قصة إسلام مراد هوفمن

فريق عمل الموقع

 

 يقول هوفمان: لم تمر سوى ايام معدودات قبل ان اشهر اسلامي بنطق الشهادتين يوم 25 سبتمبر 1980، وليس من الامور الهينة ان يقدم المرء كشف حساب وتقييما لتطوره الفكري. لقد كتب هيرمان هسه في احدى رواياته القصيرة "نوفاله" Klein und Wagner عام 1919: "التحدث هو اضمن السبل لإساءة فهم كل شيء وجعله ضحلا ومجدبا". وكتب ايضا في روايته "لعبة الكرات البللورية" محذرا من صياغة معنى داخلي في كلمات، اذ يقول على لسان قائد الاوركسترا: "اظهر المهابة للمعنى، ولكن لا تظنه قابلا للتعلم". لقد فشل عظماء كثيرون في هذه المحاولة. فعمر القوي، ثاني الخلفاء، كان يضطهد المسلمين الى ان اعتنق الاسلام، ولا يمكن حقا فهم كيفية اقتناعه بالاسلام على نحو مفاجئ بعد ان قرأ سورة طه إثر مشاجرة مع اخته. ويستشهد هوفمان في هذا الصدد بقول ابي حامد الغزالي (القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي) في اعترافاته: "ان العقيدة لم تتغلغل في نفسه من خلال دليل واحد واضح بعينه، وانما من خلال عدد لا يحصى من اسباب الايمان، وخبرات ومواقف مصاحبة يمكن تعديد تفصيلاتها". ويقول اخيرا: ان عودته الى الاسلام كانت بفعل "نور القاه الله في صدره".
وفي كتابه الرائع "الطريق الى مكة"، يعرض لأمر هدايته الى الاسلام، اذ يصفه بما لو كانت "ضربة من السماء" قد اصابته. اما انا، فكنت لسنوات، بل لعقود، منجذبا الى الاسلام كالمغناطيس، لانني ألفت افكاره، كما لو كنت قد عايشته من قبل. لقد وجهتني على هذا الدرب ثلاثة احداث اساسية، ذات طبيعة انسانية، وجمالية فنية، وفلسفية، ويرتبط اول هذه الاحداث ارتباطا عجيبا بالجزائر. ففي عام 1960، امضيت شهرين في Chateau Neuf sur Loire لأتمكن من اجادة اللغة الفرنسية، استعدادا لامتحانات القبول بوزارة الخارجية، وهناك، كنت اقرأ يوميا تقارير الصحافة الفرنسية عن حرب الجزائر.
المسألة الجزائرية
وقال هوفمان: في اختبار القبول بوزارة الخارجية الألمانية، كان على كل متقدم ان يلقي محاضرة لمدة لا تتجاوز خمس دقائق في موضوع يحدد عشوائيا، ويكلف به قبلها بعشر دقائق. ولكم كانت دهشتي عندما تبين لي ان موضوع محاضرتي هو "المسألة الجزائرية". وكان مصدر دهشتي هو مدى علمي بهذا الموضوع، وليس جهلي به. وبعد شهور قليلة من الاختبار، وقبل ان اتوجه الى جنيف بوقت قصير، اخبرني رئيس التدريب، عندما التقينا مصادفة اثناء تناولنا للطعام، ان وجهتي قد تغيرت الى الجزائر. في اثناء عملي بالجزائر في عامي 61/1962، عايشت فترة من حرب استمرت ثماني سنوات بين قوات الاحتلال الفرنسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وانضم اثناء فترة وجودي هناك طرف ثالث هو "منظمة الجيش السري"، وهي منظمة ارهابية فرنسية، تضم مستوطنين وجنودا متمردين. ولم يكن يوم يمر دون ان يسقط عدد غير قليل من القتلى في شوارع الجزائر. وغالبا ما كانوا يقتلون رميا بالرصاص على مؤخرة الرأس من مسافة قريبة. ولم يكن لذلك من سبب، الا كونهم عربا، او لأنهم مع استقلال الجزائر. وكنت عند سماعي صوت سلاح آلي، اتصل تليفونيا بزوجتي الاميركية لتسرع الى شراء ما تحتاج اليه، لان الهجوم التالي في المنطقة نفسها لا يتوقع حدوثه قبل عشرين دقيقة.
وكانت انبل مهماتي هي اعادة افراد الفرقة الاجنبية من الالمان الفارين الى الوطن بمعاونة من السلطات الفرنسية. وكان عدد هؤلاء الرومانسيين المساكين غير قليل، منذ فر قائد قوات المظلات في العام السابق. وكم كان الموت يجذبهم! وكانت منظمة الجيش السري قد جندت عددا منهم ضمن قوات خاصة (كوماندوز). ومن ثم وجدوا انفسهم بين نارين. كما أن فرص نجاتهم من الموت كانت ضئيلة جدا. وكنت، بصفتي ممثلا للقنصلية العامة الالمانية، اضع الزهور على قبور الكثير منهم. كنت، وأنا ابحث عن ألمان بين الجرحى في المستشفيات، احمل سلاحي معدا للاستخدام. وكنت ادقق النظر في وجه من يقابلني، بل وفي يديه. وعندما كانت القامات تتقابل، كان كل شخص يبتعد عن الآخر عائدا الى الخلف، طلبا للامان، وفي بعض الاحيان كانت زوجتي المذعورة تصر على حماية ظهري، فكانت تسير خلفي على مسافة عدة خطوات حاملة في كم ثوبها سكينا حادة.
ويسترجع هوفمان بعض الذكريات قائلا: "وما يزال بعض ذكريات تلك الايام يثير كآبة في نفسي حتى الآن. فعندما كنت في طريقي الى مقر اذاعة فرنسا 5، حيث كان من المقرر ان القي، تنفيذا لتكليف من القنصل العام، محاضرة عن "وضع الرقص المسرحي" في المانيا، تعطلت مضخة البنزين في سيارتي الفولكس فاجن من طراز "الخنفسة" في شارع ايزلي الضيق، كثير المنحنيات. وسرعان ما اصطفت السيارات خلف سيارتي، مطلقة اصوات النفير، وفي تلك الاثناء، كان امامي رجل يعبر الشارع، واطلق عليه شخص الرصاص من الرصيف المقابل، فسقط جريحا امام رفرف سيارتي الايسر، واذا بالمهاجم يشير لي بسلاحه آمرا ان اواصل سيري، كي اخلي ساحة اطلاق الرصاص. ولم اكن ارغب في ذلك، بل ولم اكن استطيعه ايضا، واخيرا، تقدم الشخص الذي يحمل السلاح من الرجل المصاب واطلق عليه رصاصة اخرى اردته قتيلا، ثم اختفى في زحام البشر في تؤدة وعلى مهل. ولقد استأت كثيرا ايضا، عندما رأيت مضطرا اعضاء منظمة الجيش السري، وهم يشعلون النار في سيارات شحنوها سلفا ببراميل من الوقود، ويدفعونها من فوق منحدر الى حي يسكنه العرب. ولا بد للمرء من ان يتوقع ان يكون على قائمة القتلى، اذا ما اصبح شاهدا غير مرغوب فيه. وكان حلاقي في الابيار يدرك ذلك جيدا، فحين هاجمت قوات "منظمة الجيش السري" مكتب التلغراف المقابل لمحله في شارع جاليني، ادار مقعده حتى لا يكون شاهدا على ما يجري. ولم يكن تصرفه اقل غرابة من تصرف احد افراد الشرطة الذي عرض عليّ في مايو (ايار) عام 1962 ان يحرس سيارتي، بينما كانت النيران مشتعلة خلف ظهره في مكتبه بالابيار.
عندما توصل الرئيس الفرنسي شارل ديجول، في ايفيان في مارس (اذار) عام 1962، الى اتفاق مع الحكومة المؤقتة لجبهة التحرير الوطني الجزائري على وقف اطلاق النار في يوليو (تموز) التالي، صعدت منظمة الجيش السري من اعمالها الارهابية، بهدف استفزاز الجزائريين لخرق الاتفاق، فبدأ افرادها في تصفية النشء الاكاديمي الجزائري، وراحوا يقتلون، رميا بالرصاص، النساء اللاتي يرتدين الحجاب. وقبل تحقيق الاستقلال بأيام قلائل، اطلقوا الرصاص على آخر بائع جزائري جائل في الابيار، فأردوه قتيلا امام مكتبي مباشرة. وكان هذا البائع قد عاش ينادي على اسماكه منذ عقود طويلة، دون ان يلحق اذى بأي انسان كائنا من كان. وفي الشارع الذي كنت اقطنه، كان جيراني من الفرنسيين يلقون من النوافذ على المنتصرين بكل ما لا يبخلون به. وكانت الثلاجات التي يلقون بها تسقط على اكوام من القمامة التي لم تزل منذ اسابيع، وهو ما كان من حسن حظ الفئران.
الاحتكاك عن قرب بالإسلام
شكلت هذه الوقائع الحزينة خلفية اول احتكاك لي عن قرب بالاسلام المعيش. ولقد لاحظت مدى تحمل الجزائريين لآلامهم، والتزامهم الشديد في رمضان، ويقينهم بأنهم سينتصرون، وسلوكهم الانساني، وسط ما يعانون من آلام. وكنت ادرك ان لدينهم دورا في كل هذا. ولقد ادركت انسانيتهم في اصدق صورها، حينما تعرضت زوجتي للاجهاض تحت تأثير "الاحداث" الجارية آنذاك. فلقد بدأت تنزف عند منتصف الليل، ولم يكن باستطاعة سيارة الاسعاف ان تحضر الينا قبل الساعة السادسة صباحا، بسبب فرض حظر التجول، وبسبب شعار "القتل دون سابق انذار" المرفوع آنذاك. وحينما حانت الساعة السادسة، ادركت وانا اطل من نافذة مسكني في الطابق الرابع، ان سيارة الاسعاف لا تستطيع العثور علينا، لان منظمة الجيش السري كانت قد غيرت في تلك الليلة اسماء كل شوارع الحي الذي اقطنه، بحيث اصبحت كلها تحمل اسماء مثل شارع "سالان" وشارع "يهود" وشارع "منظمة الجيش السري".
بعد تأخير طال كثيرا، كنا في طريقنا متجهين الى عيادة الدكتور شمعون (قبل ان تنسفها منظمة الجيش السري بوقت قصير)، حيث صادفنا حاجزا اقامته الجمعية الجمهورية للامن، وعلى الرغم من صفير البوق الذي كان السائق يطلقه، فانه لم يكن باستطاعته ان يشق طريقه الا ببطء شديد، وكانت زوجتي تعتقد، في تلك الاثناء، انها ستفقد وعيها. ولذا، وتحسبا للطوارئ، راحت تخبرني ان فصيلة دمها هي O ذات RH سالب. وكان السائق الجزائري يسمع حديثها، فعرض ان يتبرع لها ببعض من دمه الذي هو من نفس فصيلة دمها. ها هو ذا العربي المسلم يتبرع بدمه، في اتون الحرب، لينقذ اجنبية على غير دينه. لكي اعرف كيف يفكر ويتصرف هؤلاء السكان الاصليون المثيرون للدهشة، بدأت اقرأ "كتابهم".. القرآن في ترجمته الفرنسية لـPesle/Tidjani. ولم اتوقف عن قراءته منذ ذلك الحين، حتى الآن، وحتى تلك اللحظة، لم اكن قد تعرفت على القرآن الا من خلال النوافذ المفتوحة لكتاتيب تحفيظ القرآن في ميزاب جنوب الجزائر، حيث يحفظه اطفال البربر، ويتلونه في لغة غريبة عنهم، وهو ما دهشت له كثيرا. وفي ما بعد ادركت ان حفظ وتلاوة القرآن، باعتباره رسالة الله المباشرة، فرض تحت الظروف كافة. ولقد ازعجني رد الفعل الغاضب من جانب احد الجزائريين، عندما حدثته في بار فندق ترانس ميدترانيان في غرداية، عن قراءتي للقرآن، اذ استنكر في صراحة لا ينقصها الوضوح، وجود ترجمات له. واعتبر محاولة ترجمة كلام الله الى لغة اخرى بمثابة تجديف. ولم استغرق وقتا طويلا قبل ان استوعب رد فعله. فاللغة العربية تشتمل على مفردات لا تدل على وقت محدد بعينه. فالمفردات التي تشير الى مستقبل مؤكد يمكن ان تدل على امر حدث في الماضي ايضا. ناهيك عن ان اللغة العربية تتضمن بعض ما يمكن للعربي ان يفهمه تلميحا. وبغض النظر عن ذلك، فهناك المشكلة المعتادة التي تكمن في ان الكلمات التي تعبر عن ذات المعنى في لغتين لا تتطابق في ما يختص بتداعي الخواطر الا نادرا. ومن ثم، فان كل ترجمة للقرآن ان هي الا تفسير يفقر المعنى ويجرده من مضمونه. وهكذا كان الرجل في البار على حق.
لم تشأ هذه الجزائر، التي ادين لها بالكثير، ان تتركني لحالي، وانما تبعتني كالقدر. فعندما اصبحت سويسرا ترعى مصالحنا في الجزائر، في عام 1966، كان عليّ ان اعمل من السفارة الالمانية في برن على استمرار الاتصال مع من تبقى من بعثتنا الدبلوماسية في الجزائر، من خلال القسم السياسي في السفارة السويسرية. وكان البريد المرسل من بون الى الجزائر، يمر من خلالي اسبوعيا. وبعد 25 عاما من عملي بالجزائر لأول مرة، عدت اليها سفيرا في عام 1987. ومنذ اعتمدت سفيرا في المغرب، المجاور للجزائر، في عام 1990، يندر ان تفارق مخيلتي صورة الجزائر التي ما تزال تعاني آلاما مأساوية، فهل يمكن ان يكون ذلك كله محض مصادفة؟!
الفن الإسلامي
وقال هوفمان: هدتني الى الاسلام ايضا، تجربة مهمة، ذات طبيعة جمالية متصلة بالفن الاسلامي، ولهذه التجربة، قصة تتلخص في انني "مولع بالجمال"، وكنت منذ صباي معجبا بالجانب الشكلي للجمال، وارغب الغوص في اعماقه حتى عندما كانت حماتي الاميركية تقول ـ استنادا الى المنهج البيوريتاني ـ ان الجمال مجرد امر سطحي، وانه ليس الا خداعا على السطح. عندما تلقيت في عام 1951 الدفعة الاولى من منحة التفوق، التي تمنحها وزارة الثقافة في بافاريا "للموهبين جدا"، دفعتها بأكملها ثمنا لشراء نسخة مطبوعة على قطعة من الجوت من لوحة بول جوجان: "الفتاة وثمار المانجو". وبما انني لم اكن ممن يقطنون حي Maximilianeum الواقع على اليمين من نهر ايزار Isar، وانما كنت اقيم في المستوطنات السكنية للثوريين الديمقراطيين، عند ميدان ماسمان، حيث يتقاسم العمال والطلبة غرفها، فقد نقلت لوحة جوجان التي اشتريتها الى مسكني هناك، ورحت احللها، ولم ألبث ان اقتنعت بأن الفن الساكن (غير المتحرك)
ـ الرسم والنحت والعمارة والخط والاعمال الفنية الصغيرة ـ مدين بالفضل في تأثيره الجمالي للحركة المجمدة، ومن ثم، فانه مشتق من الرقص. ولذلك، يزداد احساسنا بجمال الفن التشكيلي كلما ازدادت قدرته على الايحاء بالحركة. وهذا هو ما يفسر انبهاري الشديد بالرقص الذي دفعني الى مشاهدة عروض الباليه كافة في مسرح برينزرجنتن في ميونخ. ومنذ ذلك الحين ازداد اهتمامي بالرقص، واتسع ليشمل كل ما يتصل به. وكنت اقضي كل ساعة فراغ بين مواعيد المحكمة في صالات عروض الباليه، بالقرب من قصر العدل. وحصلت على تمارين للباليه، لكي اتعلم ـ ولو على نحو متخلف ـ رقص الباليه الكلاسيكي، حتى اعرف ماهية ما اكتب عنه. ويعتمد هذا الفن اللطيف، في نهاية الامر، على جهد بدني خارق، وهكذا تعلمت ان اميز، على سبيل المثال، بين الحركات المختلفة واساليب ادائها.
كان اكثر ما يروق لي هو مدرسة لونافون زاخنوفسكي الروسية، التي تعيش في المنفى، ولقد تربت في هذه المدرسة تلميذات نجيبات مثل انجيلا البريشت، ومنها تكونت في منتصف الخمسينات فرقة "باليه زاخنوفسكي"، التي قدمنا بواسطتها عروضا راقية في ميونخ وفي مدن اخرى في بافاريا. وكنت مسؤولا عن التعاقدات، والدعاية والاضاءة، ووحدة الماكياج. وفي عام 1955، أسست في ميونخ بالاشتراك مع كارل فيكتور برينتس تسوفيد، جماعة اصدقاء الباليه، وتوليت معه باب نقد الرقص في صحيفة ميونخ المسائية.
كانت المراحل التالية في حياتي هي بايجاز: العمل في ما بين عامي 1954 و1980 ناقدا متخصصا للباليه في صحف في المانيا وبريطانيا واميركا، والعمل محاضرا لمادتي تاريخ وعلم جمال الباليه بمعهد كولونيا للباليه في ما بين عامي 1971 و1973، وتقدمت بمذكرات الى وزير الثقافة الألماني حول تأسيس باليه قومي الماني. ولم يكن بعض معارفي يعلم ان القانون والدبلوماسية هما مهنتي الاساسية، وليس الباليه. وكان الكتاب الاثير حقا عندي، هو كتاب جيلبرت وكونز عن تاريخ علم الجمال كعلم فلسفي. وكعاشق للباليه، ذلك الفن المجرد الذي يجسد الموسيقى، كنت في الواقع ابحث عن الاسباب التي ترغمنا على الاحساس بجمال اشياء او حركات بعينها. ولهذا السبب، كنت اقبع لأسابيع طويلة في احدى الغابات البافارية باحثا في اسس علم جمال الحركة. وهناك تبين لي اننا كبشر لا نملك الا ان نحس جمال الجسد البشري الصحيح وما يتطابق مع مقاييسه. وهو ما ينطبق ايضا علينا كمحللين بصريين لما تفرزه الطبيعة من صور وانواع. يضاف الى ذلك اننا نقرأ الصور في ذات الاتجاه الذي نكتب فيه. وتبين لي اخيرا ان الحركات تستحوذ على انتباهنا بسبب ما يمكن ان تنطوي عليه من مخاطر. وتبين لي آخرا اننا نعجب بحركات الطرد المركزي، لاننا نستطيع ان نتخيلها ممتدة في ما لا نهاية. عبر هذا الطريق، صار الفن الاسلامي بالنسبة لي تجربة مهمة ذات قيمة عالية ومثيرة، ألا يماثل في سكونه تماما ما اسعدني في حركات الباليه، التجريدية: القدرة الانسانية، والحركة الداخلية، والامتداد في ما لا نهاية؟ وذلك كله في اطار الروحانية التي يتسم بها الاسلام.
وألهمتني اعمال معمارية، مثل الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة، اليقين بأنها افراز حضارة راقية رفيعة. واستوعبت جيدا ما كتبه راينر ماريا ريلكا بعد زيارته لكاتدرائية قرطبة، اذ كتب: "... تملكني منذ زيارة قرطبة عداء وحشي للمسيحية، انني اقرأ القرآن وهو يتجسد لي صوتا يستوعبني بقوة طاغية، واندفع بداخله كما تندفع الريح في الارغن". وصار الفن الاسلامي لي وطنا جماليا، مثلما كان الباليه الكلاسيكي من قبل، واصبحت ارى الاعمال الفنية للعصور: الاغريقي والروماني والقوطي، ولعصر النهضة والروكوكو مثيرة، وعريقة، واصيلة، بل وعبقرية، ولكنها لا تنفذ الى داخلي، ولا تحرك عواطفي ولا مشاعري.

هوفمان يدعو المسلمين إلى إدراك قوة جاذبية الفن الإسلامي
المفكر الألماني: وضعت الديانة الكاثوليكية لدرايتي التامة بها محل تساؤلات وشكوك
أدرك المفكر الالماني الدكتور مراد هوفمان ان للدين الاسلامي جاذبية خاصة ما ان يبدأ الشخص في دراسة الاسلام حتى يندفع الى الايمان بمبادئه وقيمه التي تعمل على اصلاح المجتمعات الانسانية. ويدرك تماما ان هذا الدين الرباني مصلح لكل زمان ومكان.
وروى لي الدكتور هوفمان عندما التقيته في مدينة شيكاغو الاميركية في اغسطس (آب) الماضي جوانب مهمة في قصة اسلامه، مشيرا الى ضرورة الرجوع الى كتابه "الطريق الى مكة" الذي لخص فيه مسيرة رحلته الايمانية الى الاسلام.
وقال لي هوفمان انه يحرص حرصا شديدا على حضور الملتقيات الاسلامية باعتبارها مدخلا مهما في تقارب المسلمين ومن ثم تفاعلهم وانفعالهم بهذا الدين. وكذلك ضرورة مشاركة المفكرين الاسلاميين في الملتقيات الفكرية الغربية لتصحيح صورة الاسلام المشوه عند هؤلاء الغربيين وابراز الاسلام بصورته السمحة التي تؤكد دوره الاصلاحي للمجتمعات الانسانية كافة.
يتابع هوفمان حديثه عن جاذبية الاسلام: "انني ادرك قوة جاذبية فن هذا الدين الآن افضل من ذي قبل، حيث انني محاط في المنزل الآن بفن تجريدي، ومن ثم بفن اسلامي فقط. وادركها ايضا عندما يستمر تاريخ الفن الغربي عاجزا عن مجرد تعريف الفن الاسلامي. ويبدو ان سره يكمن في حضور الاسلام في حميمية شديدة في كل مظاهر هذا الفن، كما في الخط، والارابيسك، ونقوش السجاد، وعمارة المساجد والمنازل والمدن. انني افكر كثيرا في اسرار اضاءة المساجد وفي بنائها الديمقراطي، وفي بناء القصور الاسلامية، الذي يوحي بحركة متجهة الى الداخل، بحدائقها الموحية بالجنة بظلالها الوارفة وينابيعها ومجاريها المائية، وفي الهيكل الاجتماعي ـ الوظيفي المبهر للمدن الاسلامية القديمة (المدينة) الذي يهتم بالمعيشة المتجاورة تماما كما يهتم بابراز موقع السوق وبالمواءمة او التكيف لدرجات الحرارة وللرياح، وبدمج المسجد والتكية والمدرسة والسبيل في منطقة السوق ومنطقة السكن. وان من يعرف واحدا من هذه الاسواق ـ وليكن في دمشق، او اسطنبول او القاهرة او تونس او فاس ـ يعرف الجميع، فهي جميعا، كبرت ام صغرت، منظمات اسلامية من ذات الطراز الوظيفي. فما اكثر ما تجولت في سوق مدينة سالي المؤاخية للرباط لكي استعيد حيويتي. انه ذروة مجتمعية حيوية يجد فيها كل انسان مكانا له، شيخا كان ام شابا، صحيحا كان ام مريضاً، فقيرا ام غنيا، ابيض ام اسود، ولا يوجد به عجلة، ولا ازمة ضيق وقت، ولا مبالغة في تقييم الذات، ولا خمور ولا وسائل نقل ثقيل، ولا سياج ولا ابتزاز، وحيث الجميع سواسية، وكل عملية شراء ترتبط بـ"دردشة"، وحيث تغلق الحوانيت ابوابها وقت الصلاة.
كان ما احسست منذ البداية انه اسلامي وباعث على السعادة هو في واقع الامر التأثير الناضج للتناغم الاسلامي، وللاحساس بالحياة والمكان الاسلاميين على العقل والروح. وهذا ما احسست به في متحف جولبينكيان الاسلامي في لشبونة، مثلما احسست به في المسجد الاموي بدمشق، وفي مسجد ابن طولون بالقاهرة، وفي مسجد القيروان القديم او المسجد السليمي في درنة. وقبل ان يقودني الدرب الفلسفي الى الاسلام، الذي قادني بدوره الى تجربة اساسية ثالثة في حياتي، كنت قد حصلت، وانا بعد في سن المراهقة في مدينة اشفنبرج، على قسط وافر من التعليم الجيزويتي، من خلال عضويتي لجمعية Congregatio Mariana وهي المقابل لحركة "المانيا الجديدة" المتمركزة في الشمال.
ويعود ارتباطنا، بل تعلقنا الرومانسي، بهذه المنظمة الى فترة حكم النازي، وذلك لان الجستابو لم يتمكن من الكشف عنها عندما كانت تقاوم هذا الحكم سرا. ولم يكن حتى ابي المشتت الفكر يعلم بعضويتي لهذه المنظمة. وكنا نجتمع اسبوعيا مع احد القساوسة الجيزويت في احدى المقابر، في ظل اجراءات امنية مشددة. فكان كل فرد منا لا يعرف سوى افراد مجموعته فحسب. ولكننا تمكنا بمرور الوقت من استقطاب افضل عناصر تلاميذ المدارس الثانوية. وقطعنا بذلك الطريق على منظمة "شبيبة هتلر"، اي اننا منعنا هذه العناصر الجيدة من ان تنضم الى منظمات الشباب التابعة للحكم النازي، ولقد ادهشنا ان عدد افراد المنظمة بلغ عند انتهاء الحرب 80 فردا. بعد ان انقضت الحرب، عدنا الى الاستمتاع بحياة واساليب منظمات الشباب التي كانت سائدة في عشرينات هذا القرن.
ونظرا لما سبق ذكره، فقد كنت على دراية تامة بالديانة الكاثوليكية، وبأدق شؤونها من الداخل، ولكنني في الوقت ذاته، كنت قد بدأت اضع هذه الديانة محل تساؤلات وشكوك. كنت انا وCarl Jacob Burckherdt نتساءل دوما عما اذا كان من الصواب ان يكون عالم اللاهوت ودارس الاديان مسيحيي الديانة. وبالرغم من اعجابي بفلسفة Ludwig Wittgenstein فاني كنت على يقين تام من عدم وجود دليل ينفي وجود الله. وكنت شديد التمسك بالرأي القائل بأن عدم وجود الله غير مؤكد بشكل قاطع، وان الاعتقاد بوجود الله او نفي وجوده يظل مسألة تحسمها العقيدة ويقين الفرد. ولقد حسمت هذا باعتقادي في وجود الله. وبعد ذلك، ثار سؤال عن ماهية الاتصال بين الله الانسان. ولقد كنت شديد الاقتناع بامكانية، بل قل بضرورة، تدخل الله وتسييره لمجريات الامور. ويرتكز اقتناعي هذا على دراستي ودرايتي بتاريخ الانسانية والعلوم والحق، التي استنتجت من خلالها ان مجرد مراقبة الطبيعة وتتبعها فقط لن يقودنا الى ادراك حقيقة علاقتنا ببيئتنا وبالله. الا يشهد تاريخ العلوم على حقيقة مفادها ان الحقائق العلمية يغير بعضها بعضا بسرعة شديدة؟! كنت بهذه الخطوة قد حسمت يقيني بامكانية، بل بضرورة، الوحي والدين، ولكن اي دين؟ واي عقيدة؟ هل هي اليهودية، او المسيحية او الاسلام.
وجاءتني الاجابة من خلال تجربتي الثالثة التي تتلخص في قراءتي المتكررة للآية 38 من سورة النجم: "لا تزر وازرة وزر اخرى"، ولا بد من ان تصيب هذه الآية بصدمة شديدة كل من يأخذ مبدأ حب الآخر الوارد في المسيحية مأخذ الجد، لانه يدعو في ظاهر الامر الى النقيض. ولكن هذه الآية لا تعبر عن مبدأ اخلاقي، وانما تتضمن مقولتين دينيتين تمثلان اساسا وجوهرا لفكر ديني، هما:
1 ـ انها تنفي وتنكر وراثة الخطيئة.
2 ـ انها تستبعد، بل وتلغي تماما، امكانية تدخل فرد بين الانسان وربه، وتحمل الوزر عنه.
3 ـ والمقولة الثانية هذه تهدد، بل وتنسف مكانة القساوسة وتحرمهم من نفوذهم وسلطانهم الذي يرتكز على وساطتهم بين الانسان وربه وتطهيرهم الناس من ذنوبهم. والمسلم بذلك هو المؤمن المتحرر من جميع قيود واشكال السلطة الدينية.
اما نفي وراثة الخطيئة وذنوب البشر، فقد شكل لي اهمية قصوى، لانه يفرغ التعاليم المسيحية من عدة عناصر جوهرية، مثل: ضرورة الخلاص، التجسيد، الثالوث، والموت على سبيل التضحية. وبدا لي ان تصور فشل الله في خلقه، وعدم قدرته على تغيير ذلك الا بانجاب ابن والتضحية به ـ اي ان الله يتعذب من اجل الانسانية ـ امر فظيع ومروع، بل وتجديف واهانة بالغة. وبدت لي المسيحية وكأنها تعود لترتكز في اصولها على اساطير متنوعة ومتعددة. وتبين لي جليا الدور الخطير والشرير الذي لعبه بولس الرسول. لقد قام بولس، والذي لم يعرف المسيح ابدا ولم يصاحبه في حياته، بتغيير بل وبتزوير التعاليم اليهودية ـ المسيحية التي صاغها برنابه وترى في المسيح احد رسل الله وانبيائه. وتيقنت ان المجلس الملي، الذي انعقد في نيقيا (عام 325)، قد ضل طريقه تماما، وحاد عن الصواب وتعليمات المسيحية الاصلية، عندما اعلن ان المسيح هو الله، واليوم، اي بعد مرور ما يزيد على ستة عشر قرنا، يحاول تصحيح هذا الخطأ بعض علماء اللاهوت الذين يتمتعون بجرأة شديدة.
ومجمل القول انني بدأت انظر الى الاسلام كما هو، بوصفه العقيدة الاساسية الحقة التي لم تتعرض لأي تشويه او تزوير.. عقيدة تؤمن بالله الواحد الاحد الذي "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" (سورة الاخلاص). رأيت فيه عقيدة التوحيد الاولى، التي لم تتعرض لما في اليهودية والمسيحية من انحراف، بل ومن اختلاف عن هذه العقيدة الاولى، عقيدة لا ترى ان معتنقيها هم شعب الله المختار، كما انها لا تؤله احد انبياء اليهود. لقد وجدت في الاسلام اصفى وأبسط تصور لله، تصور تقدمي، ولقد بدت لي مقولات القرآن الجوهرية ومبادئه ودعوته الاخلاقية منطقية جدا حتى انه لم تعد تساورني ادنى شكوك في نبوة محمد. ولقد سمعت مرارا قبل اعتناقي الاسلام مقولة ان التحول من دين الى دين آخر ليس له اي اهمية، حيث ان الاديان كلها تؤمن في آخر الامر بإله واحد، وتدعو الى الاخلاقيات والقيم ذاتها، وان السلوكيات والاخلاق الحميدة، بالاضافة الى الايمان بالله في قلب الانسان، وان يتوجه الانسان الى الله سرا، لأهم من الصلاة خمسا، ومن صوم رمضان وأداء فريضة الحج، كم من مرة اضطررت الى الاستماع الى هذه المقولات من مسلمين اتراك تخلوا عن عقيدتهم دون ان يدركوا ذلك.
ان إلها خاصا سريا ليس بإله، وكل هذه الحجج والمقولات تبدو واهية، اذا ما تيقنت ان الله يتحدث الينا في قرآنه. ومن يدرك هذه الحقيقة لا يجد مفرا من ان يكون مسلما بأعمق معاني هذه الكلمة.
الصلاة المفروضة
ويذهب هوفمان الى انه ربما يمكن القول: انني كنت قريبا من الاسلام بأفكاري قبل ان اشهر اسلامي في عام 1980، بنطق الشهادتين متطهرا كم ينبغي، وان لم اكن مهتما حتى ذلك الحين بواجباته ونواهيه فيما يختص بالحياة العملية. لقد كنت مسلما من الناحية الفكرية او الذهنية، ولكني لم اكن كذلك بعد من الناحية العملية. وهذا على وجه اليقين ما يتحتم ان يتغير الآن جذريا. فلا ينبغي ان اكون مسلما في تفكيري فقط، وانما لا بد ان اصير مسلما ايضا في سلوكياتي.
اذا كان الدين يعني رباطا يربط الانسان بربه، واذا كان الاسلام يعني ان يهب المسلم نفسه لله، فقد كانت اهم واجباتي، كمسلم حديث عهد بالاسلام، في الخمسينات من العمر، ان اتعلم صلاة الاسلام. وليس من الضروري ان يكون المرء خبيرا في الحاسب الآلي ليدرك ان الامر هنا يتعلق بمسألة اتصال.. ما اصلح فنون الاتصال للاتصال به؟
ومن المؤكد، على اي حال، انه لا شيء يعرض اسلام المرء للخطر اكثر من انقطاع صلته بربه. من ثم يصبح التسبيح بحمد الله هو العنصر المحوري في حياة كل من يعي ويدرك معنى ما يقوله، عندما يقول انه يؤمن بالله. وبناء على ذلك، فان من لا يصلي ليس بمؤمن من وجهة نظري. فمن يؤكد لامرأة غائبة حبه لها، دون ان تكون لديه رغبة في التحدث اليها تليفونيا او في الكتابة اليها، ودون ان يلقي نظرة واحدة على صورتها طوال اليوم، ليس محبا لها في حقيقة الامر. وهذا ما ينطبق تماما على الصلاة. فمن يعي ويدرك حقا المعنى الحقيقي لوجود الله، ستكون لديه بالضرورة رغبة في التأمل وفي التوجه الى الله كثيرا. وبذلك فقط، يصير ما يردده المسلم كثيرا وهو يقرأ سورة الفاتحة "إياك نعبد وإياك نستعين" حقيقة واقعة. وكنت حتى تلك اللحظات اجهل ما يجب فعله واتباعه في الصلاة. ناهيك عن قدرتي على الحفظ والتلاوة باللغة العربية، ومن ثم كانت اولى اولوياتي آنذاك هي التغلب على هذا النقص. وقبل ان امعن في دراسة مقدمة مصورة باللغة الالمانية للصلاة الاسلامية، تحظى بأكبر قدر من الثقة، طلبت من صديق تركي ان يعلمني الوضوء وكيفية الوقوف في الصلاة، والركوع والسجود، والجلوس على الارض مستنداعلى القدم اليسرى، ورفع الذراعين، واتجاه النظر، ومتى يقرأ المرء جهرا، ومتى يقرأ سرا مع تحريك الشفتين في القراءة، وكيف يقف المرء موقفا صحيحا خلف الامام، وكيف يتصرف المرء عندما يأتي متأخرا الى المسجد، وكيف يتحرك داخل المسجد، انه علم كامل! وفي الحقيقة، فانه من الخطر ان يتصرف المسلم كمسلم دون ان يكون كذلك.
وتبدأ الصلاة الاسلامية، وان بدا ذلك امرا غريبا، في الحمام او عند مصدر المياه في الفناء الامامي للمسجد بالوضوء. وينبغي تعلم ذلك بحسب تتابعه وتسلسله، وكيف يغسل المرء اليدين، وكيف يمسح الرأس، وكيف يتأكد من غسل الكعبين، كل شيء وضع وحدد على نحو دقيق تماما. وحينما ينوي المرء الصلاة ويرفع اليدين الى الرأس مكبرا مفتتحا الصلاة، فانه ينفصل تماما عن مشاغل حياته اليومية، مما يؤكد قدسية الصلاة بالنسبة له.
لا يمثل الوضوء مشكلة في البلدان الحارة، حيث تؤدي الحرارة المرتفعة الى سرعة الجفاف. وفي حالة عدم توفر الماء فانه يكفي تنظيف اليدين بالرمل على سبيل الرمز (التيمم)، ولقد تعرضت لمثل هذا الموقف، حينما غاصت السيارة التي يقودها سائقنا الخبير بالصحارى في السابع من شهر ديسمبر عام 1993، اثناء رحلة في منطقة ليوا الغنية بالنفط في الامارات العربية المتحدة، حيث تبدو الرمال صالحة تماما للتيمم. اما في مناطقنا الباردة، فليس من المريح حقا، في حالة عدم وجود مناشف، ان يضطر المرء الى ارتداء جواربه وقدماه مبتلتان. وتبين لي ان تعلم كيفية اداء الصلاة ايسر كثيرا مما كنت اتوقع، لان الصلاة تتكون من وحدات ثابتة تسمى "ركعة" فالركعات هي وحدات الصلاة.
وينبغي ان يتعلم المرء ايضا عدد الركعات في كل من الصلوات الخمس: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وان يعرف مواقيتها، وما ينبغي على المسافر ان يراعيه من احكام الصلاة.
وتعلمت اخيرا كيفية الوقوف في صلاة الجماعة، حيث ينبغي ان يصطف المسلمون في صف مستقيم تتلاصق فيه الاقدام وتسد الفرج. وهذا التلاصق يرمز بالنسبة لي اكثر من مجرد ضم صفوف. انه يرمز الى التضامن على نحو يؤثر فيّ مجددا كل مرة. ويتجدد هذا التضامن في نهاية كل صلاة مع تحية "السلام عليكم" التي ينطقها المصلي وهو يلتفت يمينا ثم يسارا، وبعد ذلك يمسح وجهه بكلتا يديه اعلانا عن انتهاء الصلاة، وبعدها يمد يديه الى جاره في الصلاة مصافحا ومتمنيا ان يتقبل الله صلاته "تقبل الله صلاتك".
وروى لي عبد الوهاب عبادة، السكرتير العام لوزارة الخارجية الجزائرية، انه غير هذه التحية مرة عندما كان طفلا. فلقد بدا له انه من الاقرب الى المنطق ان يقول "السلام عليك". وكانت نتيجة ذلك انه تلقى على وجهه صفعة من والده الذي علمه ان المسلم يقول دائما: "السلام عليكم" لان تحيته تشمل جميع المخلوقات المرئية وغير المرئية، تشمل الملائكة وتشمل الصراصير.
من الاهمية بمكان ان يعرف كيف يحدد موضع صلاته، بحيث يضع نظارته وحافظة اوراقه على مسافة نحو 90 سنتيمترا امامه. فلن ينتهك احد موضع صلاة احد آخر، ولن يمر احد من امام احد المصلين مباشرة، وانني لأتذكر انني هممت بمغادرة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، بعد ان انتهيت من الصلاة، يوم 26 من ديسمبر (كانون الاول) عام 1982، وعندما بلغت الباب الرئيسي، كانت حركة السير بطيئة، وكان السبب ان احد القادمين الى الصلاة متأخراً، لحق بها فور وصوله الى الباب، وما يزال يكمل صلاته على الدرج في هدوء تام، بينما انقسمت جموع المصلين المنصرفين من المسجد حوله كما تنقسم حول صخرة. ولم يجرؤ احد على ان يزعجه، او يشوش عليه في صلاته، او ان يقتحم موضع صلاته. اما ما هو اشد غرابة واثارة للدهشة، فذلك الذي رأيته اثناء الطواف حول الكعبة في عام 1992.. فلقد راحت امرأة ضعيفة البنية تؤدي الصلاة دون اكتراث، في قلب الزحام على مسافة بضعة امتار من الكعبة، محاطة بأربعة رجال اشداء يصنعون حولها سياجا بسواعدهم. ومرة اخرى، يتكرر نفس رد الفعل الهادئ من جانب الناس، فلا لوم، ولا تأنيب، ولا كلمة غاضبة، وانما احترام للصلاة. ربما يكون من العسير او حتى من المستحيل، بسبب هذه القواعد الصارمة، ان يغادر المسجد احد من المصلين في الصفوف الامامية قبل ان يغادر الجميع. ولقد اضطررت في عام 1993 الى ان اترك مضيفي في ابو ظبي ينتظرني، لانني لم اجد وسيلة لمغادرة المسجد تتفق مع القواعد. فلكي اغادر المسجد عبر طريق جانبي، كان لا بد من ان امر افقيا من امام المصلين، وهذا هو "الحرام" بعينه.

هوفمان: خطب الجمعة في العالم الإسلامي تخاطب المشاعر أكثر من مخاطبتها للعقل
المفكر الألماني أحب أن أؤدي الصلاة بمفردي للتحكم في سرعة ايقاعها واكتشفت أنها تفيد في علاج أعراض التوتر المعاصر
يواصل المفكر الإسلامي الدكتور مراد هوفمان السفير الألماني السابق حديثه عن مسيرة رحلته الإيمانية إلى الإسلام. وفي هذه الحلقة يتوقف في محطات مهمة ليروي تفاصيل هذه الرحلة الإيمانية، مشيراً إلى حبه لأداء الصلاة بمفرده ليتسنى له التحكم في سرعة إيقاعها مع إقراره بفضل الجماعة والحرص علىها.
كما يروي لنا هنا قصة أدائها في جماعة إمامته للصلاة في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، عندما كان مشاركاً في الاحتفال السنوي لتجمع شمال الأطلسي الذي أقيم في تلك المدينة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1985، والمشاعر المضطربة التي انتابته في أول إمامة له لجماعة صغيرة من الأميركيين السود.
كما يتطرق هوفمان إلى خطب صلاة الجمعة في العالم العربي من خلال خبرته لسنوات طويلة، مشيراً إلى أنها للأسف لا تحقق ما كان يمكن أن تحققه، لأنها تخاطب المشاعر أكثر من مخاطبتها العقل.
فلنواصل معاً متابعة هذه الرحلة الإيمانية التي قادت هوفمان إلى الإسلام، دين الله رب العالمين.
استهل الدكتور مراد هوفمان حديثه عن حبه لأداء الصلاة بمفرده، حيث يقول: احب كثيرا ان اؤدي الصلاة بمفردي، حتى استطيع ان اتحكم في سرعة ايقاعها الذي يتسم عادة بالسرعة الى حد ما عند الصلاة في المسجد، بسبب مراعاة ظروف المرضى ومن يكونون على عجلة من امرهم، ومع ذلك، فان لصلاة الجماعة فضلا على الصلاة منفردا.
بعيدا عن المساجد التي لها امام محدد، يؤم الصلاة فيها، ينبغي قبل كل صلاة جماعة ان يختار في لحظتها من يومها، ويتمتع المضيف بالحق في ان يؤم الصلاة، ومع ذلك فاني احب بشدة ان افوض في امامتها واحدا من ضيوفي (مثل السفير السعودي، او رئيس حزب الاستقلال المحامي محمد بوستة، عندما نلتقي معا على مائدة الافطار في رمضان بمقر اقامتي في الرباط).
وذات مرة، اقتضت ظروف غريبة ان اصلي انا نفسي إماما، فعند وصولي الى سان فرانسيسكو في العاشر من اكتوبر (تشرين الاول) عام 1985، للمشاركة في الاحتفال السنوي لتجمع شمال الاطلسي، رحت ابحث في دفتر الهاتف وفي سجل الكنائس عن مسجد. وكنت موقنا انني سأجد في عاصمة المذاهب الاميركية جماعة اسلامية. وشد ما كانت دهشتي حينما قرأت: "المركز الاسلامي، 850 شارع ديفيزاديرو، تقام شعائر الصلاة يوميا في الساعة الثانية عشرة، وايام الأحد في الساعة الثالثة عشرة"، تماما كما هو معتاد في الكنائس التي لا تحدد مواعيد الصلاة بها تبعا لوضع الشمس كما هو الحال عند المسلمين. وعندما وصلت الى هناك، وجدت جماعة تتألف من ثلاثة اعضاء من السود. وانتظارا لارتفاع الاذان مناديا للصلاة راح شيخ اشيب الشعر، يضع على عينيه نظارة واسعة مائلة الى اسفل، يقرأ في نسخة عربية من القرآن واضعا الاصبع على السطور. وينضم الى الحاضرين عضو آخر من اعضاء الجماعة، انه يوسف سيمون.. شاب شيعي اسود يدرس العلوم السياسية، ولقد قابل دهشتي بالصمت، اذ لا بد من انه اعتاد ان يعاني التفرقة كأسود بين بيض، وكمسلم بين مسيحيين، وكشيعي بين سنة.
لم تفارقني الدهشة على الاطلاق، فها هو ذا المؤذن يؤذن للصلاة، ولكنه يبدأ بالاقامة قبل الاذان، ولأن بلالا اول مؤذن للاسلام بالمدينة المنورة كان اسود، فقد شعرت بحرج شديد في ان اصحح خليفته في سان فرانسيسكو. ولكني ما كنت لأستطيع الصمت ازاء كل هذه التطورات المتناقضة، فرحت اروي بحرص شديد انه سبق لي ان كنت في مكة، وانهم هناك يبدأون بالاذان ثم الاقامة.
ولم يدهشني رد الفعل لما قلت، بل اعتبرته رد فعل طبيعيا، اذ دعتني الجماعة الصغيرة على الفور للصلاة بها إماما، لانني "الاكثر علما" بين المسلمين الموجودين. ولم يؤثر في ذلك بأي حال كوني المانيا ابيض وانني جئتهم لاول مرة. وهكذا وجدت نفسي على غير انتظار في مواجهة القبلة. وتمنيت لو انها كانت، على الاقل، موجهة توجيها صحيحا نحو مكة، وصففت جماعتي الصغيرة جدا في صف مستقيم، ورفعت يدي مكبرا "الله اكبر". وان للمعرفة وحدها وزنا يعتد به. وهذا ما تؤكده ايضا واقعة اخرى، ففي ديسمبر (كانون الاول) عام 1982، أمّ صبي عربي في الخامسة عشرة من العمر، بفندق شيراتون المدينة، صلاة مجموعة من المعتمرين الباكستانيين الاميين. فيما يختص بصلاة الجمعة، التي تتألف بصفة اساسية من خطبتين قصيرتين ثم صلاة ركعتين، فانه لا بد لأدائها من الذهاب الى المسجد، وينهي الخطيب خطبته في العادة برفع يديه بالدعاء الى الله.
مخاطبة المشاعر لا العقل
وبناء على خبرتي لسنوات طويلة، لا تحقق هذه الخطب، للاسف، في العالم العربي ما كان يمكن ان تحققه، لانها تخاطب المشاعر اكثر من مخاطبتها للعقل. فهي تردد ما يؤمن به المؤمنون اكثر مما تعمقه. ويظهر ذلك في نبرة صوت الخطباء. فبعضهم يصرخ كما لو كان يستثير حماسة جيش لخوض معركة، وينبغي مع ذلك ان اقر، على الجانب الآخر، انه لا مجال في العالم الاسلامي للوعظ بأسلوب حديث، لانه لا يكاد يوجد به من يدعي الالحاد، فلماذا ينبغي على المرء اذن ان يدعم اسس ومبادئ العقيدة بحجج وبراهين عقلية ومعقدة، بدلا من ان يوظف تربويا ما يسود العالم الاسلامي من إيمان؟ (وهناك ايضا استثناءات ايجابية، فكما يتحمل بعض المسيحيين في ميونيخ مشقة الوصول عبر طرق اطول الى خطيب بعينه، كنت في فترة وجودي بالرباط اذهب حتى مشارف المدينة لأستمع الى إمام مسجد لالا "السيدة" سكينة، المثقف في خطبة صلاة الجمعة).
اثناء عملي الوظيفي، كان عليّ، تنفيذا لقاعدة بروتوكولية، ان اصلي صلاتيّ عيديّ الفطر والاضحى خلف قادة دول، مثل الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والملك الراحل الحسن الثاني ملك المغرب. وكان ذلك يجري امام عدسات كاميرات التلفزيون، وكنت في كل مرة المس الروح الديمقراطية التي تضفيها الصلاة الاسلامية حتى على مثل هذه الاجواء. فسجود ملك على الارض مرتديا جواربه امر جد مختلف عن خطو رئيس فرنسا في كاتدرائية ريمس نحو موضع جلوسه المميز.
يتسم حفظ النصوص العربية، التي تتلى اثناء الصلاة، ومن بينها مقاطع قصيرة او طويلة من سور القرآن، بالنسبة للبعض، بقدر من الصعوبة، يفوق ذلك الذي يتسم به تعلم كيفية اداء حركات الصلاة. ولقد ساءني الا استطيع ان احفظ جيدا النصوص العربية، مما جعلني اشبه بمساعد قس يفتقر الى المعرفة اللاتينية. ولذلك، قررت مثل المسلمين كافة، منذ الازل الى الابد، ان اتعلم من اللغة العربية ما يكفي على الاقل لفهم الصيغ النحوية واصول المتون. (ولقد استفدت كثيرا من هذه المعرفة الاولية، عندما عملت في ما بعد سفيرا في الجزائر). وكان اول ما تعلمته بطبيعة الحال هو سورة "الفاتحة"، اول سور القرآن وفاتحة الكتاب، وهي مكون رئيسي لكل ركعة، ومن ثم، فانها تتلى يوميا 17 مرة على اقل تقدير. وبعد الفاتحة تعلمت السور رقم 112، اي سورة الاخلاص، التي تعادل من حيث مضمونها، وفقا لما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثلث القرآن بأكمله، على الرغم من قصر آياتها الاربع: بسم الله الرحمن الرحيم "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد".
وتلا ذلك المعوذتان، وهما: سورة الفلق (رقم 113)، وسورة الناس (رقم 114)، ثم سور مكية اخرى قصيرة مثل سورة الفيل (رقم 105)، وسورة قريش (رقم 106)، وسورة الكافرون (رقم 109)، وسورة النصر (رقم 110)، وكذا الآيات من 1 الى 5 من اول سورة نزل بها الوحي، وهي سورة العلق رقم (96): بسم الله الرحمن الرحيم "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم". ولم اغامر بعد ذلك بمحاولة تعلم (حفظ) مقاطع اطول من القرآن مثل آية الكرسي (سورة 2 ـ آية 255)، وآية النور (سورة 24 ـ آية 35)، وكذا المقاطع الخاصة بأسماء الله الحسنى، اي صفات الله، (سورة 59 ـ الآيات 22 ـ 24 ـ 35)، الا بعد تقدمي المتنامي في المعارف العربية.
جوهر سلوك المسلمين
ان من يحلل نصوص الصلاة، يصل الى اليقين بأن جوهر الصلاة هو ذكر الله ودعاؤه. وهذا يتفق مع ارشاد القرآن الى ان اسمى واجبات الانسان: ان يهتدي بفضل قدراته الذهنية الى معرفة الله والتسبيح بحمده. وهذا هو جوهر سلوك المسلمين. فاذا سألت احدهم عن احواله، فلن يجيب: جيدة او سيئة، وانما سيقول: الحمد لله.
بعد الصلاة، يقوم المرء بشغف شديد بالتسبيح بحمد الله، مستخدما إما مسبحة مكونة من ثلاث وثلاثين او من تسع وتسعين حبة، واما اصابع يده مرددا في همس: "سبحان الله وبحمده" او "الشكر لله" و"الحمد لله"، و"الله اكبر"، ولعلنا نلاحظ انه ـ خلافا للمسيحية ـ تتعدد اشكال التسبيح والدعاء في الاسلام.
واذ كانت للدعاء مكانته الرئيسية، فان الانصراف عن الدعاء الى الله يصير نوعا من نقص الايمان، لان "الله قريب يجيب دعوة الداعي اذا دعاه". (انظر: سورة 2 آية: 186).
وكما انه ليس للدعاء صورة او قالب محدد، فليس له ايضا موقع او زمن محدد، ولا يشترط ان يكون باللغة العربية، وهو في حالته المثلى ذكر دائم لله. وهذا الذكر الدائم لله هو ما يجتهد فيه متصوفة المسلمين. ولقد قمت انا ماري شيميل بجمع قدر كبير من هذه الاذكار والادعية الاسلامية الجميلة.
ويرجع الى التصوف الاسلامي الفضل في تماسك وعدم تفكك الاذكار والادعية الاسلامية شكلا ومضمونا، بدءا من المتصوف الاندلسي ابن عربي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي وحتى فريثجوف شؤون في عصرنا الراهن. فلم يتحلل الصوفيون الاسلاميون الحقيقيون على الاطلاق من الشكليات المفروضة، وانما قاموا بعقلنتها. فها هو ذا شوؤن يقول في موضع آخر: "ان المسلم ـ وبصفة خاصة من يتبع السنة حتى في ادق واصغر تفريعاتها ـ يعيش في شبكة من الرموز..."، ومن يحمل هذا في قلبه لا يترك صلاته تتحول الى روتين. وسواء اديت الصلاة في مسجد شيعي في هامبورج، او في مسجد مبني بالطوب اللبن (الطوب الاخضر) وجذوع النخيل في واحة فيجيج شرق المغرب، او في المسجد الاموي في دمشق بفسيفسائه المبهرة، فان الصلاة واحدة، فقد تعلموها على يد معلم واحد (وهو ما حدث بالفعل). وهذا التوحد الشكلي يوفر الهدوء والطمأنينة اللازمين للتركيز التام.
علاج أعراض التوتر المعاصر
تنطوي الصلاة في الاسلام، بالاضافة الى جانبها الروحي، على بعد مادي ملموس، فضلا عن بعد سياسي محتمل. فالمرء يحتاج الى وقت طويل حتى يتعلم كيف يجلس على قدميه مسترخيا على ارض صلبة، دون ان يتعرض لتقلصات عضلية، مدركا ان وضع القدمين عاريتين في الوضع المناسب أيسر منه وهما داخل الجوارب. ولكن الجلوس على الارض دون حراك لساعات طويلة على نحو ما يفعله اخوتنا في الشرق امر لم يعد بمقدورنا ان نتعلمه في سن متقدمة.
ومن المؤكد، ان الصلاة في الاسلام تفيد في علاج اعراض التوتر المعاصر، الذي لا يحتاج الى وقت طويل لتحليل ومعرفة اسبابه. فالانسان المعاصر لا يعمل من حيث الكم، فيما يختص بالعمل العضلي بصفة خاصة، اكثر مما كان يعمل في ما مضى من الزمن، بل ان العكس هو الصحيح. اما الجديد، فهو السرعة التي تجري بها كل الاحداث وتجري بها كل الاعمال، بواسطة التلكس والفاكس والبريد الالكتروني والانترنت والبريد السريع ـ والتي ترهق المرء. فالناس يساورهم القلق من احتمال فقدان السيطرة على الامور ومداهمة المواعيد لهم، والخوف من الفشل، ويزيد تعاطي الخمور والتدخين والاقراص المخدرة والاقراص المنشطة الامر سوءا. ولقد ارتفعت تكاليف علاج انسداد الشرايين عند من يشغلون وظائف الادارة العليا، الى درجة انهم اصبحوا يرغمون على القيام باجازات اجبارية. وكذلك تتناول البرامج التدريبية لمديري شؤون العاملين التغذية الحيوية المرتدة، والتأمل الاستشرافي، وضرورة اكتشاف الفرد بنفسه لطقوس الشاي اليابانية كوسائل للتخلص من التوتر والقلق.
التحرر الداخلي
ومقولتي في المقابل، هي ان الصلاة الاسلامية تحقق كل هذا واكثر منه، اذ انها لا تساعد المؤمن على التوقف عن التفكير والاسترخاء فحسب، وانما تساعده ايضا على تحقيق تحرره الداخلي من سحر المال والجاه والمنصب. فبينما يجد الاميركي الذي يعيش تحت ضغوط مختلفة انه امام خيارين لا ثالث لهما: اما الحرب واما الهروب بالانتحار، يختار المسلم اختيارا ثالثا هو ان يفيض مع الاشياء، أي يتوكل المسلم على الله. فبفضل الصلاة الاسلامية لا يستطيع مسلم حقيقي ان يكون متوترا مؤرقا، ولا ان يكون مصدرا للتوتر والارق.
انني اعرف تماما عما اتحدث. فلقد كان بمقدوري ان اعرف كل العوامل التي تسبب الضغط والتوتر والارق من خلال عملي مديرا لقسم حلف شمال الأطلسي والدفاع في وزارة الخارجية الألمانية في الفترة من عام 1979 إلى عام 1983، ومن خلال عملي مديرا لادارة المعلومات الخاصة بخطر التهديدات بالعدوان في حلف شمال الاطلسي ببروكسل في الفترة من عامي 1983 ـ 1987.
ابتداء من عام 1980، لم اعد احمل معي في رحلات العمل سوى سجادة للصلاة وبوصلة (صنع تايوان)، لتحديد اتجاه القبلة، وان كنت على يقين بأن منشفة نظيفة تفي بالغرض، وان الله ليس غربيا ولا شرقيا، اذ (فأينما تولوا فثم وجه الله) (سورة البقرة: الآية 115). وراحت ايامي تتشكل اكثر فأكثر تبعا لمواقيت الصلاة، وليس ت

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ قصة إسلام مراد هوفمن

  • إسلام الوجه لله

    الشيخ مصطفي العدوي

     معشر الإخوة! لزاماً علينا أن نسلم وجوهنا لله، لا لشيء سواه في حال من الأحوال، ولذلك تضافرت نصوص الشرع توجهنا

    20/03/2013 4058
  • إذا عرضت لك مسألة

    أ.د. عمر المقبل

    إذا عرضت لك مسألة شرعية، فابحث عن مراد الله ورسوله منها، قبل أن تسأل: هل فيها خلاف؟ لأنه يوم القيامة سيتم هذا

    14/09/2019 68
  • إنك لا تهدي من أحببت

    محمد بن عبد الوهاب

    قول الله تعالى: ( إنك لا تهدي من أحببت ) (59) الآية. وفي (الصحيح) عن ابن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب

    18/04/2010 3393