رابعاً من آثار سوء النية و سوء القصد : أنّ صاحبه يخسر نصيبه في الآخرة

الشيخ / خالد بن عثمان السبت

و لا يجد ثمرة هذا العمل ، و يكفي في ذلك أيها الإخوان زاجراً ، ذلك الحديث العظيم ، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : فعن شُفي الأصبحي أنّه دخل المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من هذا ؟ فقال الناس : أبو هريرة ، يقول : فدنوت منه حتى قعدت بين يديه و هو يُحدث الناس ، فلما سكت و خلا ، قلت : أنشدك بحقٍ و حق ، و ما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، عقلته و علمته ، فقال أبو هريرة : أفعل ، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و علمته ، ثم نشغ أبو هريره نشغةً ( يعني شهق) ، فمكث قليلاً ثم أفاق و قال : لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا البيت ما معنا أحدٌ غيري و غيره ، ثم نشغ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه نشغة أخرى ، فمكث كذلك ثم أفاق و مسح وجهه ، قال : لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا و هو في هذا البيت ما معنا أحدٌ غيري و غيره ، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً شديدة ، ثم مال خاراً على وجهه ، يقول فأسندته طويلاً ، ثم أفاق فقال :

حدثني رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أنّ الله تبارك و تعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم ، و كل أمة جاثية ، فأول من يدعو به رجلٌ جمع القرآن و رجلاً يُقتل في سبيل الله و رجلٌ كثير المال ، فيقول للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ، قال : بلى يا رب ، فقال : ماذا عملت فيما علمت ؟ قال : كنت أقوم به أثناء الليل و آناء النهار ، فيقول الله له : كذبت ، و تقول الملائكة : كذبت ، فيقول الله : بل أردت أن يُقال فلانٌ قارئ ، فقد قيل . و يؤتى بصاحب المال ، فيقول الله : لم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ، قال : بلى ، قال : فماذا عملت فيما آتيتك ، قال : كنت أصل الرحم و أتصدق ، فيقول الله : كذبت ، و تقول الملائكة : كذبت ، فيقول الله : بل أردت أن يقال فلانٌ جواد ، فقيل ذاك . و يؤتى بمن قُتل في سبيل الله ، فيقال له : فيما قُتلت ؟ فيقول : أَمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتى قُتلت ، فيقول الله : كذبت ، و تقول الملائكة : كذبت ، و يقول الله عز وجل : بل أردت أن يُقال فلانٌ جريء فقد قيل ذلك . ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ركبته فقال : يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة .

( هذا حديثٌ صحيح الإسناد ) .

و في آخره زيادة أن شُفياً دخل على معاوية بن أبي سفيان فأخبره بالحديث ، فقال معاوية : قد فعل بهؤلاء هذا ، فكيف بمن بقي من الناس ! ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنّه هلك ، و قلنا قد جاء هذا الرجل بِشر ، ثم أفاق معاوية و قال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

و مما يدل على هذا المعنى ، و هو خسارة صاحبه في الآخرة ، أنّ الله عز وجل يقول :

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء و هو للذي أشرك "

، فإذا قدم يوم القيامة لا يجد من عمله شيئاً ، و يدل على ذلك أيضاً ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر ، حيث قال :

" بشر هذه الأمة بالثناء و الرفعة و التمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب "

، و في لفظٍ :

" بشر هذه الأمة بالتيسير و الثناء و الرفعة بالدين و التمكين في البلاد و النصر ، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب "

، و الله عز وجل يقول :

" أنا خير شريك ، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي ، يا أيها الناس اخلصوا أعمالكم ؛ فإنّ الله تبارك و تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلُص له "

، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : و قال : "

و لا تقولوا هذه لله و للرحم ؛ فإنّها للرحم و ليس لله منها شيء ، و لا تقولوا هذه لله و لوجوهكم ؛ فإنّها لوجوهكم و ليس لله منها شيء "

، و قد صح عنه صلى الله عليه و سلم أيضاً :

" إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، فسألوه : ما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ؟ "

، انظروا إلى هذه الأحاديث و عظم المعنى الذي دلت عليه ، فإنّ ذلك عبرةً للعبد في تصحيح عمله .

كما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :

" إذا جمع الله الأولين و الآخرين ليوم القيامة ليومٍ لا ريب فيه ، نادى منادٍ ، من كان أشرك في عمله لله أحداً ، فليطلب ثوابه من عنده ؛ فإنّ الله أغنى الشركاء عن الشرك "

، و في الحديث الآخر :

" من سمّع سمّع الله به ، و من يرائي يرائي الله به "

، و في الحديث الآخر :

" من قام مقام رياء و سمعة ، راء الله به يوم القيامة و سمّع "

، و في حديثٍ آخر :

" من سمّع الناس بعمله ، سمّع الله به مسامع خلقه و صغره و حقره "

، و في حديثٍ صحيح :

" من قام مقام رياء راء الله به ، و من قام مقام سمعة سمّع الله به "

، و في حديثٍ آخر :

" ما من عبداً يقوم في الدنيا مقام سمعة و رياء ، إلا سمّع الله به علي رؤوس الخلائق يوم القيامة "

، و جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - موقوفاً عنه - أنّه قال :

" راءى بشيء في الدنيا من عمله ، وَكَله الله إليه يوم القيامة ، و قال : انظر هل يُغني عنك شيئا ؟ " .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ رابعاً من آثار سوء النية و سوء القصد : أنّ صاحبه يخسر نصيبه في الآخرة