اختبار اليقين

الشيخ / خالد بن عثمان السبت


 كيف يُختبر اليقين؟ ما هو المحك الذي يتبين به رسوخ الإيمان، وثباته في قلب الإنسان؟ هناك مواقف يتبين العبد حاله فيها ومرتبته في هذا الباب، ومن هذه المواقف والمواطن:

* الموقف الأول: 


موقف التوبة: فالعبد الذي قد كمل اليقين في قلبه؛ لا يتردد إذا وقع منه تقصير، أو ذنب، أو زلة- وكل إنسان مُعرَّض لذلك- فإنه يبادر إلى التوبة من غير تردد، ويرجع إلى الله عز وجل، وينيب إليه؛ لأنه يعلم أن ثمة يوماً سيحاسب فيه على القليل والكثير، والدقيق والجليل، وسيؤاخذ بجرمه، فلا تردد عنده في التوبة. وأما من ضعف يقينه، فيحتاج إلى تحريك القلب بعرض ألوان من المواعظ والعبر، والأمور المُرقِّقة لقسوة قلبه، والأمور التي تزيل عن هذا القلب الغشاوة والغفلة، فيتحرك قلبه ويلين ويرق للتوبة، فيكون ذلك مُوَطِّئَا لها، ولربما احتاج إلى إقناع، ولربما احتاج إلى مُسَايَسَة ومُداراة وطول صحبة؛ من أجل أن تصلح حاله، ويتوب ولربما وعد بالتوبة ثم بعد ذلك يتراجع ويتردد ويحسب بزعمه الخسائر والأرباح، إذا تاب سيخسر هؤلاء الأصدقاء، سيخسر هذه الوظيفة، سيخسر كذا من أطماعه وشهواته، ثم يبقى متردداً متذبذباً يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وما ذلك إلا لضعف يقينه.


ولو اكتمل اليقين عند العبد  فإنه لا يبالي بشيء، وإنما همته وطِلْبَتُه هو رضا الله جل جلاله فلا يحتاج إلى إقناع، ولا يحتاج إلى مُسَايَسَة، ولا يحتاج إلى كثير ملاطفة، ولا يحتاج إلى طول صحبة؛ من أجل أن يتأثر، ومن أجل أن ينتقل من بيئة سيئة إلى بيئة أخرى، ولربما جئت بإنسان صاحب معصية، لربما جئت بمغنى من المغنين، لربما جئت بصاحب باطل ممن له في باطلة رزق ومعيشة، وكسب وشهرة، وما إلى ذلك، فحدثته وبينت له الأدلة على حرمة هذا الفعل، ولربما أقر لك بذلك وقال: أنا أُقر بهذا، لكن: من أين لي أن آكل؟ من أين لي أن أستقطب الأضواء؟ من أين لي بالجماهير التي تصفق حينما أظهر على خشبة المسرح؟


فيحتاج هذا إلى إقناع بتذكيره بما عند الله عز وجل في الدار الآخرة والنعيم، وأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وكأن الله عز وجل هو المحتاج إليه، وكأنه يُدِلُّ على ربه تبارك وتعالى بتوبته واستقامته، وتركه لهذه الذنوب والمعاصي التي فارقها، لماذا نتردد بالتوبة إلى الله عز وجل والأوبة إليه؟ لماذا يعضنا يحتاج إلى كثير من الملاطفة والمُسَايَسَة؟ ولربما احتاج العبد إلى شئ من المال من أجل أن يُتألف على الإيمان، إنما ذلك لقلة يقينه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى أقواماً ويترك آخرين، وحينما يُكلَّم في ذلك ويُذَكَّر بهولاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب عن هذا بأنه يَكِلُ أقواماً إلى إيمانهم، وأنه لربما أعطى الرجل مع أن غيره أحب إليه منه، فمثل هؤلاء لماذا أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن يقينهم مزعزع؛ لأنه ضعيف؛ لأن إيمانهم لم يصل إلى مرتبة اليقين الثابت، فأولئك يُتركون ليقينهم، ولإيمانهم الراسخ، فلا خوف عليهم؛ لأنه لا تردد عندهم في هذا الإيمان الذي دخلوا فيه، أما هذا فيحتاج إلى مداراة، ويحتاج إلى الأخذ بخاطره- كما يقال-، يحتاج إلى أن يتنازل الإنسان عن بعض حقه معه من أجل أن لا ينكص على عقبيه، فهذه حقيقة يحتاج الإنسان أن يتأملها مع نفسه هو، وأن يتأملها مع غيره.  هذا الموقف الأول الذي يُختبر فيه اليقين .


 الموقف الثاني:


 هو موقف المصيبة: فكثير من الناس يحسن الكلام عن الصبر، وعن الثبات، وعن الإيمان، وعن الجزاء الذي يعطيه الله عز وجل للصابرين في الدار الآخرة، وما أعد لهم من النعيم المقيم، ولكنه إذا وقعت المصيبة؛ اضطرب وتحرك قلبه، فجزع، ولم يثبت ولم يصبر، وإنما كان متسخطاً على ربه تبارك وتعالى معترضاً على أقداره، والله عز وجل يقول:

"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ[155]الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[156]" .

[سورة البقرة]

فمن كان متحققاً باليقين؛ فإنه عند المصيبة يكون رابط الجأش، ثابتاً، صابراً، حابساً للسانه عن التسخط، ولجوارحه عن فعل ما لا يليق من شق جيبٍ، أو لطم خدٍ، أو نحو ذلك مما يفعله من لا يقين عندهم، فهذه أمور قد لا تتبين في حال الرخاء، وإنما تتبين في حال الشدة والمصائب. ولربما أبتُلي العبد المؤمن، فسخط على ربه أن ابتلاه بهذا البلاء، والله عز وجل ابتلاه ليمحصه ولم يُبتل ليهلك . ابتلاك الله عز وجل ليرفعك من درجة إلى درجة، ومن منزلة إلى منزلة، وتُبّلَّغ بهذا البلاء منازل عند الله عز وجل في الجنة لا تبلغها بعملك، فإذا نزلت بالعبد المصيبة التي تهيئه لذلك المقام في الجنة:

قد رشحوك لأمر لو فطنت له  فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل 

فسرعان ما ينتكس العبد، ويتبرم، ويتسخط على ربه، ويعترض على أقدار الله تبارك وتعالى، فهذه أمور تظهر في حال الشدائد..ولربما دعا إلى الله عز وجل، ولربما جاهد في سبيله، ولربما بذل ماله، ثم يبتلى فيتسخط، ولربما عاهد الشيطان بأن يتوب إليه توبة نصوحاً عن فعل الخير، وعن صحبة الأخيار والصالحين، وأن يقطع ذلك أجمع؛ لئلا يقع به مثل هذا المكروه الذي ناله، فهذا ليس له نصيب من اليقين.



 الموقف الثالث: 


في حال الحاجة: فإذا احتاج العبد وافتقر إلى المخلوقين، إلى مَالِهِم في فقره في دنياه، أو احتاج إليهم في شئ من الأشياء في دنياهم، فإنه بذلك يختبر يقينه، فإذا كان قلبه يتلفت إلى المخلوقين، ويتطلع إليهم، ويتعلق بهم لينال ما عندهم؛ فإن قلبه لم يتحقق باليقين بَعْدُ. وأما إذا كان قلبه متوجهاً إلى الله وحده لا شريك له، لا يلتفت إلى أحد من المخلوقين، ولا يتعلق بهم؛ فإن هذا اليقين هو اليقين الكامل.


 الموقف الرابع: 


في حال الغنى: فمن الناس من لا يصبر إذا أغناه الله عز وجل، فيصل به ذلك إلى الكفر، لربما قال العبد: إنما أوتيته على علم عندي، وينسى أن الله عز وجل هو الذي أعطاه وأولاه، وأن الله عز وجل هو مالك الملك وأن العطاء بيده، وأن الكون ملكه بما فيه، ينسى هذا ويقول: إنما أوتيته على علم، إنما حصلته بجدي واجتهادي وجهدي، وتحصيلي وذكائي وعلمي بوجوه المكاسب، ولربما قال: حصلته وورثته كابراً عن كابر، ولربما قال غير ذلك مما يكون فيه نسيان المنعم، والذهول عن مقام استشعار إنعامه وإفضاله على العبد، فيكون بذلك كافراً لنعمة ربه جل جلاله.

وعلى كل حال: إذا أردت أن تكون متحققاً باليقين، وأن تعرف ذلك من نفسك؛ فلا تُمْسِ ولا تُصْبِح وفي قلبك أحد أحب إليك من الله، وإذا أردت أن تتحقق باليقين، وأن يكون ذلك وصفاً راسخاً ثابتاً في قلبك؛ فلا يكن أحد من المخلوقين أخوف عندك من الله . وبالتالي فإن صاحب اليقين لا يتعلق بأحد من الخلق لعطاء أعطاه، أو لجمال صورته، أو لغير ذلك، لا يتعلق قلبه به، ويلتفت إليه ليرجو ما عنده، ولا يخاف أحداً من المخلوقين، فيترك ما أمره الله عز وجل به، أو يتردد في التمسك بحبل الله جل جلاله من أجل الخوف من هذا المخلوق، فيكون صاحب اليقين ثابتاً، مرتبطاً بالله عز وجل في كل أحواله، فهو يرجو الله، ويؤمله، ويحبه، وهو أحب شئ إليه، كما أنه يخاف الله عز وجل ولا يرقب أحداً سواه .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ اختبار اليقين

  • مما يثمره اليقين: التوكل على الله عز وجل

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    * السابع: من ثمرات اليقين: أن البلاء يصير عند من استكمل اليقين نعمة، والمحنة منحة:قال سفيان بن عيينة:'من لم

    03/04/2018 793
  • الأمور التي تنافي اليقين

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    عاشراً: الأمور التي تنافي اليقين: وأعظم ذلك أن يكون القلب متطلعاً إلى غير الله عز وجلّ، متعلقاً به، ملتفتًا إليه،

    04/04/2018 684
  • إختبار عدم الزيف

    فريق عمل الموقع

    إختبار عدم الزيف :   أقترح عليك ، أنك إذا دخلت فى نقاش مع أحد عن الأديان أن تسأله هذا السؤال

    05/09/2010 3565