لا تغتر بما تراه من العرَض الكثير

الشيخ / خالد بن عثمان السبت


لا تغتر بما تراه من العرَض الكثير هؤلاء لن يحملوا شيئاً منه في قبورهم و العمر أقصر من ذلك و لن يستطيع أن يأكل أكثر من غيره فالذي يملك عشرة ريالات يستطيع أن يشبع بالراحة و الذي يملك عشرة مليارات لا يستطيع أن يأكل أكثر منه.. لا يستطيع..


و انظر إلى حال كثير ممن أُعطي الغنى و اعتبر.. اعتبر بهم.. هذا الثوب الذي يلبسه ما الفرق بينه و بين ثوبك؟؟ قد يكون الثوب الذي تلبسه أفضل منه انظر إلى هذه العمامة التي تلبسها و انظر إلى كثير من الأغنياء قد تكون هذه العمامة التي تلبسها أفضل منها و قد لا يكون لك من الدخل أكثر من ألف ريال في الشهر فأنت في عافية و في نظافة و في ثياب لائقة و لم تبت ليلة و أنت جائع فكأنما حيزت لك الدنيا ماذا تريد أكثر من هذا..


الفرق بينك و بين هذا أن هذا يشقى بجمعها و يحاسب عليها يصيبه ما يصيبه من الهموم و الألآم و النكد في التفكير في حفظها و لذلك تجد من لا يملك من العرَض إلا القليل تجده في راحة.. راحة قلب.. الذي يملك العرض الكثير إذا سمع أن الاقتصاد قد يهتز.. أن أموراً قد تقع.. بدأ يفكر.. هل يحول هذه الكنوز إلى ذهب ( سبائك ) أو يحولها إلى دولارات أو يحولها إلى عملة أوروبية ( اليورو ) أو يحولها إلى ( ين ) و يأتيه من يشير إليه بعض الحذاق في زعمهم يقول اجعل بعضها في كذا و اجعل بعضها في كذا و اجعل بعضها في كذا و اجعل بعضها في كذا لا تجعل البيض في سلة واحدة


بينما الآخر ينام قرير العين لا يعاني و لا يفكر في هذه الأمور و لا تخطر في باله إطلاقاً..(و ش يحول؟) يحول ثلاثة ألاف إلى ين أو إلى سبائك ذهب؟؟ هي ما تأتي له بقلادة فهو مرتاح ففكر في هذه الراحة.. فكر في هذا.


 و الأمور التي يمكن أن يفكر فيها الإنسان أكثر من ذلك.. العاقل يفكر في كل شيء.. انظر إذا مررت بمزرعة بأرض فيها نخل خاوية.. كم بذل أهلها في زرعها؟ و كم خططوا لذلك و كم سقوها من الماء.. و كم تعب صاحبها.. و كم تحدث مسروراً عنها و عن عددها و أخبر الناس بذلك.. ثم هي الآن خاوية على عروشها مجرد أعجاز لا رؤوس لها و لا ثمر.. تصرمت و انتهت و انقضت.. هذه حياة الإنسان التي لربما يغتر بها و يعجب بها ثم بعد ذلك يفارق ذلك كله..


 إذا نازعتك الشهوات و دعت النفس إلى معصية الله عز و جل.. فكر.. فكر في مفاسد هذه المعصية الدنيوية ما تجره عليك من الألآم و الأوجاع و العلل أياً كانت هذهالمعصية.. فكر فيها.. و فكر أيضاً فيما تجره عليك في الآخرة و فكر أيضاً أن الله ينظر إليك فلا تجعل ربك جل جلاله أهون الناظرين عليك أحياناً الإنسان يُحرج و يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس فيستخفي منهم لكنه في الواقع لا يستحي من الله عز و جل و لا يستتر منه.


إذا جذبتك امرأة و فتنت بها فكر في الأمور التي تقززك و تنفرك منها.. الأمور المستقذرة التي هي من طبيعة الإنسان ففي رأسه فقط خمس.. خمس من الأمور التي يصدر منها القذر.. في الرأس فقط الذي هو أشرف الأعضاء فضلاً عن غيره.. فكر في هذا.. لو جئنا بملكة جمال العالم قبل سبعين سنة أو ثمانين سنة من يتوق إليها و من يتزوجها لو دفعت هي إليه المهر؟ من؟! هذه كان يعجب فيها ملايين الناس في مشارق الأرض و مغاربها فالتي توجد الآن أيها الإخوان بعد مضي السنون لا يلتفت إليها أحد..


هذه حقيقة الدنيا ففتح عقلك و فكر و تبصر و لا تكن من الغافلين هذا التفكير بدلاً من أن تشغله بمعصية الله عز و جل و التفكير في ذلك مما يستثير النفس و يستفزها لفعل ذلك أشغل هذا التفكير في النظر في آيات الله الكونية و آياته المتلوة فإن التفكير إن لم يُشغل بهذه الأمور فإنه يشغل صاحبه في الأمور الضارة و العقل لا يتوقف.. دائم الجولان و الحركة


ما قيل للفؤاد فؤاد إلا لتفؤده يعني لتوقده فهو دائم الفكر  الخواطر و الإرادات.. حركته دائبة.. يمكن للإنسان أن يغمض عينه لكن لا يستطيع أن يسيطر على قلبه.. يمكن للإنسان أن يسد سمعه لكن لا يستطيع أن يسيطر على قلبه..لابد أن يتحرك هذا القلب فأشغله بالأمور النافعة لئلا يشغله الشيطان بالوساوس و الخواطر الرديئة


فكر في الدنيا إذا دعتك النفس إلى معصية الله عز و جل و سرعة زوالها و انقضائها و انصرام لذاتها و شهواتها..و تذكر ما عند الله عز و جل من العوض و النعيم المقيم الدائم فكيف تقدم شيئاً زائلاً.. سريعاً عاجلاً يفنى على شيء أبدي ثابت لا يزول و لا يحول فلا أحد أيها الإخوان كما يقول ابن القيم رحمه الله يقدم هذا العاجل الزائل على الدائم إلا ساقط الهمة الدنيء المروءة ميت القلب و هذا تكون حسرته عظيمة إذا عاين الحقائق فإنه يقدم على الله عز و جل إقدام المفاليس و هذا من أوضح صور الغبن الداخلة تحت قول الله عز و جل

( ذلك يوم التغابن )

كل إنسان عنده رأس مال و هو هذه الأنفاس.. الدقائق و الثواني.. العمر فهذا جد و اجتهد و صرف رأس هذا المال في الأمور التي تبعده عن الله عز و جل و تورثه النار.. بذل الأموال و الجهود و الأفكار في تحصيل منزل في نار جهنم و الآخر بذل أنفاسه و نفسه و ماله في تحصيل منزل في الجنة ثم بعد ذلك يقدم هذا و هذا في يوم القيامة.. هذا قد اشترى منزلاً في النار و جد و اجتهد في تحصيله و هذا قد اشترى منزلاً في الجنة و جد و اجتهد في تحصيله فهذا يوم التغابن و أهل الجنة يتوارثون منازل أهل النار في الجنة و أهل النار يتوارثون منازل أهل الجنة في النار ذلك من أعظم الغبن.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ لا تغتر بما تراه من العرَض الكثير

  • لا تغتر بحسناتك !

    عبد العزيز الطريفي

    طاعة الإنسان يجب أن لا تُغفله عن سيئاته ، فمن كيد إبليس أن يُكثر عرض حسناته عليه ليغتر و ينسيه سيئاته ليأمن ، و

    26/11/2018 196
  • فكر ماذا يتمنى هؤلاء الذين في القبور

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    إذا ذهبت إلى المقبرة.. فكر ماذا يتمنى هؤلاء الذين في القبور.. لو سئل أحدهم ماذا تريد؟ ماذا تتمنى؟ فماذا عسى أن

    17/07/2018 327
  • ثالثاً - الإحسان

    فريق عمل الموقع

      ثالثاً - الإحسان: وهو أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهو أعلى مراتب الدين

    13/08/2011 2310