الجمع بين الروايات أَن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة

فريق عمل الموقع

 

 

الجمع بين  الروايات أَن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة، وأنه يقول: يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة فى أوقاتها. فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله [تعالى]، وهو أعلم بها وبكلام الملك، فتصرفه فى أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولداً، وذلك بعد الأربعين الأُولى فى أول الطور الثانى. ولهذا- والله أعلم- وقعت الإشارة إليه فى أول سورة أنزلها على رسوله: {إقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذى خَلَقَ  خلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1- 2] إذ خلقه من علقة هو أول مبدء الإِنسانية، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ثم للملك فيه تصرُّف آخر [فى وقت آخر] وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأُنوثيته وهذا إنما يكون فى الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. فها هنا تقديران وكتابان: التقدير الأول عند ابتدا ء تعليق التخليق فى النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت فى طور العلقة. ولهذا فى إحدى الروايات: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة". والتقدير الثانى الكتابة [الثانية] إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكراً أو أنثى. فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثانى تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره، ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه فى تلك السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر  من العام إلى العام فهذا التقدير أخص من التقدير الثانى، والثانى أخص من الأول ونظير هذا أيضاً أن الله [سبحانه] قدر مقادير الخلائق قبل أَن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقهم وأوجدهم ثم يقدر كل سنة فى ليلة القدر ما يكون فى ذلك العام. وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدم ذكر تقدير شأْنها قبل خلق السموات والأرض فَهو تقدير بعد تقدير.

 

ونظير هذا أيضاً رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع فى شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ"، ويعرض عمل الأُسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، ويعرض عمل اليوم فى آخره والليلة فى آخرها كما فى حديث أبى موسى الذى رواه البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم: "أن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل"، فهذا الرفع والعرض اليومى أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرض فيها أخص من العرض فى شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف، وهذا عرض آخر. وهذه المسائل العظيمة القدر من أَهم فإن قيل: ما تقولون فى قوله: "إِذَا مَرّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكاً فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعَظْمَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَب أَذكر أَم أُنثى؟ فيقضى ربك ما شاءَ ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب أَجله؟ فيقول ربك ما شاءَ ويكتب الملك"، وهذه بعض أَلفاظ مسلم فى الحديث، وهذا يوافق الرواية الأُخرى: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأَربعين أَو خمس وأَربعين ليلة فيقول: يا رب أشقى [أم] سعيد؟"

ويوافق مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادى الأُمة محمد صلى الله عليه وسلم.

الرواية الأُخرى: "إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك، وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأُولى. قيل: لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع فى الأَربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأُولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فأما أن يكون المراد بالأَربعين فى هذه الألفاظ الأربعين الثالثة وسمى المضغة فيها نطفة اعتباراً  بأول أحوالها وما كانت عليه، أو يكون المراد بها الأربعين الأولى وسمى كتابة [تصويرها وتخليقها] وتقديره اعتباراً بما يئول، فيكون قوله: "صورها وخلق سمعها وبصرها" أى قدر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله به بعد الأربعين الثالثة أو يكون المراد به- أى الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفى لا يدركه إحساس البشر، فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينذ يكون أول مبدإٍ التخليق فيكون مع هذا المبدإ مبدأُ التصوير الخفى الذى لا يناله الحس ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد فأحد التقديرات الثلاثة يتعين ولا بد، ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم، وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدر، والله أعلم بمراد رسوله، غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاق، [كان] عند أول تخليقه. ويحتمل وجهاً رابعاً وهو أن النطفة فى الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتنى بشأْنها، فإذا جاوزتها وقعت فى أطوار التخليق طوراً بعد طور، ووقع حينئذ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أُسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيدها ووقتها فى حديث ابن مسعود، والمطلق فى مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب، فأخبر بما تكون النطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع فى أوقات متعددة، وكله بعد الأربعين الأُولى، وبعضه متقدم على بعض، كما أن كونها علقة يتقدم على كونها مضغة وكونها مضغة متقدم على تصويرها والتصوير متقدم على نفخ الروح مع ذلك، فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأَربعين تكون علقة ومضغة، ويصور خلقها، وتركب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضى وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل. وهذا وجه حسن جداً.

 

 

والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار  الدنيا، فأسكنه الجنة أو النار وهو فى بطن أمه. وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ" الحديث. وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِى وَلا اسْتَخْلَفَ مَنْ خَلِيفة إِلا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَهُ اللهُ"

 

 

وفى سنن ابن ماجه عن عدى بن حاتم أنه قال: أَتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "يَا عدِى أَسْلِمْ تَسْلَم" قلت: وما الإسلام؟ قال: "تَشْهَدُ أَنَّ لا إلَهَ إِلا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، وَتُؤْمِنُ بِالأَقْدَارِ كُلِّهَا خَيْرِها وَشَرِّهَا وَحُلْوَهَا وَمُرِّهَا" وفى صحيح البخارى من حديث الحسن عن عمرو بن تغلب قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى قوماً ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا، فقال: "إِنِى أَعْطِى الرَّجُل وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَى مِنَ الَّذِى أَعْطِى، أَعْطِى أَقْوَاماً لِمَا فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالهَلَع، وَأَكِلُ أَقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْقَنَاعَةِ وَالْخَيْرِ الحديث.

 

 

وفى الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم: "كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيءِ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَخَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَكَتَبَ فِى الذَكْرِ كُلَّ شَيءٍ".

وفى الصحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشجّ عبد القيس: "إِنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ" قال: يا رسول الله خلقين تخلقت بهما، أم جبلت عليهما؟ قال: "بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا" قال: الْحمد لله الَّذى جبلنى على خلقين يحبهما اللهُ. وقال أبو هريرة: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ" رواه البخارى تعليقاً.

وذكر البخارى أيضاً عن ابن عباس فى قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] قال: سبقت لهم السعادة.

وفى سنن أبى داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأُبَى بن كعب، وزيد بن ثابت: "أَن الله لو عذب أَهل سماواته وأَهل أَرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً فى سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقْدَر، وتعلم أَن ما أَصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأَك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلتَ النار"

وقاله زيد بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم.

 

وفى سنن أبى داود عن أبى حفص الشامى قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنى، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكتب، قال: يا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُل شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" يا بنى، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْر هَذَا فَلَيْسَ مِنِّى".

وفىالصحيحين عن على رضى الله عنه قال: كنا فى جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة فى الأرض، ثم رفع رأْسه فقال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا من النَّارِ أَوْ الْجَنَّةِ، إِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أَوْ سَعِيدَةٌ". قال: فقال رجل من القوم: يا نبى الله أو لا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة؟ قال: "اعْمَلُوا، فَكُل مُيَسَّر، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَة فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلشَّقَاوَةِ"، ثم قرأ نبى الله: {فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ  وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ  فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ  وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ  وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ  فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ} [الليل:5-10]. وفى السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهنى أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ} [الأعراف: 172]، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَلَقَ الله آدَم ثُمَّ مَسَحَ ظهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهرَهُ فَاستخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّار، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ" قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الله تَعَالَى إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَملِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةِ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِن أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ"

 

 

وفى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأرضِ، فجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُم الأَحْمَرُ وَالأَبْيَض وَالأسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْل والْحزْن وَالْخَبِيث وَالطَّيِّب". قال الترمذى: حديث حسن صحيح.

وذكر الطبرى من حديث مالك بن عبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: "لا [تكثر] هَمُّكَ، ما يُقَدَّرْ يَكُنْ، وَمَا تُرْزَق    يَأْتِكَ"

وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ دَاعِياً وَمُبَلِّغاً، وَلَيْسَ إِلَى مِنْ الْهُدَى شَيءٌ. وَخُلِقَ إِبْلِيس مُزَيَّناً، وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَلالةِ شَيءٌ"،

وقال ابن وهب: [أخبرنا] عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم فسمع ناساً من أصحابه يذكرون القدر فقال: إِنَّكُمْ قَدْ أخَذْتُمْ فِى شُعْبَتَيْنِ بَعِيدَتِى الغَوْرِ، فِيهمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ"، ولقد أخرج يوماً كتاباً فقال: "هَذَا كِتَابٌ مِن الله الرَّحمن الرَّحيم فيه تَسْمِيَةُ أَهْل الجَنَّةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وقَبَائِلهِمْ وَعَشائِرِهِمْ فَحَمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ لا يَنْقُصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ: فَرِيقٌ فِى الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ".

وفى الترمذى عن ابن عباس قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "يا غُلامُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ احْفَظ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظ الله تَجِدهُ أَمامَكَ، تَعَرَّف إِلَى الله فِى الرَّخاءِ يَعْرِفَكَ فِى الشِّدَّةِ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأل الله، وَإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، رُفِعَت الأَقْلامُ وَجَفَّت الصُحُف، لَوْ جَهِدت الأُمَّة عَلَى أَنْ يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلا بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لك ولو جهدت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عَلَيْكَ، وَاعْلَم أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَج مَعَ الكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً". وفى بعض روايات الحديث فى غير الترمذى: "فَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَعْطُوكَ شَيئاً لَمْ يُعْطِهِ اللهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَمْنَعُوكَ شَيئاً قَدَّرَهُ اللهُ لَكَ مَا اسْتَطاعُوا، فَاعْبُدِ اللهَ مَعَ الصَّبْر عَلَى الْيَقِينِ"

 

 

وقال على بن الجعد: أَنبأَنا عبد الواحد بن سليم البصرى عن عطاء بن أبى رباح قال: سألت [الوليد بن] عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: يَا بنى اتق الله، واعلم أنك لن تتقى الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبت كيف لى أن أُؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما [أخطأك] لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَم [فَقَالَ] لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ فَجَرَى تِلْكَ السَّاعَة بِمَا كَانَ وَما هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ"

وذكر الطبرى من حديث بقية أَنبأَنا أبو بكر العنسى عن يزيد بن أبى حبيب ومحمد بن يزيد قالا: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله، لا تزال نفسك فى كل عام وجعة من تلك الشاة الْمسمومة التى أَكلتها؟، قال:  "ما أَصابَنِى [من] شَيْء مِنْهَا إِلا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَى وَآدَمُ فِى طِينَتِهِ".

وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس فى خطبة النبى صلى الله عليه وسلم: "الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضَلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِى لهُ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".

 

وفى صحيحه أيضاً عن زيد بن أرقم: كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَ آت نَفْسِى تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا". وفى صحيحه أيضاً عن على [رضى الله عنه] عن النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاءِ الاستفتاح:

"اللهم اهْدِنِى لأحْسَنِ الأَخلاق، لا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَ الأَخْلاقِ، لا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئهَا إِلا أَنْتَ"، وفى الترمذى والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: "اللُّهُمَّ أَلْهِمْنِى رُشْدِى، وَقِنِى شرّ نَفْسِى".

وروى سفيان الثورى عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب [بالجابية] خطيباً فقال فى خطبته: "مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ وَمَن يُضْلِلْ فَلا هَادِى لَهُ" وعنده الجاثليق يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أنَّ الله لا يضل أحداً، قال: كذبت يا عدو

الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك، إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه. وذكر الطبرى عن أبى بكر الصديق قال: خلق الله الخلق فكانوا فى قبضته، فقال لمن فى يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن فى يده الأُخرى: ادخلوا النار ولا أُبالى، فذهبت إلى يوم القيامة، وقال ابن عمر: جاءَ رجل إلى أبى بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر الله؟ فقال: نعم. قال: فإن الله قدره على ثم يعذبنى؟ قال: نعم يا ابن اللخناءِ، أما والله لو كان عندى إنسان أمرت أَن يجأَ أَنفك. وذكر عن علي رضى الله عنه أَنه ذكر عنده القدر يوماً فأَدخل إصبعيه السبابة والوسطى فى فيه فرقم بهما باطن يده فقال: [أشهد] أن هاتين الرقمتين كانتا فى أُم الكتاب. وذكر عنه أيضاً أَنه قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أَخطأَه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله.

 

 

وذكر البخارى عن ابن مسعود أنه قال فى خطبته: الشقى من شقى فى بطن أُمه، والسعيد من وعظ بغيره. وقال ابن مسعود: لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد فى يدى أحب إلى من أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يكن. وقال: لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت، وقال الأعمش عن [خثمة عن] ابن مسعود: إنَّ العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سمواتٍ فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنى إن يسرته له أدخلته النار. قال: فيصرفه الله عنه، قال: فيقول: من أين دهيت؟ أو نحو هذا وما هو إلا فضل الله [عز وجل].

وذكر الزهرى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضاً شديداً، واغمى عليه وأفاق فقال: أغمى على؟ قالوا نعم قال أنه أتانى رجلان غليظان فأخذا بيدى فقالا: أنطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فنطلقا بى فتلقهما رجل فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعاده وهو فى بطن أمه

وقال ابن جريج عن أنبأنا طاوس عن ابيه قال: أشهد [أنى]سمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر

وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إن ناساً يقولون فى القدر: قال: يكذبون بالكتاب إن أحدث أحدهم شعراً لاتصونه إن الله عزوجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق القلم، فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة، فإنه يجرى الناس على أمر قد فرغ منه وقال ابن عباس أيضاً: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضاً للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لاانفصام لها

وقال عطاء بن رباح: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: ياابن عباس، أرأيت من صدنى عن الهدى وأوردنى دار الضلالة وارداً، إلا تراه قد ظلمنى؟ فقال: إن كان الهدى شئ كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلا يظلمك. قم ولا تجالسنى.

قال عكرمة عن ابن عباس: كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له: فكيف ذاك؟ الهدهدد ينصب له الفخ عليه التراب فقال أعضك الله بهن أبيك ن إذا جاء القضاء ذهب البصر

وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسماعيل، أنبأنا أبا هارون الغنوى، أنبأنا [ابو] سليمان الذدى عن أبى يحيى "مولى بنى عفراء" قال اتيت ابن عباس، ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر- أو ينكرونه- فقلت يا ابن عباس ما تقول فى القدر؟ فإن هؤلاء يسألونك عن القدر، إن زنى وإن سرق وإن شرب فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال: يا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبوون به، والله لو أعلم أنك منهم وهذين معك لجاهدتكم، إن زنى بقدر، وإن سرق بقدر وإن شرب الخمر فبقدر

 

وصح عن ابن عمر أن يحيى ابن يعمر قال له: إن ناساً يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر برئ منهم وأنهم براء منه، وقد تقدم قول أبي ابن كعب، وحذيفة وابن مسعود، وزيد ابن ثابت: لو أنفقت مثل جبل أحداً ذهباً فى سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار وتقدم قول عبادة ابن الصامت: لن تؤمن حتى تؤمن بالقددر خيره وشره، وتؤمن أنه ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك

وقال قتادة عن أبى السوار عن الحسن بن على قال: قضى القضاء وجف القلم، وأمور بقظاء قد خلا

وقال عمرو بن العاص: انتهى عجبى إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لقيه، ويرى فى عين أخيه الفذة ويكون فى عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون فى دابته الطفر قيقومه جهده ويكون فى نفسه الطفر فلا يقومها

قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب

 

وقال الحجاج الأزدى: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم إن ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وقال سلمان أيضاً: إن الله لم خلق أدم مسح ظهره فأخرج منها زرارى إلى يوم القيامة، وكتب الأجال والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر، وقال جابر ابن عبد الله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة: إن العبد ليعمل   الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار، والأثار فى ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها أشارة

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الجمع بين الروايات أَن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة

  • أعمال الجوارح لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    أن أعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم رحمه الله- في مدارج السالكين - لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها بل

    27/02/2018 2877
  • الخوف من الشرك

    محمد بن عبد الوهاب

      وقول الله عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (16) وقال الخليل عليه السلام:

    12/04/2010 3881
  • فضل الاستغفار (2)

    عزيز بن فرحان العنزي

    ثانيًا- ملازمة النبي صلى الله عليه و سلم للاستغفار : و مما يدلُّ على فضله وكثرة خيره وبركته ملازمة النبي صلى الله

    11/11/2017 733