صورة الحجاب الشرعي

صورة الحجاب الشرعي

د. فريد الأنصاري

فتبين أن صورة لباس المرأة تعود إلى عبارتين محوريتين، من آيتين: الأولى عبارة (إدناء الجلباب) من قوله تعالى: (

يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ)(الأحزاب:59)

، والثانية: (ضرب الخمار على الجيوب)، من قوله تعالى:

(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)(النور:31)

، فيؤخذ من ذلك كله؛ عبارةً وأصالةً؛ أن أقل ما يجزئ المرأة من اللباس هو: ثوب وافٍ ضافٍ، ساتر فضفاض، لا يصف ولا يشف، يستوعب جميع البدن، في ثوب واحد. وهو معنى الجلباب كما تبين. فلا يجزئ عنه أشكال الموضة المستوردة من البنطلونات، والبذلات القصيرة، أو ذات الأجزاء؛ لأنها لا تفي بكمال الستر. وإنما يجزئ الجلباب المغربي الواسع، أو المشرقي، أو ما كان على شاكلته من أردية شاملة، كالقمصان، والعباءات النسوية الوافية، الساترة لجميع البدن بثوب واحد. ويقاس عليه أيضا كل معطف رومي أو عجمي، إذا جمع معاني الجلباب قصدا وغاية؛ من حيث استيعابه لجميع البدن طولا وعرضا، بشروطه الشرعية المذكورة([1]). وذلك مقتضى الدلالة من آية الأحزاب في (إدناء الجلباب)؛ مراعاةً لقصد الشارع من كمال الستر.

ثم خمار للرأس، لكن بشرط أن يكون وافيا حتى تتمكن صاحبته من الضرب به على الجيوب. والجيوب هنا: هي ثنايا العنق من النحر، والقفا، والكتفين. وهو مقتضى عبارة الأمر الرباني العظيم: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) كما بيناه. ولها أن تدني الخمار على الجبين بدل إدناء الجلباب، إذا كان الجلباب مما لا يلبس على الرأس مثل الجلباب المغربي، فهنا لابد من إدناء الخمار ضرورة! حتى يستوعب مقدمة الجبين ثم ترخيه على كتفيها وصدرها ونحرها، ثم تشده على ما هنالك؛ لتمتثل الضرب على الجيوب؛ استجابة لأمر الله جل وعلا. ولكن لا تعقده على رأسها من جهة القفا؛ بما يظهر هيأة الشعر وحجمه، كما يفعله بعض الجاهلات من المتحجبات! ولا تضفر طرفيه على جبينها بصورة الضفيرة من الشعر؛ بما يلفت الأنظار. وإنما تستجيب لله، بقصدها إلى الستر والحياء؛ عبادةً لله الواحد القهار، إن كانت من الصادقات حقا!

وبعد ذلك تلتزم شروط الستر الأخرى في لباسها، من عدم إظهار الزينة؛ استجابة لما ذكرنا من أمر الله تعالى في سورة النور: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ)، وقوله سبحانه: (وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)؛ فلا يكون اللباس - لذلك – زينة في نفسه بألوانه وزخرفته، أو بما تظهر صاحبته عليه من الحلي. ذلك مجمل لباس المرأة في صورتها القرآنية، وسيمائها الإيمانية. وإنما الموفقة من وفقها الله.

وتفصيل ذلك بأدلته هو كما يلي:

فقوله تعالى من آية الأحزاب: (يدنين)؛ الإدناء: التقريب، وهو تقريب الإزار من العينين، حتى يغطي أغلب الجبين. وهو أصح تفسير ثبت سندا عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به)([2]). ومعنى قوله: (ولا تضرب به) أي لا تغطي به وجهها؛ لأن الضرب بالثوب على الشيء تغطيته به. وإنما المطلوب هو (الإدناء) بنص القرآن. والإدناء: تقريب الثوب من الوجه، أي إرخاؤه على الجبين، وشده على حدود الحاجبين، كما صحت بذلك النصوص، على ما سترى قريبا بحول الله.

قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني: (وما خالفه إما شاذ أو ضعيف!) أي ما خالف قول ابن عباس هذا. وهو يقصد ما روي عن ابن عباس نفسه؛ من أن المرأة تغطي وجهها ولا تبدي إلا عينا واحدة، وسنده ضعيف!([3])

وكذلك ما تناقلوه بسند ضعيف عن عبيدة السلماني، من سؤال ابن سيرين له عن آية الإدناء (فتقنع عبيدة بملحفة، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه، وأخرج عينه اليسرى)( وإنما روي بسند صحيح عن مجاهد تلميذ ابن عباس قوله في تفسير الإدناء: (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب)([5])

وهذا كله يقوي الرواية التي رويت عن ابن عباس في تفسير الإدناء أيضا، والتي صرح الألباني بتصحيحها، وهي قوله السابق: (وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشده على جبينها)([6]). وذلك كله يترك للوجه فرصة الظهور من الحاجب إلى الذقن.

وأما قوله تعالى في سورة النور:

(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)

فجمهور المفسرين على أن المستثنى وهو (ما ظهر منها) يقصد به الوجه والكفان. وهو معنى متواتر من عمل النساء الصحابيات في زمن النبوة، ومن تفسير الصحابة، كما سيأتي. ويؤكده الحديث الصحيح، وهو قول النبيe لأسماء بنت أبي بكر الصديق: (يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا! وأشار إلى وجهه وكفيه)(

وأما الصحابة الذين فسروا (ما ظهر منها) بأنه الوجه والكفان فهم: عبد الله بن عباس، وقد خرج الألباني الرواية عنه على سبعة طرق! بعضها صحيح الإسناد وبعضها يتقوى بالصحيح(وكذلك عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والمسور بن مخرمة([9]).

ومن هنا فليس غريبا أن تجد شبه إجماع بين فقهاء الأمصار، على أن الوجه والكفين ليسا بعورة. وذلك هو مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس، ومذهب الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل. ورغم أن روايات أخرى عند أحمد بوجوب تغطية الوجه؛ إلا أن بعض علماء الحنابلة قالوا: بل كشفه هو الصحيح من المذهب. وهو قول الإمام علاء الدين المرداوي الحنبلي قال: (الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة)(وهو اختيار ابن قدامة المقدسي الحنبلي، قال: (لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما [يعني على المُحْرِمَةِ بالحج أو بالعمرة] ولأن الحاجَة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والعطاء)(وقال ابن تيمية الجد - وهو حنبلي - في كتاب المنتقى: (باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين)(.

وأما قوله تعالى:

(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)

فالخمار في اللغة: ما تغطي به المرأة رأسها من دون الوجه. وإنما غطاء الوجه هو النقاب. ولذلك قالe: (لا تَنْتَقِبُ المُحْرِمَةُ ولا تلبس القُفَّازين)(. وقد شاع عند بعضهم فهم الخمار بمعنى النقاب وهو خطأ. وإنما الخمار ما تخمر به المرأة رأسها فقط. كما أجمع عليه أهل اللغة. قال الراغب الأصفهاني في المفردات: (أصل الخمر: ستر الشيء، ويقال لما يستر به: خمار؛ لكن الخمار صار في التعارف اسما لما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه خُمُر، قال تعالى: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" واخْتَمَرَتِ المرأةُ وتَخَمَّرَتْ، وخمَّرتُ الإناءَ: غطيته)([14]).

وقال العلامة الألباني رحمه الله بعد نقل نصوص أرباب اللغة والفقه والتفسير ما نصه: (فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة؛ ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس وبطل قول الشيخ التويجري ومقلديه كابن خلف الذي زعم  من "نظراته" أن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعا)([15])

وقال الإمام الشوكاني في الخمار: (هو بكسر الخاء: ما يُغَطَّى به رأس المرأة، قال صاحب المحكم: الخمار: النصيف)( والنصيف: هو غطاء الرأس للمرأة، الذي ينسدل إلى نصفها، كما في المعاجم. قال النابغة الذبياني:

سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ *** فتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنَا باليَدِ!

ولهذا ذهب العلماء إلى أنه لو كان الخمار يشمل الوجه لما قال النبيe في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)(لأنهم أجمعوا على صحة صلاة المرأة كاشفة وجهها. وهو دال باللزوم على أن الستر بالخمار لا يشمل الوجه، ولا هو صنع لذلك! وهذا فقه دقيق فتأمله!



 قد سبق إقرار النبيe زوجة أسامة بن زيد في لبس (القبطية)، وهي من أردية العجم من أهل مصر آنئذ، أي قبل إسلامهم وتعربهم. وإنما قال لهe: (مُرْهَا فلتجعل تحتها غلالة؛ فإني أخاف أن تصف حجم عظامها!) وقد سبق تخريجه مفصلا.


 قال الألباني: أخرجه أبو داود في مسائله بسند صحيح جدا كما في الرد المفحم:51.


 الرد المفحم:11و48. وقول الألباني هو في ص:10 من الكتاب نفسه.


 خرجه السيوطي في الدر المنثور وحكم الألباني بضعفه من عدة وجوه: الرد المفحم:55-57.


 قال الألباني: أخرجه ابن جرير بسند صحيح عنه: الرد المفحم:52.


صرح الألباني بضعف سنده، لكن قال: وله شواهد، وهو يقصد ما ذكر أعلاه من روايات صحيحة في أن الإدناء شد الإزار على الوجه دون الضرب به، وإنما يشد على الحواجب. ن. الرد المفحم:11. ولذلك صححه في الصفحة:8 من الكتاب المذكور.


رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله في كتابه "الرد المفحم" بعد دراسة مستفيضة من ص: 79 إلى 102.


 الرد المفحم: 49-51 و103


 الرد المفحم: 103-104.


 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل:1/452.


 المغني:1/637. ون. ذلك في الرد المفحم:8-9


 المنتقى لابن تيمية الجد (باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين..إلخ) ينظر في شرحه نيل الأوطار للإمام الشوكاني في كتاب النكاح: 6/163 بضبط عصام الدين الصبابطي. طبعة دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الأولى: 1413هـ/1993م.


 رواه البخاري.


المفردات: (مادة: خمر).


الرد المفحم: 22.


 نيل الأوطار: 2/79


رواه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، وصححه الألباني في إرواء الغليل:196 وفي الرد المفحم: 16


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ صورة الحجاب الشرعي

  • جمال الرب عز وجل

    ابن القيم

    قال ابن القيم رحمه الله : ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى

    07/02/2019 244
  • الخصائص العامة للحجاب الشرعي

    د. فريد الأنصاري

    وإنما الخصائص العامة للباس الشرعي لدى الأنثى تتمثل فيما سبق بيانه سيميائيا وفقهيا، مفصلا بكل مباحث هذا الكتاب، وخاصة بهذا المبحث الأخير: (التأصيل الفقهي لسيماء

    05/02/2019 109
  • حجاب الإذاعية خديجة بن قنة

    فريق عمل الموقع

        لقاء صحفي أجراه موقع الداعية عمر عبد الكافي مع الإعلامية الإذاعية خديجة بن قنة حول سبب تحجبها

    21/02/2010 4746