تأصيل العهد وميثاقه

الدكتور/ فريد الأنصاري

 
الميثاق في اللغة: العهد المحكم. وميثاق العهد: إبرامه وإحكامه.

قال عز وجل:

{الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}

(البقرة: 26).

وفي اللسان: (الوثاقة: الشيء الوثيق المحكم؛ والفعل اللازم. يوثق وثاقه. والوثاق: اسم الإيثاق، تقول: أوثقته إيثاقا ووثاقاً. والحبل أو الشيء الذي يوثق به وثاق، والجمع الوثق. بمنزلة الرباط والربط. وأوثقه في الوثاق أي شده (...) ووثقت الشيء توثيقاً، فهو موثق. والوثيقة: الإحكام في الأمر، (...) وقد أوثقه ووثقه وإنه لموثق الخلق. والموثق والميثاق: العهد (....)



والمواثقة: المعاهدة؛

ومنه قوله تعالى:

"وميثاقه الذي واثقكم به"

(المائدة: 7)

(...) والميثاق: العهد، مفعال من الوثاق، وهو في الأصل: حبل أو قيد يشد به الأسير والدابة) .
فالميثاق إذن : عهد محكم يشدك إلى الدين قولاً وعملاً ويلزمك بما التزمت به وتعبيرنا ههنا (بميثاق العهد)، إنما نقصد به: توثيق ما نبرمه مع الله عز وجل من التزام بأمور التكليف، ومن قيام بواجب البلاغ، وإحكامه على قواعد نلخصها فيما يلي: 
اعلم ـ هداني الله وإياك ـ أن التوبة إلى اللهعزيمة وإرادة، وأن النقلة من الصلاح إلى الإصلاح مرابطة ومجاهدة. فتمني الصلاح غير كاف للتحول إلى صلاح: وتمني الإصلاح لن يترتب عليه أي إصلاح! ولكن لابد لك من عزمة تعزمها، وعهد تقطعه على نفسك، وميثاق تبرمه مع الله، تشهد عليه الله عز وجل، وتشهد عليه نفسك وصالح المؤمنين، الذين يُذكرونك إذا نسيت، ويساعدونك إذا فترت. وهذا المعنى متأصل في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.


فاستقراء النصوص يفيد بأن كثيراً من جلائل الأعمال في الإسلام كانت تبنى على عهد، وتوثق بميثاق، يكون ربقة في عنق المسلم، فإنما وفاء بعد وإما نقضنا! فالدين نفسه في كليته عهد؛ يوثقه المسلم بإقراره أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن هنا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ العهود والمواثيق من الناس، ويذكرهم بذلك إذا نسوا؛ أو فتروا. وربما اشترط على بعضهم في ذلك ما لم يشترطه على غيره. كما في الحديث المتفق عليه:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال

(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم).

 وفي رواية لأحمد والطبراني بسند صحيح، أنه قال:

(فاشترط علي: "والنصح لكل مسلم!" فورب الكعبة إني لكم ناصح أجمعين!). وقيل لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبة؟ قال على الموت!

وله صيغة أخرى أبين، وهي:

عن يزيد بن أبي عبيد سلمة رضي الله عنه قال:

بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قال قلت: قد بايعت يا رسول الله ! قال: وأيضا! فبايعته الثانية. [قال يزيد:] فقلت له : يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت!

والمقصود بالبيعة على الموت إنما هو عدم الفرار في الحرب! لقول البخاري في كتاب الجهاد، في ترجمة: (باب البيعة في الحرب أن لا يفروا وقال بعضهم على الموت). وقد جاء مفسراً في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. قال لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بل بايعهم على الصبر.


وكل ذلك إنما هو تفسير لما قصده سلمة بن الأكوع من أنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، ولا تعارض بين الحديثين كما قال ابن حجر. 
ولذلك وجد من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ـ كما هو ظاهر الأحاديث المذكورة وغيرها ـ وتكون البيعة الأولى هي بيعة الإسلام، ويكون ما بعدها على بعض جلائل الأعمال. وإنما المقصود بالبيعة على هذا المعنى الثاني: إبرام عهد مع الله على عمل معين سواء كان مؤقتاً كما في يوم الحديبية الذي آل إلى الصلح، أو دائما كما في النصح لكل مسلم. 


وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار (بيعة العقبة الأولى) و (بيعة العقبة الثانية)، وأخذ منهم ومن المهاجرين (بيعة الرضوان) يوم الحديبية. التي نزل فيها قوله تعالى

{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً}

(الفتح: 18)

. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من المسلمين (بيعة الإسلام). وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من آحاد المهاجرين وجموعهم، كما أخذها من الطلقاء، ومن مسلمة الفتح عموماً، ومن كل من وفد عليه مسلماً؛ رجالاً ونساء. 


و(بيعة الإسلام) هذه هي التي جعلها الله نص امتحان المهاجرات، كما جاء في سورة الممتخنة، وكانت تسمى (بيعة النساء)،

ذلك قوله تعالى:

و {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرفن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفورٌ رحيم}

(الممتحنة:12).

ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أركان الإسلام علامات على استمرار العهد وعدم نقصه فقال في الصلاة مثلاً :

(العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة!).

ومن هنا كان الدين ميثاقاً وعهداً: فقد ألزم المولى جل وعلا الرسل والأنبياء بالميثاق الذي واثقهم به،

فقال تعالى:

{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غلبظاً.ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً}

(الأحزاب:7-8).

كما ألزم به أمة المسلمين

فقال تعالى :

{واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}

(المائدة: 7).

وقال سبحانه وتعالى مذكراً الناس أجمعين:

{ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبينٌ. وأناعبدوني هذا صراط مستقيم}

(يس:60-61).

وخاطب هذه الأمة في خصوصها

فقال تعالى:

{وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً}

(الإسراء: 34). 

وذم من نقض العهد والميثاق

فقال جل وعلا:

{والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}

(الرعد: 25).

فذلك كان سبب هلاك بني إسرائيل.

قال عز وجل:

{فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجلعنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به}

(المائدة: 13). 

العهد أو الميثاق، أو ميثاق العهد؛ باب عظيم من أبواب التوبة إلى الله عموماً ومدرج من مدارج الدعوة، والسير إليه تعالى عبر مراتب الصلاح والإصلاح خصوصاً. وعدم اكتراث المسلم به يقوده إلى الشرود بعيداً عن باب الله، بله أن يكون من المصلحين! فالعهد هو أول مدارج السالكين، ومبتدأ منازل السائرين إلى رب العالمين.


ولقد جمعت لك أيها المحب معالم ذلك كله في كتابنا: (بلاغ الرسالة القرآنية، نحو إبصار لآيات الطريق). فبسطنا لك فيه منهجاً تربوياً، متدرجاً، موصلاً بأدلته وقواعده؛ في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم نخرج بك في كل ذلك عن المعلوم من الدين بالضرورة؛ على ما رأيناه من منهجية تربوية، ومن رعى لميزان الأولويات الشرعية، على ما يقتضيه تحقيق مناط الدين في الزمان والمكان.


وهذه رسالة مختصرة يسترشد بها أصحاب البدايات، ويتذكر بها أصحاب النهايات. ومن ذا يستغني عن ذكر الله، والسير إلى تحصيل رضاه؟ فلا بد لك أيها المحب لطريق النور. إن تجردت فعلاً لبعثة التجديد والبلاغ القرآني: من أوراد عملية وقولية تربطك بميثاقك، وترسخ وفاءك لعهدك. تماماً كما كان الأنبياء والصديقون والربانيون المجددون. وإنما أولئك هم العاملون الذين تنتفع بهم الأمة. وأما القائلون وكفى؛ فهم في الناس كعد الحصى، ولكنهم غثاء كغثاء السيل!


وكما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن آية آية؛ بصائر للناس، وهدىً للعالمين، وجب عليك إذا تحققت عزمتك أن تنطلق بالقرآن، ومن القرآن في بعثة التجديد آية آية! تتبصر وتبصر وتتعرف وتعرف، وتترجم أخلاق النبوة حركة فطرية في المجتمع. حركة يكون المسجد مقرها، والقرآن العظيم دستورها والرسول صلى الله عليه وسلم رمزها وقائدها، والدعوة إلى الخير جهادها. بعيداً عن ضيق المنظمات، وأسر الانتماءات!
وإنما ذلك هو من المعلوم من الدين بالضرورة كما ذكرنا. وذلك هو أساس الورد التربوي لرسالة القرآن، فهل أخذت عليه عهدك وعقدت عليه ميثاقك؟ أم أنك تعرفه فقط كما يعرف أهل الكتاب كتابهم، إذ طال عليهم الأمد؟

{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثيرمنهم فاسقون}

(الحديد: 16)

. ذلك المنطلق، إن أردت فعلاً أن تسلك سبيل الصالحين المصلحين، وإنما الموفق من وفقه الله.
التالى

مقالات مرتبطة بـ تأصيل العهد وميثاقه