البلاغ الثاني في التعرف إلى الله والتعرف به

البلاغ الثاني في التعرف إلى الله والتعرف به

الشيخ / فريد الأنصاري

اسأل نفسك: هل تعرف المرسِل؟ أو بعبارة أخرى: هل تعرف الله؟

هذه خطوة أولى، لا بد منها لقراءة الرسالة الربانية؛ ذلك أن أول مقاصد القرآن هو تعريف الناس بالله، المتكلم بالقرآن؛ ولذلك جاء تعريف الله لذاته سبحانه؛ بأسمائه الحسنى؛ مباشرة بعد التنبيه على عظمة هذا القرآن، كأنه قال لك: اعرف القرآن أولاً لتعرف الله، أوَ ليس هو تعالى المتكلم بالقرآن؟

قال جل جلاله يصف ذاته: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

[الحشر:21- 24]

، اقرأ وتدبر.. ثم ابصر!

من أنت؟ نعم أنت هذا الإنسان الذي وجد نفسه – فجأة – في هذا الكون الفسيح، الممتد عرضه إلى حدود الغيب المجهول. كون عجيب وغريب. لم يستطع الإنسان المعاصر رغم ما اكتسب في مجال العلوم الكونية والفلكية والطبيعية، من معارف؛ أن يسبر أغواره الرهيبة، بل ها هو ذا ما يزال واقفاً على شاطئ الكون ينظر في حيرة: أين ترسو حدود الضفة الأخرى؟

فما المجرات والنجوم والكواكب وأفلاكها وفضاءاتها جميعاً – مما نرى ومما لا نرى – إلا بطن السماء السفلى، الممتدة من تحت سبع سماوات!

كما قال الله عز وجل في القرآن {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}

[الصافت: 6]

، وما الأرض من ذلك إلا كحلقة في فلاة! وأما باقي السماوات فذلك ما لا سبيل إلى إدراكه إلا بالإيمان!

وتنبعث الحياة في الإنسان .. ليسعى في الأرض وينظر إلى السماء، ويتأمل ويتفكر، ليدرك في نهاية المطاف ألا حل لهذا اللغز الذي يطوق وجوده إلا برسالة تجيء من عالم الغيب، تخبره بسر وجوده، وسر الوجود كله من حوله، أرأيت أن لو لم تأت أي رسالة؟ كيف يكون مخرجه من هذه الظلمات سل نفسك هذا السؤال، وتأمل!

ثم تأتي الرسالة من رب الكون إلى هذا الإنسان.. وكان أولى به أن ينظر – أول ما ينظر – إلى مرسلها، ويسأل – أول ما يسأل – عن مصدرها؛ حتى يتحقق منه يقيناً. ذلك أن الإنسان عندما يتوصل عادة بأي رسالة أرضية بشرية، فإنه ينظر بأدئ النظر إلى اسم المرسِل من هو؟ حتى إذا استقر في ذهنه اسمه قرأ الرسالة حينئذ؛ لأنه على قدر المرسِل عند المرسَل إليه تكون قيمة الرسالة، ولقد علمنا أن الإنسان إذ تصله رسالة من محبوب أو مرهوب، يقرأ خطابه بروية وإمعان، حتى إن الأم الأمية التي تتلقى رسالة من ولدها، المسافر في أرض الغربة النائية بعيداً، تكلف من يقرأ لها الكلمات، فتستمع لها استماعاً وتنصب إنصاتاً، وتراها وهي المرأة الأمية – تصيخ السمع للكلمات الفصيحة، تتلقاها تخيلاً بالوجدان، وإن لم تفهم معناها الدقيق على التحقيق، فتحرك رأسها بالقبول لكل ما قال الحبيب! وتأتي الرسالة من رب الكون ولكن قلما نوليها ما تستحق من اهتمام، مع أنها تجيبنا عن لغز الحياة من حولنا، ولغز وجودنا فيها، فلا نحتفي بالقرآن رسالة الله إلى العالمين. عجباً. عجباً! وإذن؛ دعني أبدأ لك بالدعوى فأقول: إننا – مع الأسف – لا نعرف الله!

نعم، إن وضع المسلمين اليوم يؤكد هذه الحقيقة المؤسفة، تقول كيف؟ إليك البيان:

أما المعرفة بالله فدرجات ومراتب، وما أحسب هذا الشرود الرهيب عن باب الله في هذا الزمان؛ إلا دليلاً قاطعاً على الجهل العظيم، الذي يكبل الناس أن يبحثوا عن ربهم الذي خلقهم؛ مما يصنفنا دون أدنى مراتب المعرفة بالله تَرَخَيْنَا عن سلوك طريق المعرفة به في الرخاء، فبقينا هملاً، أو لقى في مزبلة التاريخ! وبقيت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا دون وفاء، فكان لها مفهومها المخالف في واقعنا: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).

لو كان الناس يعرفون الله حقاً؛ لرأيت الحال غير الحال؛ ولرأيتهم يسابقون في أداء حق الخالقية، وبيان ذلك بالمثال التالي، ولا مشاحة في الأمثال:

إذا قدر الله أن يكون إنسان ما جاهلاً بوالديه – لسبب من الأسباب – كليهما أو أحدهما لكنه نشأ محتضناً بحضن بعض المحسنين، حتى شب وكبر ثم اكتشف الحقيقة:

وهي أن هذا الذي رباه ليس أباه، وأن هذه التي أرضعته ليست أمه التي ولدته؛ فإنه حينئذ يدخل في غربة شديدة، قد تذهب بعقله كله، أو بعضه، إلا أن يعتصم بالله، والسبب في ذلك أنه فقد المعرفة بمن كان له سبباً في الخروج من عالم العدم إلى عالم الوجود، ودخل في جهل عظيم بنسبه وأصله، وانقطعت بين يديه سلسلة سنده التي تربطه إلى شجرة المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه، وهنا – بصورة تلقائية لا إرادية – يدخل في سلسلة من البحث والأسئلة في كل مكان، وحيثما اتفق، يسأل سؤالاً واحداً: من أبي أو من أمي؟ سؤالان يؤولان إلى معنى واحد: هو من أنا؟ إن البحث عن الذات فطرة في الإنسان ولن تعرف الذات إلا بمعرفة سبب وجودها، إذ المعلومات مرتبطة بالعلل وجوداً وعدماً، ومن ثم جهلاً ومعرفة ، وهنا يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، في قصة غضبه من كثرة أسئلتهم المعنتة.

أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم خطيباً، فكان مما قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه! فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا! قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني! فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار! فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة! قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني! سلوني! فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه: أولى والذي نفس محمد بيده! لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً، في عُرْض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر!".

فتأمل هذا المشهد: كيف لم يجرؤ أحد من الصحابة أن يسأل شيئاً؛ إذ رأوا أمارة الغضب عليه صلى الله عليه وسلم إلا رجلين: أحدهما سأل عن مدخله، فأجابه: النار، والعياذ بالله والآخر انتهز الفرصة – رغم هول الموقف – فقال: (من أبي؟) فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: "أبوك حذافة"، إن الإحساس بانقطاع النسب عقدة اجتماعية، سببها الإحساس بالجهل بالذات اجتماعياً، ولا وجودياً؛ ولذلك فقد جاء في رواية مسلم لهذا الحديث: (فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟)؛ أي أنه كان إذا خاصمه أحد من الناس؛ سبه وعيره بنسبته إلى غير أبيه! فكان ذلك يحزنه ويعقده، فلم يستطع أن يكتم رغبته الجامحة في معرفة حقيقة نسبه، رغم ما شهد من رهبة اللحظة، وخوف الصحابة من غضب النبي صلى الله عليه وسلم! وكم شهدنا من الناس من أنفق ما أنفق من الأموال والأعمار؛ من أجل اكتشاف والده، أو أي أحد من عشيرته، أو أي خيط – مهما بعد أو ضعف- من خيوط نسبه، أو من له صلة بذلك من الناس، عساه أن يصله بحقيقة نفسه، ولو توهما!

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ البلاغ الثاني في التعرف إلى الله والتعرف به

  • القرآن هو متن رسالة الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة : القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله.. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته

    10/12/2018 444
  • مدى إدراك العقل لصفات الله

    دكتور عمر سليمان الأشقر

      أن السبيل الذي يعرفنا بالله هو النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن الله حديثاً مباشراً مبينة صفاته

    18/10/2009 4388
  • إن الدعوة إلى الله إنما هي تعريف بالله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة: إن الدعوة إلى الله إنما هي تعريف بالله.. فتأمل! هؤلاء الناس الذين شغلتهم أموالهم الفانية، وأشغالهم

    18/12/2018 249