الخطوة الثانية: التعلم والتعليم بمنهج التدارس

الشيخ / فريد الأنصاري


- وأما الخطوة الثانية فهي التَّعَلُّم والتَّعْلِيم: وذلك لأحكام القرآن العظيم وحِكَمِه. إذْ خَيْرُ العلم إنما هو العلم بالكتاب،

فعن عقبة بن عامر الجهني قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفَّةِ (1) فقال: أيُّكُمْ يحب أن يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إلى بُطْحَانَ أو العَقِيقِ؛ فيَأْتِيَ مِنْهُ بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ، يَأخُذُهُمَا بغير إثْمٍ بالله عز وجل، ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ قالوا: كُلُّنَا يا رسولَ الله! قال: فَلأَنْ يَغْدُوَ أحدُكُم كلَّ يَوْمٍ إلى المسْجِدِ؛ فيَتَعَلَّمَ آيتين من كِتَابِ الله عزَّ وجلَّ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ناقتين! وثَلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأرْبعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أرْبعٍ! ومِنْ أعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ!)

رواه مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان والبيهقي والطبراني.

وتحصيل العلم بالكتاب للنفس أو تلقينه للغير، إنما يكون بمنهج الدراسة والتدارس لآياته وسوره مبنى ومعنى؛

لقول الله تعالى:

 (وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)

(آل عمران:79).

فقد قُرِئَتْ (تَعْلَمُونَ) و(تُعَلِّمُونَ) فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها في الفهم والعمل أولى: التَّعَلُّم والتَّعْلِيم. وأقل ذلك أن تكون أحَدَهما: معلما أو متعلما. بيد أن العلم ههنا إنما هو ما أفاد العمل. على قاعدة علماء مقاصد الشريعة: أن (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل).

وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه و سلم:

 (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما!)

رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن كما في صحيح الجامع الصغير:1609

وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا مُتَعَنِّتاً؛ ولكن بعثني مُعَلِّماً مُيَسِّراً)

رواه مسلم.

. أي: معلما أعمال الخير والصلاح للعالمين، بمنهج حكيم.

فالمقصود بقوله تعالى: (تَدْرُسُون) - من آية آل عمران المذكورة - يعني تدرسون  الكتابَ نفسه، على اعتبار أن الدراسة والتدارس أو المدارسة هي منهج التعلم، كما ذهب إليه الإمام الطبري رحمه الله(2). والتدارس للقرآن الكريم هو المنهج التعليمي الكفيل بالوصول بالدارس إلى الحكمة، التي بمقتضاها يصير (ربانيا). وقد روى ابن جرير الطبري رحمه الله – عن ابن عباس وعدد من التابعين - تفسير (ربانيين) في الآية؛ بأنهم: (الحكماء الفقهاء)(3).

فالدراسة والتدارس إذن: هو تتبع صيغ العبارات، ووجوه المعاني والدلالات للمقاصد والغايات، من كل آية وسورة، وتعلُّم ذلك كله ترتيلا وتفسيرا، بما فيه ضبط ألفاظه وآياته وسوره؛ للتعرف على أسراره وحِكَمِه. وذلك جماع ما كان يفعله جبريل عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان،

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس! وكان أجود ما يكون في رمضان، حين   يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فَيُدَارِسُهُ القرآنَ، فَلَرسُولُ الله صلى الله عليه وسلم  أجودُ بالخير من الريح المرسلة!)

رواه البخاري.

وهو ما ذكرنا من قوله تعالى:

 (وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)

(آل عمران:79)

. وذلك تفسير قوله تعالى - من آيات وظائف النبوة -

(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)

. وفُسِّرت الحكمةُ بأنها: (شيء يجعله الله في القلب ينور له به!)(4).

ويجمع المرحلتين المذكورتين قبل، أعني: (التلاوة، ثم التعلم والتعليم بمنهج التدارس)

ما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إلَى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسّنّةَ. فَبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ. يُقَالُ لَهُمُ الْقُرّاءُ. فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللّيْلِ يَتَعَلّمُونَ)... الحديث

رواه مسلم.

. فالتدارس هو أساس التعلم كما في هذا الحديث، إذ لا علم إلا به، فأنت تبحث عن وجوه المعاني وتتدارسها؛ لتتعلم أحكامها ومقاصدها. وذُكِرَ التدارسُ أيضا في الحديث النبوي الشريف،

من قوله عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

رواه مسلم.

المراجع

  1. أهل الصُّفَّةِ: هم فقراء المهاجرين كانوا يبيتون بالمسجد النبوي. وأما بُطْحَان فهو: اسم واد قرب المدينة المنورة، وكذلك العقيق مثله. وناقتان كَوْمَاوَانِ: تثنية كوماء، وهي: الناقة العظيمة السِّنَامِ العالية. وزهراء: يعني سمينة، تميل إلى البياض من السِّمَنِ.
  2.  جامع البيان: 3/328.
  3.  جامع البيان: 3/325- 326.
  4.  رواه الطبري عن ابن زيد، جامع البيان: 1/557



السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الخطوة الثانية: التعلم والتعليم بمنهج التدارس