في عهد البلاغ

الدكتور / فريد الأنصاري

وهذا عهد فصلناه في كتيبنا (بلاغ الرسالة القرآنية). وإنما نورد ههنا خلاصته العملية، بإنجاز شديد؛ لكمال التطبيق وشمول التحقيق لميثاق العهد.

ومسالكه هي المفاتيح الثلاثة لأوراد العمل: بالدخول فيها يتحقق للمسلم السلوك في مدرسة القرآن. ويرتقي أول مدارج المصلحين بحولالله. فيخرج بذلك من القول إلى العمل، إذ لا فائدة لحكم ليس يتحقق له مناط مطلقاً في حياة الإنسان. وإنما جاء الدين ليكون حركة إنسانية في الزمان والمكان، لا نصوصاً تتلى فقط، ولا قصصاً تحكى فحسب. وإنما الأمانة التي حملها الإنسان عمل.

{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}

(التوبة:105).

والإسلام لما بين بلاغه للناس؛ بين لهم ـ فيما بين ـ وسائل الوصول إليها، وطرائق اكتساب صفاتها. فجعل لكل أصل عملاً، ولكل عمل باباً، ولكل باب مفتاحاً.

تبصرة في المفاتيح الثلاثة:

ومدار باب الخروج إلى العمل على ثلاثة مفاتيح، أو ثلاث خطوات، هي أصول لما سواها نسكها في العبارات التالية:

  1. اغتنام المجالسات

  2. والتزام الرباطات

  3. وتبليغ الرسالات

وبيات ذلك هو كما يلي:

الخطوة الأولى: في اغتنام المجالسات.

وهو أن تحرص على (مجالس القرآن). قصد التعرف إلى الله والتعريف به، والتحلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحلم بحلمه. و(مجالس القرآن) هي خير أنواع (مجالسالذكر)، التي تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها محبوبة عند الله، مذكورة في ملئه الأعلى،  تشهدها الملائكة، وتنزل السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله فيمن عنده. وليس شيء أفيد منها في تربية الإنسان المسلم على الصلاح والفلاح. وهي من أهم الوسائل التربوية التي لا غيش فيها ولا غبار، من حيث استنادها إلى الأدلة المتواترة بالمعنى، عبر ألأحاديث الوفيرة المستفيضة. نذكر منها الحديث المشهور،

الذي رواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي فيه : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدراسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسه.



وكذلك الحديث المتفق عليه، الذي رواه أبو هريرة أيضا،

مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فضلا عن كتاب الناس، يطوفون في الطريق، يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجاتكم! فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول: هل رأوني؟ فيقولون لا والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداَ وأكثر لك تسبيحاً. فيقول: فما يسألوني؟ فيقولون: يسألونك الجنة. فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها. فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار. فيقول الله: هل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها. فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة. فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم! فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم: إنما جاء لحاجة فيقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!)

والأحاديث في هذا المعنى كثير.  

ومجالس القرآن هي للتدرب على الوظائف التالية:

أ- الاشتغال بالله تعرفاً وتعريفاً

ب- الاشتغال بالقرآن تبصراً وتبصيرا

ج- الاشتغال بالشمائل المحمدية تخلقاً وتخليقاً.

الخطوة الثانية: التزام الرباطات.

وذلك بعمران المساجد والتزام الجماعات، قصد شهود الأوقات واكتشاف الصلوات.

فالمقصود بــ (الرباطات) إذن: بيوت الله، حيثما كانت.

{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب}

(النور:36-38)

. ذلك ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بــ (الرباط)، في الحديث الصحيح الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.

فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فتدبر... ثم أبصر!

ثم اجتهد أيها السائر المحب، والفتى المرابط لتكون صلاتك صلاة حقاً. واحذر عليها من شيئين: نقر الغراب، وشرود البال. فإنما المرابط من رابط بقلبه ووجدانه، لا ببدنه فقط! وإنما غاية الرباط صلاح الصلاة، وإقامتها حق إقامتها فإذا فسدت كان ذلك مضيعة للأعمار وسبيلاً إلى النار! نعوذ بالله منها! فاجعل رباطك قضاء لعمران الصلاة. ابنها بناء في قلبلك ووجدانك، كما تبني حياتك لحظة لحظة، وحركة حركة! واجعل نصب عينيك معلمك رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمك ويصلح لك كما كان يصلح صلاة المسيء بما ورد في الحديث الصحيح:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد. فدخل رجل قصلى. ثم جاء فسلم على رسول الله  صلى الله عليه وسلم فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ارجع فصل فإنك لم تصل! فرجع الرجل فصلى كما كان صلى: ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك السلام" ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل! حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا! علمني! قال صلى الله عليه وسلم: إذا قمت إلى الصلاة فكبر. ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. ثم اركع حتى تطمئن راكعاً. ثم ارفع حتى تعتدل قائما. ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً. ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.


وقد ورد لهذا الحديث بيان عجيب في حديث آخر، فيه دلالة لطيفة على طلب الاطمئنان البدني والنفسي والاسترخاء العصبي، بما يكفل هدوء المصلي، وسكينته، ومرابطته الوجدانية. وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله. فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين ويحمده ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله، وأذن له فيه ثم يكبر فيركع، فيضع يديه على ركبتيه، ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي...! ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فيستوي قائماً حتى يأخذ كل عظم مأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد، فيمكن جبهته من الأرض، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي! ثم يكبر فيرفع رأسه، فيستوس قاعداً على مقعدته، فيقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي! لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك!.

فاحذر بعد هذا أن يقال لك يوم القيامة صل! فإنك لم تصل! وأنى لك أن تصلي في يوم انقطعت فيه الأعمال ؟

{يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم} .

(الشعراء 88-89)

والرباط – بعد هذا وذاك – هو تمام القطيعة بينك وبين عالم المنكرات، وظلام الكبائروالموبقات. إن التزمته حقاً كان لك حصناً حصيناً من الانحراف والضياع، وسداً منيعا دون التردي والسقوط. وذلك قول اله عز وجل الصريح المليح:

{وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} (العنكبوت: 45)

. فتدبر ثم أبصر!

الخطوة الثالثة: تبليغ الرسالات، بالقيام بالبلاغات، والدعوة إلى الخيرات.

وتبصرة هذا المفتاح هي: جواب (كيف البلاغ؟).

    أما تأصيله فقد سبق تقريره بقواعده، في تبصرة البلاغ الخامس، من كتيبنا (بلاغ الرسالة القرآنية).

تبصرة: كيف البلاغ؟

ليس البلاغ اليوم في المسلمين بلاغ (خبر) هذا الدين. فذلك أمر قام به الأولون. وما بقي اليوم صقع في الأرض لم تبلغه قصة الرسالة الإسلامية، على الجملة. ثم إنما المقصود بمشروعنا هذا هو دار الإسلام. هذا العالم الإسلامي الذي لان فيه التدين، وضعف فيه التمسك بالكتاب مع أنه يتلوه – أو يتلى عليه – كل حين.

إنما المسلمون اليوم في حاجة إلى (إبصار)، إبصار الحقائق القرآنية التي تتلى عليهم صباح مساء، وهم عنها عمون، على نحو ما وصف الله سبحانه في قوله:

{وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}

(الأعراف: 198)،

وقوله سبحانه: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}

(يوسف: 105).

فالبلاغ الذي نحن في حاجة إليه إنما هو بلاغ (التبصير)، لا بلاغ التخبير.

وأما مادته فما ذكرناه من أصول الرسالة القرآنية، وبلاغات القرآن: من اكتشاف القرآن العظيم، والتعرف إلى الله والتعريف به، واكتشاف الحياة الآخرة، واكتشاف الصلوات وحفظ الأوقات، وحقيقة الدعوة إلى الخير، وحكمة اتباع السنة، تزكية وتعلما وتحلما، ومفاتيح ذلك كله في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتلك الخطوات الثلاث هي مفاتيح العمل، لمن عقد العزيمة على السير إلى الله متعرفاً ومعرفاً.

وتلك هي الأصول الدينية، التي تشكل المسالك الرئيسية، لسير العبد إلى الله في طريق التبصر والتبصير.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ في عهد البلاغ