الثبات أمام الفتن

الثبات أمام الفتن

الشيخ أحمد الشوبكي

التوحيد سبيل الثبات على الدين
إن من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى ،نعمة الهداية إلى دين الإسلام ،تلك النعمة الغالية من حازها فهو السعيد، ومن حُرمها فهو الشقي ،ولأنها نعمة عظيمة فهي سريعة التفلت والزوال إلا إذا عصم الله عبد واصطفاه لها بعوامل الثبات عليها ،فقد سألها رسول الله فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، ومن دعاء الراسخين في العلم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران:8] فلقد حرم من هذه النعمة أناس كثيرون ولم يثبتوا عليها لأنهم لم يتشبسوا بأهم دعامة من دعائم الثبات على الدين ألا وهو مبدأ التوحيد.

-

فلما ابتعد عنه وتركه تعرض للفتن فأقل فتنة ينتكس بها ويعبد الله على حرف { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }(سورة الحج :11)
-
أما أهل التوحيد فقد كانت لهم عزة وصولة ،ولم يقبلوا مجرد قبول الدنية في الدين فضلا عن بيعه وتركه.
-
ومن الأمثلة النادرة التي ثبتت على التوحيد مع شدة الفتن التي تعرض لها هو سيدنا عبد الله بن حذافة السهمي ،فقد خرج لقتال الروم في العام التاسع عشر من الهجرة النبوية في خلافة عمر بن الخطاب ،وطال السجال بين الفريقين ،فأراد قيصر الروم أن يتعرف على هؤلاء الأشاوس الذين لم يحارب مثلهم قط ،ولم يسمع عن أحد كما سمع عنهم ،فأمر أن يأتيه أسير من أسرى المسلمين ،وإذا بقدر الله يخرج للقائه من رباه رسول الله على مقابلة الملوك ،فقد أرسله رسول الله من قبل برسالة إلى كسرى في العام التاسع من الهجرة ،فكان له من خبرة الدخول على الملوك ما جعله يعلم كيف يدخل على قيصرـ وتعجب قيصر الروم من أسلوبه وشجاعته ،فبدأ يتعرف على شخصية المسلمين من خلال سيدنا عبد الله بن حذافة ،وقد أدخل عليه من بابه ،فقال له قيصر ممتحنا ثباته أمام فتنة كالمال : هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن ديني طرفة عين.

-

فتعجب القيصر من قوم قادمين من صحراء وخيام ولا يريد ملكا يصير به من أغنى الأغنياء ،ولو حتى بالكلام ،فاستخدم معه أسلوبا آخر في الفتن وهو التهديد فقال  له :إذًا أقتلك ،فقال سيدنا عبد الله بكل ثبات :أنت وذاك ،فقال القيصر للرماة :ارموه قريبًا من بدنه، وأخذ يعرض عليه المسيحية وعبد الله يأبى.

-

فتعجب القيصر وازدادت حيرته ألا يخاف الموت ،فحاول معه التهديد بالموت بصورة أفظع وأبشع مقابل ماذا كل هذا يا أحبه ؟ أن يترك دينه ولو- بالكلام ،لكنه لا يريد أن يشمت فأعداء الله في المسلمين ،إنه التوحيد ،فقال للرماة :أنزلوه ،ودعا بوعاء كبير فصبَّ فيه ماءا ،وأشعل تحته النار، ودعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقى فيها ،فذاب فورا أما عين سيدنا عبد الله واستشهد وهو ثابت على دينه ،فبكى هنا سيدنا عبد الله ،ففرح الملك أن وجد شيئا يؤثر فيه ، وظن أنه خاف وتزحزح عن توحيده وأنه جزع ،فقال الملك فرحا منتشيا :ردوه ،ثم سأله أما قومه وجنده :ما أبكاك؟ فجاء الرد مفزعا من البطل صاحب التوحيد الذي جعله كالجبل الأشم قائلا :هي نفس واحدة، تلقى الساعة، فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في سبيل الله.

-

ساعتها راحت هيبة الملك فأراد أن ينفذ سيدنا عبد الله له أي أمر أمام قومه وجنده فقال له :هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك ،فلم ينس إخوانه لأن صاحب التوحيد بينه وبين إخوانه ولاء على المنهج لا يتنازل عنه ولو فيه نجاته ،انما لابد أن ينجو الكل معه فقال سيدنا عبد الله :وعن جميع إخواني المسلمين الأسرى؟


-

 فقال الملك مستجيبا لأنه أخيرا سينفذ له أمر :نعم، فقبل عبد الله رأسه، وأخذ عبد الله جميع الأسرى ،وقدم بهم إلى سيدنا عمر ،فأخبره بما حدث ،فقال عمر :حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه.
وهكذا الحياة تتابع المحن فيها على أهل الإيمان ,وقد يكون هذا عقوبة من الله وقد يكون منحة منه سبحانه وتعالى ،قال تعالى {و نبلوكم بالشر والخير فتنة }
فعليكم بالتوحيد يعينكم الله به على الثبات ،واستعصموا بتحقيقه يكتب الله لكم به النجاة من كل الفتن والآثام
السابق

مقالات مرتبطة بـ الثبات أمام الفتن

  • تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن

    فريق عمل الموقع

    أولاً: حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الفتن والوقوع فيها: لأن الفتن إذا وجدت ووقعت قد تؤدي إلى الضلال

    16/10/2012 2007
  • اطلب الله هدايته

    د. عبدالله بن حجر

    على المسلم أن يلجأ إلى الله بطلب هدايته و الثبات عليها ؛ فإنّه لا هادي إلا الله ، و لا مثبت إلا هو سبحانه ، خاصة

    16/10/2017 514
  • سلوا الله الثبات

    ابن رجب

    قال ابن رجب رحمه الله : سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلّب القلوب، ومن الحَور بعد

    31/12/2018 386