فَصْلٌ فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها


محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اخْتَارَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ أَطْيَبَهُ، وَاخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ وَارْتَضَاهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يُحِبُّ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ وَالْكَلَامِ وَالصَّدَقَةِ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَالطَّيِّبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ مُخْتَارُهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا خَلْقُهُ تَعَالَى فَعَامٌّ لِلنَّوْعَيْنِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَشَقَاوَتِهِ، فَإِنَّ الطَّيِّبَ لَا يُنَاسِبُهُ إِلَّا الطَّيِّبُ وَلَا يَرْضَى إِلَّا بِهِ، وَلَا يَسْكُنُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ إِلَّا بِهِ، فَلَهُ مِنَ الْكَلَامِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا هُوَ، وَهُوَ أَشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنِ الْفُحْشِ فِي الْمَقَالِ، وَالتَّفَحُّشِ فِي اللِّسَانِ وَالْبَذَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبُهْتِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَكُلِّ كَلَامٍ خَبِيثٍ.

وَكَذَلِكَ لَا يَأْلَفُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا أَطْيَبَهَا، وَهِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَى حُسْنِهَا الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ مَعَ الشَّرَائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وَزَكَّتْهَا الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فَاتَّفَقَ عَلَى حُسْنِهَا الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ، مِثْلَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُؤْثِرَ مَرْضَاتَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَيَتَحَبَّبَ إِلَيْهِ جَهْدَهُ وَطَاقَتَهُ، وَيُحْسِنَ إِلَى خَلْقِهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَفْعَلَ بِهِمْ مَا يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِ، وَيُعَامِلُوهُ بِهِ، وَيَدَعَهُمْ مِمَّا يُحِبُّ أَنْ يَدَعُوهُ مِنْهُ، وَيَنْصَحَهُمْ بِمَا يَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهِ، وَيَحْمِلَ أَذَاهُمْ وَلَا يُحَمِّلَهُمْ أَذَاهُ، وَيَكُفَّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ وَلَا يُقَابِلَهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْ عِرْضِهِ، وَإِذَا رَأَى لَهُمْ حَسَنًا أَذَاعَهُ، وَإِذَا رَأَى لَهُمْ سَيِّئًا كَتَمَهُ، وَيُقِيمَ أَعْذَارَهُمْ مَا اسْتَطَاعَ فِيمَا لَا يُبْطِلُ شَرِيعَةً، وَلَا يُنَاقِضُ لِلَّهِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ فَصْلٌ فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها

  • أشد الأعمال

    الشيخ صالح أحمد الشامي

    أشد الأعمالقال الشافعي رحمه الله: أشد الأعمال ثلاثة: -  الجود من قلة. - والورع في خلوة. - وكلمة الحق

    10/01/2021 221
  • اليقين أن تمتثل أمره

    الشيخ عبدالعزيز الطريفي

    يقين الإنسان بالله أن يمتثل أمر الله و لو خالف نظره ، و أن يرضى بقَدَر الله عليه أعظم مما لو اختاره لنفسه ، و

    16/07/2018 692
  • فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ الدَّعْوَةِ وَلَهَا مَرَاتِبُ

    محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

    في ترتيب الدعوة ولها مراتب المرتبة الأولى : النبوة . الثانية : إنذار عشيرته الأقربين . الثالثة : إنذار قومه .

    15/06/2013 1989
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day