الصلاة.. أمّ العبادات

الشيخ / فريد الأنصاري

وبقيت الصلاة في الإسلام كما كانت في الأديان السابقة أم العبادات. ولذلك خصها الله بالذكر هنا رمزا لكل خضوع

وخشوع

﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾

.. وما كل أركان الإسلام في الجوهر -مهما تعددت أشكالها- وهيآتها إلا "صلاة"! ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة"(رواه أحمد). فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول الإسلام هو الصلاة،

لما في معنى الصلاة من جمع لكل مواجيد التعبد والخضوع لله رب العالمين، وذلك هو المقتضى العملي لكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله".

والترجمة الفعلية للأمر الملكي:

﴿فَاعْبُدْنِي﴾

الذي جاء تفسيره وبيانه بعدُ مباشرة

﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾.

فيا لجمال "الذِّكْرِ" في سياق الصلاة! ذلك التعبير المليء بالإيحاءات الوجدانية، التي تحدو الأحبة بالتراتيل الملتهبة شوقا لديار المحبوب.

وذكر الله هو مقام الأدب مع الله.. فالعبد الحقيقي هو الذي لا يفتأ يذكر سيده فلا ينساه.. وهل ينساه حقا؟ إذن ليس بعبد،

وإنما العبد من كان دائم الحضور بباب الخدمة، لا يفتأ واقفا بأدب العبودية إلى جانب الأعتاب العليا..

فأنى ينسى مولاه؟ أن تصلي يعني أن تكون دائم الذكر لله.. ولذلك كانت الصلاة أرقى تعبير عن حضور القلب مع الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾.

تلك معان كلها تفيض عن شهادة أن "لا إله إلا الله". كلمة الإخلاص وعنوان الإسلام لله رب العالمين. وهي الكلمة التي يفزع إليها المؤمن

من الغم والكرب، تماما كما يفزع الصبي إلى أمه عندما يلم به مكروه. أتدرون لماذا؟ لأنها ببساطة أقرب الناس إلى وجدانه،

ولو لم تكن كذلك لما نادى صبي في الدنيا إذا استغاث "أماه!". إلا أن العبد الذي سكن قصد الرب الأعلى قلبه، وامتلك عليه وجدانه

لا يفزع إلا إليه، بمقتضى "لا إله إلا الله".

هل سمعت يونس عليه السلام إذ التقمه الحوت فغاص في ظلمات بطنه، وظلمات البحر والليل، ثم ظلمة الغم الشديد الضاربة على تلك الظلمات

جميعا، ألم تسمع ماذا قال؟ يقول رب العزة حاكيا عنه:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

(الأنبياء:87).

لقد كان أول التعبير استغاثة وجدانية

﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ﴾

.. لا يملك مواجيدَ القلب إلا أنت! لا محبوب، ولا مرغوب، ولا مرهوب إلا أنت! ثم كان التسبيح والتنـزيه

فالاستغفار... يا سلام... أي جمال هذا وأي كمال؟!

وأي أفق كريم فيما يتيحه هذا الدين السماوي للقلب من سياحة وسباحة في عرض الملكوت لاستدرار واردات الأنس والرحَموت؟

يونس هذا العبد العظيم الذي أدرك -وهو في بطن حوت ضخم جدا، يخوض به المجهول، في قاع المحيطات الرهيبة- أن القلب إذا امتلأ بنور الله كان الله معه؛ ومن كان الله معه أمن أمنا كليا، فلا يعدو هول البحرِ والحوتِ حينئذ مقدار حشرة في مستنقع.. الله أكبر!

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الصلاة.. أمّ العبادات