الفطريةُ وقضية الدين!

الفطريةُ وقضية الدين!

الشيخ / فريد الأنصاري
المقال مترجم الى : English


عندما تضطرب المفاهيم وتختلف التصورات بين المشتغلين في المجال الواحد، أو ربما تتناقض، نكون مضطرين إلى العودة إلى المنطلقات الأولى للمجال الذي نشتغل فيه؛ لإعادة تجديد السؤال حول ما نعتبره عادة من البَدَهِيَّاتِ!

ولذلك وجب أن نبدأ التفكير والترتيب من الخطوة الأولى لبناء مفاهيم الإسلام في نفوسنا.

فلا خلاف أولا في أن الإسلام - قبل أن يكون أي شيء - إنما هو: "دين". ذلك هو معناه الجوهري الأساس، وهو معنى كلي قطعي، ثابت بالنصوص المتواترة كتاباً وسنةً، وبالإجماع الكامل. ويكفيك من ذلك قوله تعالى الوارد على سبيل التعريف والتقرير:

(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ)

(آل عمران: 19)،

(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

(آل عمران:85)،

ومنه بيان غاية إنزال الكتاب على رسوله – صلى الله عليه وسلم -

في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!)

(الزمر:1-3).

ثم خطابه العام للأمة جمعاء

في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ!)

(الشور:13)،

تلك حقيقة الإسلام كله، وتلك قصة الدين كله!

(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)

(البينة:5).

هذا، وإنما أوردنا هذه النصوص ههنا - على سبيل التذكير - لأنا نعلم أن هذه الحقيقة – رغم بدهيتها - بدأت تهتز وتضطرب، بصورة واعية أو غير واعية، لدى كثير من العاملين في الصف الإسلامي من الحركة الإسلامية الحديثة! ونحن الآن بإزاء إعادة تفسير بدهيات، وجدنا أنها في حاجة إلى مراجعة وإعادة تقرير، لبناء منهج الاستدلال، حول ما يحتدم حوله الآن كثير من الخلاف والاختلاف، في مناهج العمل الإصلاحي المعاصر ومفاهيمه.

وأقول – كشاهد على المرحلة – لقد أتى علينا حين من الدهر في الحركة الإسلامية نسينا فيه، أو كدنا ننسى، أن الإسلام دين!

هذه خطوة أولى. أو "مقدمة أولى" على حد تعبير المناطقة.

فوجب الآن أن نتساءل: ما معنى كلمة "دين"؟ وما دلالتها المفهومية في القرآن الكريم وفي السنة النبوية؟ ولتكن هذه خطوة ثانية. أو "مقدمة ثانية".

الدين في اللغة راجع إلى معنى: الانقيادِ والذلَّةِ والْخُضوعِ. وهو معنى مجمع عليه بين أهل اللغة. قال ابن فارس في مادة "دين": ("الدال، والياء، والنون": أصلٌ واحدٌ، إليه يرجع فروعُه كلُّها، وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل. فالدِّينُ: الطاعة، يقال دَانَ لَهُ يَدِينُ دِيناً، إذا أصْحَبَ وانقادَ وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي: مُطِيعون منقادون، قال الشاعر: "وَكَانَ النَّاسُ إلاَّ نحنُ دِينَا!")(1)

"إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ".

"آل عمران:19"

وقال: "ومَن أَحْسَنُ دِيناً مِمَّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ".

"النساء:125"

أي: طاعةً.

"وَأَخْلَصُوا دَينَهُمْ للهِ".

"النساء:146"

  وقوله:

"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"

."البقرة:256"

، قيل: يعني الطاعة، فإن ذلك لا يكون في الحقيقة إلا بالإخلاص، والإخلاص لا يتأتَّى فيه الإكراه.)([2]).

ومن هنا كانت حقيقة الإسلام - بما هو دِينٌ - راجعة إلى معنى خضوع القلب والجوارح لله رب العالمين. وهو معنى العبادة. ومآلها إلى المعنى القلبي الخالص، إذ لا خضوع للجوارح على الحقيقة إلا بالخضوع التام للقلب، وهو معنى: الإخلاص. وعلى ذلك قام عنوان الإسلام، ومدخله الذي لا مدخل له سواه، أعني: "شهادة ألا إله إلا الله". ولا وجود لشيء في الدين خارج هذا المعنى، مذ أسسه - بأمر الله - أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، على ما بينه القرآن:

(وَمَن يَّرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ. وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ!)

(البقرة: 131)،

أي: خضعت وأطعت. وسياق الآية - بسوابقه ولواحقه - دال على هذا المعنى القلبي الخالص، وعلى أنه أساس التسمية العَلَمِيَّةِ لهذا الدين بمصطلح "الإسلام"! كما أنه دال على أن ذلك هو أساس الدين الذي كان عليه الأنبياء عبر التاريخ. ولَكَ أنْ تستعيد قراءتها بلواحقها - متدبرا -

قال تعالى: ((إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ! أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟ قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.))

(البقرة: 130-133).

فكان معنى "الدين" - المصطفَى للمؤمنين بالله - هو توحيد الله بإخلاص العبادة له، والخضوع له في ذلك وحده خوفا وطمعا، وهو معنى "الإسلام". فلا تشتغل القلوب والجوارح في شيء من مُسَمَّى الدين إلا لله؛ سيراً إليه تعالى حتى يوم لقائه، ذلك اليوم الذي هو غاية الدين ونهاية حكمته، ومناط تنـزيله وتشريعه.

ومن هنا قال تعالى: ((قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ! كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ!))

(الأعراف:29)

 فكل أركان الإسلام، وأركان الإيمان، لا تخرج عن هذا المعنى البتة. ودونك نصوصها في الكتاب والسنة، فتَدبَّرْ!

وقد أوردنا لذلك من نصوص القرآن ما يكفي، وأما نصوص السنة النبوية الصحيحة فأكثر من أن تحصى! ويكفينا فيها الحديث المشهور في النيات، الذي صار قاعدة كلية في بيان صحة الأعمال أو بطلانها في الإسلام،

من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه!)

(3)

وأما حديث جبريل المشهور، الذي بيَّن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - كلَّ مسمَّى (الدين)؛ وذلك ببيان أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وحقيقة الإحسان، ثم منهجية السؤال والجواب تعلما وتعليما، في سياق بناء منهج "فقه الدين"؛ فقد ختمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة جامعة مانعة، وهي قوله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ("يَا عُمَرُ، أَتَدْري مَنِ السَّائِلُ؟" قُلْتُ: "اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ". قَالَ: "فإنَّهُ جِبْريلُ، أَتَاكُمْ يعْلِّمُكُمْ دِينَكُمْ!)(4)، هكذا: "دينكم"، بما لهذا التركيب اللفظي من عموم واستغراق لكل معاني الدين! فرجع ذلك إلى أن ما ذُكِرَ فيه من كليات، هي أصول الدين، وأن ما سواها فروع. ولا صحة لهذه إلا بالانبناء على تلك. وواضح جدا في أن ما ذُكِرَ في الحديث من أركان وحقائق إنما هي معان تعبدية محضة، راجعة إلى معنى خضوع القلب والجوارح لله رب العالمين.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مبينا الجوهر الروحي للدين: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلاَّ غَلَبَهُ! فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وأبْشِرُوا..! واسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ!))

(5)

(وحُسْنُ هذه الاستعارةِ أنَّ الدُّنْيَا في الْحَقِيقَةِ دَارُ نَقْلَةٍ إلى الآخِرَةِ، وأنَّ هذه الأوْقَاتِ بِخُصُوصِهَا أرْوَحُ ما يَكُونُ فيهَا البَدَنُ للعِبَادَةِ!))([6])

فهذه معانٍ قلبيةٌ، وحقائقُ أخرويةٌ، وعَقَائِدُ إيمانيةٌ، وأعمالٌ تعبديةٌ، كلها تتضافر – في سياقات شتى - لتحديد المعنى الجوهري "للدين". ولذلك صح في الحديث أنَّ

(خَيْرَ دِينِكُمُ الْوَرَعُ!)

(7).

وهو معنى قلبي صرف!

فمدار "الدين" - كل الدين – إذن، إنما هو على قضية الإنسان مع ربه الذي خلقه، لتحديد مصيره الأخروي! الذي هو خاتمة المطاف في قصة الوجود البشري كله! وكل التشريع الإسلامي إنما هو دائر حول هذا المدار، سواء في ذلك ما تعلق بالمصالح الدنيوية أو المصالح الأخروية. وهو ما قرره – منذ القديم - شيخ المقاصد العالم الرباني الحكيم أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، في قاعدته المقاصدية المشهورة، قال: ((المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى! لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية! والدليل على ذلك   أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله!))([8]).

ولديَّ ههنا نص ثمين، يتضمن حكمة بالغة – في سياق منهج تجديد الدين وبيان مراتب أولوياته - لأحد المجددين المعاصرين، هو الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله، يقول: (إن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة! بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحد بالمائة!)(9). ومن ثَمَّ قال في بيانٍ تربوي حكيم: (إنَّ أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو ذلك الذي يتلقَّى الدنيا مَضيفَ جُنْدِيَّةٍ! ويذعن إلى أنها هكذا، ويعمل وفق ذلك. فهو بهذا التلقي يتمكن من أن ينال أعظمَ مرتبة، ويحظى بها بسرعة، تلك هي مرتبةُ رضى الله سبحانه! إذ لا يَجْعَلُ قيمةَ الألماس الثمينةَ الباقيةَ لقِطَعٍ زجاجيةٍ تافهةٍ  نعم! إنَّ الأمور التي تعود إلى الدنيا هي بمثابة قِطَعٍ زجاجيةٍ قابلةٍ للكسر! بينما الأمورُ الباقيةُ التي تخص الآخرةَ هي بقيمةِ الألماس المتين الثمين!)([10]) ذلك مَثَلُ الحقائق الإيمانية الأخروية، وما تعلق بها من قول أو عمل.

ومن هنا كان جوهر الرسالة القرآنية إنما هو إنذار البشرية بحق الله العظيم عليها، وما ينبني على ذلك من معاني العبودية، في طريق السير إليه تعالى؛ رَغَباً ورَهَباً، ثم ما يترتب عن الإخلال به أو الوفاء من مصير وجزاء. وفي ذلك جاءت الآيات والسور تترى لبيان حقيقة الحياة الدنيا، واقرأ القرآن من أوله إلى آخره - من خلال هذه الحقيقة - تجد أنما هو "كتابٌ أخروي" بامتياز! وما "الحياة الدنيا" في هذا السياق إلا وسيلة تابعة، وآلة خادمة للأخرى. وأي حقيقة في القرآن أشد وأهول من مثل ما تَصُخُّ به هذه الآيات الصارخات:

(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ. وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ. وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ!)

(آل عمران:185)،

(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ!)

(العنكبوت:64).

وأي خبر أوقع على النفس وأشد، من هذا البيان الرباني الرهيب!؟

( اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ! كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً! وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ! وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ! سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ! ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ!)

(الحديد:20-21).

ماذا بقي إذن؟.. فأي شيء في القرآن لا يدور بهذا المدار؟ وأي شيء منه لا يتجه نحو هذا المسار؟ أوَلم تكن الكلمات الآولى لرسول الإسلام، يوم أمره الله بالصدع بدعوته - إعلاناً للعالمين - أن خطب الناس - أولَّ ما خطبهم -

بقوله صلى الله عليه وسلم: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!)

([11])

فما بالنا اليوم – في مجال العمل الإسلامي - نبشر الناس بجنة أرضية؟ وننسى قضية الإنسان الكبرى: الآخرة!

لقد انحرفت تصورات كثير منا فعلا! وانخدعنا بمقولات دبجناها بأنفسنا فكنا نحن أول ضحاياها! لقد أتى علينا حين من الدهر وجدنا أنفسنا في مواجهة التيارات الماركسية والفلسفات الإلحادية، والنظريات المادية التي تبني مشروعها كله على عرض جنة وهمية على الأرض! فسقطنا في الفخ إلا قليلا! ثم صرنا نحن أيضا نبشر الناس - على سبيل المنافسة – بوعود مادية محضة، ونقدمها على أنها مرتكزات مشروعنا، أصالةً لا تبعاً، متوسلين إلى ذلك بكثير من المصطلحات البراقة في عالم السياسة والإعلام!

لقد خدعت الحركة الإسلامية نفسها بنفسها، عندما وظفت مفاهيم "الشمولية" الإسلامية، كرد فعل على حركة تجزيء الإسلام التاريخية، التي قصرته على الأذكار والعبادات في التكايا والزوايا. فراهنت - في سياق رد الفعل - على الشمول، لكنها – مع الأسف - لم تربح الرهان! فغلَّبت العادات على العبادات، إلا قليلا!

والإسلام شامل لكل معاني الحياة نعم، تلك حقيقة راسخة من حقائقه الكلية، لا مراء فيها ولا إشكال. ولكن أين من يضبط الميزان؟ وأين من يرتب أولويات الدين كما عرضها الدين؟ لا كما تشتهيها رغائب الصحافة والإعلام! ثم أين من يبني الفروع على الأصول ولا يقلب الميزان؟

لقد جعل كثير من أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة حقائق القرآن الأخروية - التي هي مناط الدين، كل الدين - تابعة "لجنة الدنيا"! وذلك بسبب التوظيف السيء لمفهوم "شمولية الإسلام" في كثير من مقولاتهم وخطاباتهم!

ولقد آل هذا المنهج المقلوب ببعض التيارات إلى نسيان الآخرة إلا قليلاً! مما أدى إلى طردها من القاموس النضالي للحركة "الإسلامية".

وهكذا صرنا إلى نتيجة عجيبة: وهي التأليه اللاشعوري للإنسان! فكان أن احتلت "حقوق الإنسان" مرتبة "حقوق الله" رب الإنسان! دائما في إطار مفهوم "شمولية الإسلام"! كذا!

فأين الخلل إذن؟

إن علينا أولا أن نعيد قراءة القرآن، بما هو خطاب رب العالمين للإنسان، يضمن تحقيق كل مفاهيم الدين، ويوثق مفاهيمها توثيقا لا يدع مجالا لباطل أو بهتان! وذلك ما نحاول صناعته بحول الله الآن.

المراجع

  1. معجم مقاييس اللغة: مادة "دين".
  2. المفردات: مادة "دين".
  3. متفق عليه.
  4. (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قَالَ : بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أخْبرني عَنِ الإسلامِ ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلامُ : أنْ تَشْهدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله  وأنَّ مُحمَّداً رسولُ الله ، وتُقيمَ الصَّلاةَ ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلاً". قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ !قَالَ : فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ . قَالَ : "أنْ تُؤمِنَ باللهِ ، وَمَلائِكَتِهِ ، وَكُتُبهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَاليَوْمِ الآخِر ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ" . قَالَ : صَدقت . قَالَ : فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ . قَالَ : "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ : فَأَخْبِرني عَنِ السَّاعَةِ . قَالَ : "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" . قَالَ : فأخبِرني عَنْ أمَاراتِهَا . قَالَ : "أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ". ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيّاً ، ثُمَّ قَالَ : "يَا عُمَرُ ، أَتَدْري مَنِ السَّائِلُ ؟" قُلْتُ : اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ . قَالَ : "فإنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُمْ يعْلِّمُكُمْ دِينَكُمْ")).
  5. رواه البخاري.
  6.  فتح الباري: 1/95.
  7. رواه  البزار، والطبراني في الأوسط، والحاكم، عن حذيفة، كما رواه الحاكم عن سعد، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
  8. الموافقات:2/37-38.
  9.  كليات رسائل النور: صيقل الإسلام: 446.
  10. المكتوبات: 23.
  11. متفق عليه.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الفطريةُ وقضية الدين!

  • العقيدة والأخلاق

    الشيخ إبراهيم الدويش

    للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال ابن القيم يرحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في

    02/04/2014 1781
  • الفرق بين الدين والمذهب

    فريق عمل الموقع

      الدين أشمل من المذهب وأوسع مفهوما؛  لأن الدين يشتمل على اعتقاد الإنسان حول الخالق والمخلوقات وأمور

    24/01/2010 4490
  • ما علاقة الدين بموضوع الأخلاق؟

    محب بن مسكين

    التوحيد الذي يبرر معنى الأخلاق هو الدين. الوحيد الذي يعطي للأخلاق صبغتها هو الدين. والأخلاق لا يمكن فهمها إلا في إطار التكليف الإلهي. والدين هو نبض الوجود ال

    28/12/2018 167