دعوى باطلة

د. عمر الأشقر
أجهد الذين خالفوا منهج الكتاب والسنة الذي فقهه السلف الصالح في أسماء الله وصفاته أنفسهم في ليّ أعناق النصوص ، ليصرفوها عن ظاهرها بشتى أنواع التمحلات ، وسموا عمل

أجهد الذين خالفوا منهج الكتاب والسنة الذي فقهه السلف الصالح في أسماء الله وصفاته أنفسهم في ليّ أعناق النصوص ، ليصرفوها عن ظاهرها بشتى أنواع التمحلات ، وسموا عملهم هذا تأويلاً ، ليروج على من لا يدرك الباطل الذي جاءوا به ، وزعموا فيما زعموه أنهم علموا بالقرآن الذي ألزم بتأويل المتشابه ، وساروا على هدي علمائنا الأعلام الذين أولوا ما تشابه من آيات الكتاب.

 

وهذا الذي جاءوا به باطل لا شك في بطلانــه.

 

 

هذا ليس بتأويل بل تحريف

 

والذي يعرف التأويل عند العرب في كلامها ، ويفقه معنى التأويل الذي جاءت به النصوص ، والتأويل الذي عناه الأصوليون والفقهاء يعلم قطعاً أنما جاءوا به ليس تأويلاً ، بل هو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه القرآن وذم أهله.

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- بعد ذكره لهذا النمط من التأويل:

" هذا التأويل في كثير من المواضع – أو أكثرها وعامتها- من باب تحريف الكلم عن مواضعه ، من جنس تأويلات القرامطة والباطنية ، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمة ، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ، ورموا في أثرهم بالشهب.

وقد صنف الإمام أحمد كتاباً في الرد على هؤلاء سماه: (الرد على الجهمية والزنادقة) " مجموع فتاوى شيخ الإسلام 4/69.

 

ويقول في موضع آخر:

" هذا التأويل المذموم الباطل هو تأويل أهل التحريف والبدع ، والذين يتأولونه على غير تأويله ، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك ... " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/67.

 

 

التأويل في لغة العرب وفي اصطلاح الشارع

 

مفهوم التأويل في لغة العرب لا يأتي على هذا المعنى الذي أرادوه فمداره مادة "أوْل" في لغة العرب في استعمالاتها على الرجوع والعود.

 

يقول ابن منظور:

" الأوْل الرجوع ، آل الشيء يؤول ومآلا رجع ، وأوّل إليه الشيء: رَجَعَهَ. وألْتُ عن الشيء: ارتددت. يقال: طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع أي رجع ، والأيّل من الوحش: الوعل ، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه" لسان العرب لابن منظور 1/130.

 

ويأتي التأويل في لغة العرب بمعنى التفسير أيضاً ، وهذا المعنى ليس بعيد عن المعنى السابق ، فالتفسير تأويل ، لأن المفسر يراجع نفسه عند الشرح والبيان ويدبر الكلام ويقدره ، ففيه معنى العود والرجوع.

 

والتأويل في الكتاب والسنة ليس بعيد عن المعنى اللغوي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى: " يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره ، وهذا هو المعنى المراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة" مجموع فتاوى شيخ الإسلام 3/36.

 

يقول شارح الطحاوية: " التأويل في كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- هو الحقيقة التي يؤول إليه الكلام ، فتأويل الخبر هو عين المخبر به ، وتأويل الأمر: نف الفعل المأمور به" شرح العقيدة الطحاوية ص232.

 

وقد أورد الباحثون في هذا الموضوع النصوص التي تدلل على أن معنى التأويل في القرآن هو هذا المعنى الذي قرروه ، فمن ذلك قوله تعالى: { هل ينظرون إلا تأويله ، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق }.

والمتحدث في هذا النص هو القرآن ، وانتظارهم لتحقيق ما أخبر الحق عنه من وقوع العذاب بهم يوم القيامة ، وهذا هو المراد بقوله: يوم يأتي تأويله عند ذلك يقر هؤلاء الذين كذبوا به في الدنيا ، ويقولون في ذلك: {قد جاءت رسلنا ربنا بالحق}.

 

وقد صح في السنة أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان يقول في ركوعه: ((سبحانك اللهم وبحمدك يتأول القرآن)) [حديث متفق عليه من قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها] ، أي يحقق ما أمره الله به في كتابه.

 

وعندما رفع نبي الله يوسف أبويه على العرش وخر والداه وإخوانه له ساجدين قال: {يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل} فتأويل الرؤيا تحققها في عالم الواقع.

 

ويأتي التأويل في اللغة وفي الكتاب والسنة بمعنى التفسير ، ومنه دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبدالله بن عباس: (( اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل)) .

 

ومن هذا الباب ما جرى عليه ابن جرير الطبري في تفسيره ، فإنه كثيراً ما يقول إذا شرع في تفسير آية: "القول في تأويل قوله تعالى".

التالى

مقالات مرتبطة بـ دعوى باطلة

  • أخطاء فـــي الدعاء

    الشيخ خالد الحسينان

    1ـ أن يشتمل الدعاء على شيء من الشرك في عبادة الله : كأن يدعو غير الله فهذا شرك أكبر . 2ـ أو على شيء من التوسلات

    01/01/2014 1824
  • أصلها

    فريق عمل الموقع

    فالنصرانية  في أصلها دين منزل من الله تعالى، لكنها غيِّرت وبدِّلت وحرِّفت نصوصها، وتعددت أناجيلها، وتحوَّل

    25/01/2010 2186
  • لا يمكن لأحد أن يرى الله تعالى في الدنيا

    فريق عمل الموقع

      رؤية الله تعالى في الدنيا لا يمكن تحققها لأحد ، لا من المؤمنين و لا من الكفار ، روى مسلم (169) في صحيحه

    30/12/2016 1085