رحمة الخلق كافة

عبد الله بن جار الله الجار الله

والرحمة في الإسلام عامة لأهل الأرض قاطبة فالمؤمنون نحبهم ونوقرهم ونعطف عليهم والعصاة نعظهم ونرفق بهم وأهل الضلال ندلهم على طريق الحق ونرشدهم لما خلقوا له وفي الحديث

«لا تنزع الرحمة إلا من شقي» 

والرحمة كذلك تكون من الأب لصغاره ومن السيد لخادمه ومن رئيس العمل لمرء وسيه ومن رئيس الدولة لشعبه وكل بحسب منزلته.

وأوكد الرحمة رحمة اليتيم

لقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ

[سورة الضحى 9]

ويدخل في ذلك الضعفاء والنساء والقصر والعجزة والمكروب والمضطر حيث يدفع عنهم ما حل بهم.

ومن الرحمة إطعام الجائع وكسوة العريان وإنقاذ المشرف على الهلاك ودفع ظالم عنه وإرشاد حيران وتعليم سائل عن أصل الدين ونحو ذلك وعن عبدالله بن عمرو  عن النبي   قال:

«الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

والله أعلم  .

 سعة رحمة الله وحصولها للمتقين الذين يتبعون الرسول   ويؤمنون به :

قال تعالى:  وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 

سورة الأعراف 157- 159.

يقول تعالى مخبراً عن كرمه وإحسانه رحمته 

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ

  من العالم العلوي والسفلي البر والفاجر والمؤمن والكافر فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد ولهذا قال عنها

فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ

  أي يجتنبون المعاصي صغارها وكبارهاوَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي يزكون أنفسهم بطاعة الله ويخرجون زكاة أموالهم إلى مستحقيها

وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ

أي يصدقون ومن تمام الإِيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها, ومن ذلك اتباع النبي   ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ

وهو محمد  وصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب

الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ

باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلها ما يدعو إليه وينهى عنه وأنه

يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ

وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه 

وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ

وهو كل ما عرف قبحه في العقول والفطر فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والفقير والمسكين وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك , وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك فأعظم دليل على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحله وحرمه فإنه

وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ

من المطاعم والمشارب والمناكح

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ

من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال

وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ

أي ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشَقَّات ولا تكاليف ثقال

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ

أي صدقوا به وعظموه وبجلوه وأيدوه

وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ

وهو القرآن الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات والشبهات

أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

الظافرون بخيري الدنيا والآخرة والناجون من شرهما وأنهم أتو بأكبر أسباب الفلاح, وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي ويُعَزَّره وينصره ولم يتبع النور الذي أنزل معه فأولئك هم الخاسرون , ولَّما دُعي أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه وكان ربما توهم متوهم أن الحكم مقصور عليهم أتى بما يدل على العموم فقال:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا

عربكم وعجمكم أهل الكتاب وغيرهم

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ

يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته ويحذركم من كل ما يباعدكم عنه ومن دار كرامته لا إِلَهَ إِلا هُوَ لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله

يُحْيِي وَيُمِيتُ

أي من جملة تدابيره الإحياء والإِماتة التي لا يشاركه فيها أحد, وقد جعل الله الموت جسراً ومعبراً يعبر الإِنسان منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً   قطعاً

فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ

إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح

الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ

أي آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله

وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

في مصالحكم الدينية والدنيوية فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالاً بعيداً وخسرتم خسراناً مبيناً.  

ما يستفاد من هذه الآيات الكريمات:

1- سعة رحمة الله وشمولها لكل شيء.

2- بيان من يستحق رحمة الله وهم المؤمنون بالله وآياته المطيعون لله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى والمتبعون لرسوله محمد   المزكون لأنفسهم وأموالهم.

3- أن الرسول محمد اً  موصوفاً في التوراة والإِنجيل.

4- أنه   يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر .

5- أنه  يحل جميع الطيبات النافعة ويحرم الخبائث الضارة.

6- أن دينه سهلا سمحا ميسرا لا عسر فيه ولا مشقة.

7- تحريم الخبائث المأكولة والمشروبة المسكرة وغيرها.

8- تحريم شرب الدخان لأنه من الخبائث المضرة بالصحة والدين والبدن والمال وكذلك تحرم قيمته وبيعه وشراؤه لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه.

9- فلاح من آمن بالرسول محمد   واتبعه ونصره, وخسران من لم يؤمن به ويتبعه.

10- عموم وشمول رسالة محمد   إلى العرب والعجم واليهود والنصارى والإنس والجن.

11- انفراد الله بملك السموات والأرض والتصرف فيهما وتدبير شئونهما.

12- أنه لا يستحق العبادة أحد غير الله سبحانه وتعالى.

13- قدرة الله على الإِحياء والإِماتة وحده لا شريك له.

14- هداية من اتبع الرسول   إلى مصالح دينه ودنياه.

15- ضلال من لم يتبعه وخسارته.

16- أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ رحمة الخلق كافة

  • التوكل رحمة

    عبد العزيز الطريفي

    التوكل على الله رحمة و لو لم يحقق الله للإنسان مراده ، فكم من غاية يتعب الإنسان في الوصول إليها و فيها شقاؤه ،

    28/12/2018 661
  • وجوب رحمة الخلق وفضلها

    عبد الله بن جار الله الجار الله

    تعتبر الرحمة من المبادئ الأساسية في الإسلام ومن لوازمها العطف والمواساة والمشاركة الوجدانية وميل القلب لمساعدة

    15/01/2019 152
  • عبودية الخلق لله

    فريق عمل الموقع

    عبودية الخلق لله([1])   تنقسم عبودية الخلق لله إلى ثلاثة أقسام:   1_ عبودية

    25/07/2011 2176