فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول

محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ اضْطِّرَارَ الْعِبَادِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى السَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ عَلَى التَّفْصِيلِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَلَا يُنَالُ رِضَا اللَّهِ الْبَتَّةَ إِلَّا عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَيْسَ إِلَّا هَدْيَهُمْ وَمَا جَاءُوا بِهِ، فَهُمُ الْمِيزَانُ الرَّاجِحُ الَّذِي عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ تُوزَنُ الْأَقْوَالُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ، وَبِمُتَابَعَتِهِمْ يَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَالضَّرُورَةُ إِلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَدَنِ إِلَى رُوحِهِ وَالْعَيْنِ إِلَى نُورِهَا وَالرُّوحِ إِلَى حَيَاتِهَا، شَذَرَ مَذَرَ، وَالْكِتَابُ مَفْقُودٌ، وَمَنْ يَفْتَحْ بَابَ الْعِلْمِ لِمُذَاكَرَتِهِ مَعْدُومٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَعُودُ الْعِلْمِ النَّافِعِ الْكَفِيلِ بِالسَّعَادَةِ قَدْ أَصْبَحَ ذَاوِيًا، وَرَبْعُهُ قَدْ أَوْحَشَ مِنْ أَهْلِهِ وَعَادَ مِنْهُمْ خَالِيًا، فَلِسَانُ الْعَالِمِ قَدْ مُلِئَ بِالْغُلُولِ مُضَارَبَةً لِغَلَبَةِ الْجَاهِلِينَ، وَعَادَتْ مَوَارِدُ شِفَائِهِ وَهِيَ مَعَاطِبُهُ لِكَثْرَةِ الْمُنْحَرِفِينَ وَالْمُحَرِّفِينَ، فَلَيْسَ لَهُ مُعَوِّلٌ إِلَّا عَلَى الصَّبْرِ الْجَمِيلِ، وَمَا لَهُ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول

  • ما أول ما يجب على العباد ؟

    فريق عمل الموقع

    السؤال الأول : ما أول ما يجب على العباد ؟ الإجابة : أول ما يجب على العباد معرفة الأمر الذي خلقهم له ، و أخذ عليهم

    05/02/2018 2154
  • القرآن هو متن رسالة الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة : القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله.. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته

    10/12/2018 447
  • عدل موازين الله عز وجل

    الشيخ عمر الأشقر

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله، وبعد: جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه

    07/10/2013 1646