثبت منها، خشية نعت الله - تعالى - بما ليس له أهلا. قال - تعالى -: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]. قال الألوسي - رحمه الله -: "بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه". والله - تعالى - أعلى وأعلم.