تَحَيُّنُ أوقاتِ الانشراح النفسي للقرآن

الشيخ / فريد الأنصاري

- الضابط الثاني: تَحَيُّنُ أوقاتِ الانشراح النفسي للقرآن، والإقبال الوجداني على الذِّكْر، ومَظَانِّ اليقظة الإيمانية. 


فلا تجعل مواعيد التدارس في يوم مكدود، مزدحم بالأشغال من أمور الكسب وأعباء الحياة، فمعنى ذلك عدم ضمان صفاء الذهن وخلو البال! إذِ النفوس المرهقة والأجسام المكدودة لن تشارك في التدارس والتدبر إلا وهي بين اليقظة والنوم! فتضعف الفائدة جدا، إن لم تنعدم! بل يجب تَحَيُّنُ يوم الراحة، وساعات الفراغ، ولحظات الحضور الذهني واليقظة القلبية، من الصباح والمساء.


وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج من أحسن أوقات الذكر، وهي أوقات الغُدُوِّ والآصَال. فالغَدُوُّ أو الغَدَاةُ: هي ساعات أول النهار، من الفجر إلى أوائل وقت الضحى. وأما الآصال فمفرده: أصيل، وهو وقت ما بين العصر إلى الغروب. فهو سويعات آخر النهار، حيث يبرد حر الشمس، وتهدأ أشعتها، وتلين أضواؤها، وتطول الظلال وتمتد. ولذلك كان من أجمل أوقات النهار. وهذان الوقتان (الغداة والأصيل)، أو (الإشراق والعشي) هما من لحظات إقبال النفس وانشراح الصدر، والاستعداد للتدبر والتفكر. ولذلك نبه عليهما الله تعالى في كتابه لهذا الغرض.

قال عز وجل: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ)

(الأعراف:205).

وقال سبحانه: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)

(النور:36-38).

وقال جل ثناؤه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)

(الكهف:28).

فإذا لم يكن سبيل إلى عقد مجلس القرآن بأحد هذين الوقتين؛ فليكن بعد المغرب، أي بين العشاءين، وهو وقت داخل أيضا في مسمى (العَشِيِّ)؛ لأن العَشِيَّ في الأصل من العَشْوَةِ وهي: بداية الظلمة، عند إقبال الليل وإدبار النهار(1). ويُتَجَنَّبُ الليلُ والسَّهَرُ ما أمكن، إلا لضرورة! فإن الليل وقت تنهد فيه الأبدان وتخلد إلى النوم، وتسأم فيه النفوس وتميل إلى الارتخاء. وإنما الليل هو الجامع لتعب النهار والْمُفَرِّغُ له! فمن لم يجد عنه بدا فلا بأس به؛ لِمَا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كره السهر؛ إلا لغرض التفقه في الدين والتعلم والتعليم، وهذا منه(2).

المراجع

  1. جاء في لسان العرب: (قال الأزهري: يقع العَشِيُّ على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها، كل ذلك عَشِيّ ٌ. فإذا غابت الشمس فهو العِشَاءُ (...) وقيل: العَشِيُّ والعَشِيَّةُ: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة.)(ن. مادة: عشا)
  2.  ترجم الإمام البخاري في صحيحه من ذلك بابين: أولهما: (باب ما يكره من السمر بعد العشاء)، وثانيهما: (باب السمر في الفقه والخير). وأخرج تحت كل منهما أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. مما ينتج عنه كراهة السهر بعد صلاة العشاء إلا في الخير من التفقه في الدين والذِّكْرِ، ونحو ذلك.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ تَحَيُّنُ أوقاتِ الانشراح النفسي للقرآن

  • شهادة مفكر

    فريق عمل الموقع

    شهادة مفكر : منذ زمن قريب درس القرآن الكريم أحد المفكرين الكبار بالكنيسة الكاثوليكية ... اسمه هانز Hans...

    30/09/2010 1431
  • مفارقة مع قس

    فريق عمل الموقع

    مفارقة مع قس : منذ سبعة أعوام مضت زارنى قسيس فى المنزل ، وفى الغرفة التى كنا نجلس فيها كانت هناك ترجمة

    14/09/2010 3810
  • حقيقة سعادة الكفار .... كيف ؟ وهل هم سعداء ؟؟

    عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

      قال ابن القيم في قوله تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم ) . قال : هذا في

    17/05/2012 2791