الدرس الرابع:صحة الفهم وحسن القصد ودورهما في درء الفتن

عبد العزيز بن ناصر الجليل

 في أيام الفتن تضطرب الأفهام ،وتحتار العقول أمام الشبهات ، كما أن القلوب تضعف أمام الشهوات ، ولا يعصم منها إلا من عصمه الله تعالى بعلم صحيح ،وفهم دقيق يدرأ بهما الشبهات ، وبدين وتقوى وصبر يدرأ بها الشهوات ، فبالعلم واليقين تدرأ الشبهات ، وبالصبر وحسن القصد تدرأ الشهوات .

ولا يسلم من الفتن ورياحها إلا من تحلى بهاتين الصفتين : الفهم الصحيح والقصد الصحيح ، ومن فقد أحداً من هاتين الصفتين ؛ فقد عرض نفسه للفتن ، ولقد اتضح مظاهر فقد هذين الأمرين أو أحدهما في هذه الأيام، أيام الأحداث والفتن ، فسقط في هذه الفتن من سقط ، وهلك فيها من هلك ، ولا يتعدى أسباب السقوط هذين الأمرين الآنفي الذكر ؛ فبضعف اليقين والبصيرة تسيطر الشبهات ، وبضعف التقوى وفساد المقصد تسيطر الشهوات .

وصحة اليقين والفهم يتمان بأمرين اثنين : بالعلم بدين الله عز وجل وأحكامه وشرعه ، وبالعلم بالواقع وأبعاده؛ فمن فرط في أي من هذين العلمين والفهمين فسد فهمه ، وعرض نفسه للشبهات ، وأخذ الباطل يحسبه حقاً .

أما من تحلى بالفهم بأحكام الله والفهم بالواقع ، ثم وقَّع الأول على الثاني ؛ فقد تمت له البصيرة ، ووصل إلىها الحق ، ولكن معرفة الحق لا تكفي في النجاة من الفتن حتى ينضم إلىها التقوى والصبر وحسن القصد، فينقاد إلى الحق الذي ظهر ويذعن له ، وإلا لو كان الصبر ضعيفاً أو القصد فاسداً ؛ فإن المسلم يتعرض للفتن من باب الشهوات ، فلا يصبر على الحق ، ويثبت عليه أمام المغريات والشهوات .

ولقد ساق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذه المعاني بأوضح عبارة وأدقها وأبلغها؛حيث قال رحمه الله تعالى في كتابه القيم(إعلام الموقعين)، في معرض شرحه لخطاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في القضاء؛ فقال في شرحه لقول عمر:"فافهم إذا أدلي إليك":

" صحة الفهم ، وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما ، بل هما ساقا الإسلام ، وقيامه عليهما ، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم ، وطريق الضالين الذين فسدت فهو مهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت فهومهم وقصودهم ، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة .

وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد ، يميز به الصحيح والفاسد ، والحق والباطل ، والهدى والضلال ، والغي والرشاد ، ويمده حسن القصد، وتحري الحق ، وتقوى الرب في السر والعلانية ، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا ، وطلب محمدة الخلق وترك التقوى .

ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :

أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات،والعلامات حتى يحيط به علماً .

النوع الثاني: فهم الواجب في الواقع؛وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله لله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر ، فمن بذل جهده ، واستفرغ وسعه في ذلك  لم يعدم أجرين أو أجراً، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورســوله "( اهـ .

وبعد هذا الكلام المفيد من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ، وبعد النظر الدقيق للمواقف المضطربة إزاء الأحداث والفتن هذه الأيام ، وبعد خوض من خاض ، وهلاك من هلك فيها ، إما بقلبه أو لسانه أو يده ، يتبين لنا أن هناك خللاً في منهاج الدعوة عند بعض الدعاة ، ونقصاً في التربية،لعل من دروس هذه الأحداث اكتشافنا لهذا الخلل حتى نتفاداه .


ويمكن مما سبق تلخيص هذا الخلل في النقاط التالية :

١  ـ  عدم التربية على طلب العلم الشرعي من مصادره الصحيحة وأصوله المنضبطة.

٢  ـ  عدم التربية على طلب العلم والفقه بالواقع ، والوعي الصحيح بسبيل المؤمنين فيه ، وبسبيل المجرمين .

٣  ـ  هناك خلل في القلوب ،وفساد في القصود، لابد من تداركه، والاهتمام بتزكية القلوب وتربيتها على الإخلاص لله عز وجل وإنشاءهم

الآخرة والزهد في الدنيا ، وعدم طلب محمدة الناس ، والتربية على الصبر والثبات أمام الشهوات والمغريات.

وعندما يتم التغلب على هذه الأنواع من الخلل ، ويربى الناس عليها، وعلى طلبها ؛ فإنه بإذن الله تتم العصمة من الفتن وأخطارها ؛ فبالعلم بدين الله ، والعلم بالواقع تتقى الشبهات ، وبحسن القصد ، والإخلاص لله عز وجل والصبر أمام المغريات تتقى الشهوات ، والله أعلم .


وبعد :

فإن الدروس والحكم كثيرة وكثيرة ، وليس مقصود البحث هنا هو التفصيل فيها ، ولكن ذكرت بعض هذه العبر والحكم والمصالح من هذا الحادث المحيط بنا هذه الأيام، لنتذكر من خلاله أن لأسماء الله عز وجل وصفاته لوازم ومقتضيات لا يتم الإيمان إلا بها ، ومن هذه الأسماء الكريمة اسم الحكيم-، والذي هو موضوع بحثنا في تفصيل لوازم هذا الاسم الجليل، والتعرف على العبوديات التي يتضمنها ، والآثار التي يتركها في القلب والجوارح، وما يلزم عليه من لوازم ومقتضيات ، ومنها ما تم استعراضه من الدروس الماضية، لحدث واحد مما يقضيه الله عز وجل ويقدره، من بين أحداث وأحداث كثيرة،وكثيرة تصغر في حجمها وتكبر ، ولكنها كلها لا تخرج عن علم الله عز وجل وتقديره ، ولا تخرج عن حكمته البالغة وتيسيره.

--------------

(1) إعلام الموقعين (1/87) .


السابق

مقالات مرتبطة بـ الدرس الرابع:صحة الفهم وحسن القصد ودورهما في درء الفتن