تبصرة: في أوقات القرآن

الدكتور / فريد الأنصاري

لا شك أن القرآن هو لكل الأوقات، لكن المؤمن لا يعيش حياته ارتجالاً. سواء في ذلك عباداته وعاداته. كيف وقد جعل الله علينا فرائضه أوقاتاً؟

{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}

(النساء:103)

. ومن هنا كان إرشاد الحق عباده الذاكرين إلى أوقات بعينها، باعتبارها ذات جمال خاص للعبادة والذكر. وقد كانت أوقات الأنبياء والصالحين ـ كما جاء في كتاب الله ـ تتوزع بين الغداة والعشي ثم الليل. والقرآن هو تلك الأوقات جميعاً. لكن لك أن تختار منها حسب ظروفك وأحوالك وبعضها طبعاً أفضل من بعض، كما سترى بحول الله. فإن كنت بدأت نهارك بورد الأذكار؛ فلك أن تجعل ورد القرآن مساءً أو بليل.

إن قرآن المساء وذكره ـ كقرآن البكور ـ له ذوق خاص عند الذاكرين المفردين، كما في كتاب الله. قال عز وجل:

{واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفةً ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}

(الأعراف: 205).

فالغدو هو البكور من الصباح، أي أول النهار وبدايته. والآصال، مفرده: أصيل. وهو كما في كتب اللغة والتفسير: (وقت ما بين العصر إلى الغروب). فهو سويعات آخر النهار حيث يبرد حر الشمس وتهدأ أشعتها، وتلين أضواؤها، وتطول الظلال وتمتد. ولذلك كان من أجمل أوقات النهار.

فلا غنى لك أخي السائر عن زاد المساء. فهو زاد الأنبياء والصديقين! قال عز وجل:

{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عنذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب}

(النور: 36ـ 38).

وفي هذا الوقت كانت معجزة نبي الله داود عليه السلام تتجلى في مجلس ذكره، حيث تجتمع إليه الطيور للذكر، وتردد معه الجبال التسبيحات! قال سبحانه:

{واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب}

(سورة ص: 17-19)،

وقال تعالى في ذلك أيضا:

{ولقد آتينا داوود منا فضلاً: يا جبال أوبي معه والطير!}

(سبأ: 10)

ومعنى أوبي: سبحي! والتأويب: الترجيع والترديد، فهي كانت ترجع معه وتردد التسبيح بوعيها؛ تسخيراً منالله، لا بالصدى. لأن الأوبة كالتوبة وزنا ومعنى. فالعشي أو الأصيل وقت فيه أسرار عجيبة، منها أنه وقت سجود الكائنات من غيرالإنسان لله الواحد القهار. قال تعالى:

{ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال}

(الرعد: 15).

ومنها أنه وقت الذاكرين المخلصين الذين يريدون وجه الله تعالى وحده. قال تعالى

{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}

(الكهف: 28).

اجعل لك إذن جلسة قرآنية بالمساء تتلو كتاب الله ذاكراً متدبراً. اقرأ فيها وردك من القرآن العظيم، على ما رتبت على نفسك من الأحزاب والأجزاء، حسب دورة ختمتك للقرآن كل شهر، أو كل أربعين يوماً، على حسب ظروف عملك وأعمالك. وقد كان الصحابة يحلفون بختم القرآن بمنازلهم. فعن ثابت أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم.

وقد ورد في الحديث ضبط مدة الختم أنها ـ على الأحسن ـ ما بين شهر وأربعين يوماً،

وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن في كل شهر! اقرأه في عشرين ليلة! اقرأه في سبع! ولا تزد على ذلك

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً اقرأ القرآن في كل شهر! اقرأه في خمس وعشرين! اقرأه في خمس عشرة! اقرأه في عشر! اقرأه في سبع! لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث. ثم قال عليه السلام: اقرأ القرآن في أربعين.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ تبصرة: في أوقات القرآن

  • القرآن هو متن رسالة الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة : القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله.. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته

    10/12/2018 359
  • تبصرة : في مسلك الذكر القرآن

    الدكتور / فريد الأنصاري

    القرآن العظيم رأس الذكر، ومفتاح الذكر، وتاج الذكر. بل القرآن هو الذكر ! قال سبحانه {وإن يكاد الذين كفروا

    14/03/2018 798
  • أوقات النهي عن الصلاة

    فريق عمل الموقع

    أوقات النهي : ورد النهي عن الصلاة في أوقات ثلاثة : الأول : بعد طلوع الفجر الثاني (بداية وقت صلاة الفجر)

    16/03/2013 1737