العلوم الحديثة تقطع الوشيجة بين الناس والكون

عمر سليمان الاشقر



يقول سيد قطب – رحمه الله – : " إن مناهج البحث التي يسمونها ((علمية)) في هذا الزمان تقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه .فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون ، وإلا حين تقوم وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير ، وكل معرفة بنجم من النجوم ، أو فلك من الأفلاك ، أو خاصة من خواص النبات والحيوان ، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال ، وما فيه من عوالم حية وجامدة – إذا كانت هناك عوالم جامدة – أو أي شيء واحد جامد في هذا الوجود !


كل معرفة ((علمية)) يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري ، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون ، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء ، وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموحية المؤثرة في حياة البشر ، هي معرفة ناقصة ، أو علم زائف ، أو بحث عقيم .

 
إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يقرأ بكل لغة ، ويدرك بكل وسيلة ، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة وساكن الكوخ ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور ، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده ، فيجد فيه زاداً من الحق ، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق ، وهو قائم مفتوح في كل آن ( تبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيبٍ ) [ ق : 8 ] .


ولكن العلم الحديث يطمس هذه التبصرة ، أو يقطع الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين ، لأنه في رؤوس مطموسة رانت عليها خرافة ( المنهج العلمي ) ، المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه .والمنهج الإيماني لا ينقص شيئاً من ثمار (( المنهج العلمي )) في إدراك الحقائق المفردة ، لكنه يزيد ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض ، وردها إلى الحقائق الكبرى ، ووصل القلب البشري بها ، أي وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود ، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم ، لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرّها الجميل ، والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات ليربط الحقائق العلمية التي يهتدي إليها ، بهذا الرباط الوثيق ... ". (1)

-------------------------

(1)  في ظلال القرآن تفسير سورة  (ق) آية " تبصر وذكرى لكل عبد منيب

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ العلوم الحديثة تقطع الوشيجة بين الناس والكون