التجديد الفطري: مَعَالِمُهُ المنهجية وقَضايَاهُ العُمرانية

التجديد الفطري: مَعَالِمُهُ المنهجية وقَضايَاهُ العُمرانية

الشيخ / فريد الأنصاري
المقال مترجم الى : English


وفيه تمهيد ومبحثان:

تمهيـد : هدف المعركة الجديدة إذن؛ هو الوجود الديني للمجتمع الإسلامي ذاته! وساحتها هي الإنسان المسلم نفسه! ليس بما كان مقصوداً في الاستعمار القديم، ولا بما كان مقصوداً بالظلم السياسي الحديث. ولكن المسلم مقصود اليوم بالتدمير؛ بما هو حائل طبيعي متين دون الطغيان الصهيوني، وحلم (إسرائيل الكبرى)، ودون التمكن الأمريكي من النفط العربي! ثم دون ثقافة الاستهلاك العولمي، والاستعباد الشهواني! ولذلك فهو مستهدف في عقيدته، ونظام تربيته وتعليمه، ونمط حياته! مستهدف ببرامج تعليمية وإعلامية أخرى، وبنظم اجتماعية جديدة، وبتدمير كلي لمفهوم الأسرة، وبناء تركيبة اجتماعية أخرى، لا يبقى من إسلامها إلا أسماؤها! تماما على نحو ما يصنعون لما يسمى بـ(الجيل الثالث) من أبناء المهاجرين في الغرب، حيث ذوبت النظم الغربية شخصيتهم الإسلامية، فضاع أغلبهم كما ضاعت بقايا (الموريسكيين) من أهل الأندلس، في المجتمع الإسباني النصراني!

لقد جيشت أمريكا لذلك جيوش عولمتها، المحمية ليس بأسلحة التدمير الشامل فقط؛ ولكن أيضا بأسلحة أخرى أخطر! إنها: ترسانة الإعلام والاقتصاد والثقافة والتعليم والتقنين الاجتماعي ... إلى آخر ما يمثل آلة "الديموقراطية الليبيرالية" في مفهومها الغربي!

 تلك هي طبيعة المعركة الجديدة. فإما بعثة  تجديدية جديدة، وإما قرون أخرى في ظلمات التيه، لا قدَّر الله! ولكن يأبى الله عز وجل إلا أن يحفظ كتابه إلى يوم القيامة. تلك عقيدتنا. وقد تواتر ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)

(التوبة:33)،

وقال صلى الله عليه وسلم: (ولا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة!)

رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان،‌ وصححه‌ الألباني: حديث رقم‌:‌ 702 في صحيح الجامع‌.‌

وقال أيضا: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس!)

متفق عليه.

  لكن القضية هي مسؤولية الإنسان المسلم، الذي تعلق هذا الدين بربقته، عقيدة وشريعة ومصيرا، في الدنيا وفي الآخرة! إنها مسؤولية الفرد، ومسؤولية الجيل! إنها مسؤولية (حفظ الدين)، التي أناطها الله جل وعلا بالتكليف التعبدي الإنساني. وما حفظه – كما تبين من قبل - إلا (ببعثة للتجديد)، تنطلق كلما أحدق الخطر ببيضة الإسلام.

 وإن عِظَم الخطر اليوم، وشموليته، وعمقه، بما لم يسبق له مثيل في منهجية التدمير الوجداني؛ لجدير بأن يكون وحده مؤشرا قويا على أن الزمان زمان بعثة جديدة! ولمن كان يبصر فتلك بشائرها تلوح أنوارا في الأفق. وما جاء الفرَجُ قط إلا بعد (حتى) الدالة على أقصى غايات الضيق والحرج! والنهاية في مراحل البأساء والضراء!

قال عز وجل: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)

(البقرة:214)

وقال سبحانه: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)

(يوسف:110).

 وإذا كان لنا من كلام عن (بعثة التجديد الفطري) فهو عن معالمها المنهجية الكبرى. وهو كلام مبني بالدرجة الأولى على استقراء النصوص القرآنية والحديثية، ثم بدرجة ثانية على قراءة ضرورات المعركة الجديدة وطبيعتها، بما أشرنا إليه قبل. 


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ التجديد الفطري: مَعَالِمُهُ المنهجية وقَضايَاهُ العُمرانية