أقسام ما يوصف به الله تعالى

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

 

 

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما يجري صفة أو خبراً على الرب تبارك وتعالى أقسام:

أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات، وموجود، وشيء.

الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم، والقدير، والسميع.

الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو: الخالق، والرزَّاق.

الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتاً؛ إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس السلام.

 

الخامس: ولم يذكره أكثر الناس، وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة مُعَيَّنة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد، نحو: المجيد، العظيم، الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة، والكثرة، والزيادة، فمنه استمجد المرخ والغفار، وأمجد الناقة علفاً. ومنه ((رب العرش المجيد)) صفة للعرش لسعته وعِظَمِهِ وشرفه([1]).

 

وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترناً بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه r؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم تقتضيه كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يَحسن إنك أنت السميع البصير، فهو راجع إلى المتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: ((ألظُّوا بياذا الجلال والإكرام))([2])، ومنه: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام))([3])، فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده، وأنه الذي لا إله إلا هو المنَّان، فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعاً عند المسؤول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة ،وقد فُتِحَ لمن بصَّره الله.

 

 

 

ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة. فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد، قال ابن عباس: هو السيد الذي كَمُلَ في سؤدده، وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سُؤدده. وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء. وقال ابن الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أنَّ الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يَصْمُدُ إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. واشتقاقه يدل على هذا فإنه من الجمع والقصد الذي اجتمع القصد نحوه واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال:

 

 

ألاَ بَكَر الناعي بخير بني أسدْ    بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيدِ الصَّمَدْ


 

والعرب تُسَمِّي أشرافها بالصمد؛ لاجتماع قصد القاصدين إليه، واجتماع صفات السيادة فيه.

السادس : صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوّ القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف. وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت: كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية، والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتاً كقوله تعالى: ] لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [([4])، فإنه متضمن لكمال حياته وقيّوميته، وكذلك قوله تعالى: " وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ " ([5])، متضمن لكمال قدرته،وكذلك قوله : " وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ
ذَرَّةٍ " ([6]) متضمن لكمال علمه،وكذلك قوله:" لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ " ([7])، متضمن لكمال صَمَدِيَّتِهِ وغناه،وكذلك قوله: " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" ([8])،
متضمن لتفرُّده بكماله، وأنه لا نظير له. وكذلك قوله تعالى: " لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ "([9]) متضمن لعظمته، وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به، وهذا مطّرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب([10]).


 

 

---------------------------------

([1]) قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ((المجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح))، 4/49.

([2]) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب 91، برقم 3525، وأحمد في المسند، 4/177، والحاكم في المستدرك، 1/499، وقال: ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة، برقم 1536، وفي صحيح الجامع، برقم 1158.

([3]) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم 1495، والترمذي في كتاب الدعوات، باب 99، برقم 3544، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم 3858، والنسائي في كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم 1298، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم 1495.

([4]) سورة البقرة، الآية: 255 .

([5]) سورة ق، الآية: 38 .

([6]) سورة يونس، الآية: 61 .

([7]) سورة الإخلاص، الآية: 3 .

([8]) سورة الإخلاص، الآية: 4 .

([9]) سورة الأنعام، الآية: 103 .

([10]) بدائع الفوائد، 1/159-161، ثم قال: يجب أن يعلم هنا أمور، وذكر عشرين فائدة تكتب بماء الذهب فارجع إليها في 1/159-170 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ أقسام ما يوصف به الله تعالى