تبصرة: القرآن روح

تبصرة: القرآن روح

الشيخ / فريــد الأنصاري

من أعجب الأوصاف وألطفها، ومن أغرب الأسماء وأروعها؛ التي سمَّى الله بها كتابه الحكيم، هي: أنه روح!

وذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}

[الشورى: 52- 53].

والروح له في القرآن خصائص. نذكر منها اثنتين:

الأولى:

أن جوهره ممتنع الإدراك، وإنما الشأن فيه أن نقول (إنه من أمر الله)،

قال جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}

[الإسراء: 85].

وسمَّى القرآن هنا أيضاُ:

{رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}

[الشورى: 52].

والثانية: أنه سبب الحياة وباعثها – بإذن الله – في سائر الأحياء، فبملابسته تحيا الأجساد وبمفارقته تموت. كما هو منطوق كثير من الأحاديث النبوية. وذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح... الحديث".

وقال صلى الله عليه وسلم في وصف الموت: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"

وفي الصحيح أنه

صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضاً)، فقوله: (شيء فيه الروح)

يعني من الطير وسائر الدواب، فلا يجوز اتخاذه عرضاً للرمي بالنبل، أو الرصاص، قصد الاستمتاع واللهو لا لمفنعة الصيد؛ لما فيه من الاعتداء على الروح، وتخريب خلق الله بلا هدف مشروع. والشاهد عندنا أن الروح هو سبب الحياة، فهي توجد بوجوده، وتنعدم بانعدامه.

وإنما كان القرآن روحاً؛ لأنه سبب حياة هذه الأمة من حيث هي (أمة)، وسبب حياة القلوب، فلا يموت قلب خالطت نبضه آيات القرآن الكريم، ولا حياة لقلب خلي منها.

فاقرأ الآية مرة أخرى، وتدبر،

ثم حاول الإبصار: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}

[الشورى: 52- 53]

، ذلك محمد بن عبد الله، عليه صلاة الله وسلامه، كان يحاول أن يخرج من ظلمات الجاهلية، إذ لم يقتنع بأفكاره، وضلالاتها؛ فاعتزلها، لكنه لم يجد تفسيراً للغز الذي يغلف هذا الوجود؛ حتى نزل عليه الروح بالروح، أي حتى نزل عليه جبريل بالقرآن من أمر الله؛ فأحياه الله بعد موات، وأنار بصيرته به؛ فصار من المبصرين، يهدي إلى صراط مستقيم، بمعالم فصلها هذا الكتاب، الذي يصف ما بين السماوات والأرض، ويخبر عن أسرارهما، من بدء الخلق إلى يوم البعث، ويرسم الطريق للإنسان خلال ذلك كله؛ كي يسلك إلى ربه ويتعرف عليه، فأني لك يا صاح أن تجد مثله؟

ومن هنا وجب أن تكون خطوتك الأولى، في طريق المعرفة الربانية؛ أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه المعرفة الربانية؛ أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه؛ ولذلك جاء للخطاب القرآني يحمل أمر القراءة للقرآن؛ تلاوة وترتيلاً، وأمر التعلم للقرآن مدراسة وتدبراً.

والتدبر: هو غاية كل ذلك ونتيجته؛

ولذلك قال عز وجل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}

[ص: 29]،

فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر، ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان، فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم؛ ومن هنا زجره تعالى للناس الذين لا يتدبرونه،

قال سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}

[محمد:24]،

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}

[النساء : 82].

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ تبصرة: القرآن روح

  • القرآن هو متن رسالة الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة : القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله.. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته

    10/12/2018 370
  • تبصرة : في مسلك الذكر القرآن

    الدكتور / فريد الأنصاري

    القرآن العظيم رأس الذكر، ومفتاح الذكر، وتاج الذكر. بل القرآن هو الذكر ! قال سبحانه {وإن يكاد الذين كفروا

    14/03/2018 821
  • ذكر الله أحوال المكذبين

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    ذكرالله أحوال المكذبين و ما وقع بهم من النقم و ما حل بهم من المثلات فهو يرشدنا إلى النظر في هذه الآيات إلى العالم

    12/04/2018 253