للهُ أَشدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلته

فريق عمل الموقع

 

 
قالوا: وأيضاً فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "للهُ أَشدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلته"، قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهى مركبه الذى يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه. ثم إنه عدمها فى أرض دوّية لا أَنيس بها ولا معين ولا من يأْوى له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماءَ بها ولا طعام، فلما أَيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه، فأَى فرحة تعدل فرحة هذا؟ ولو كان فى الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبى صلى الله عليه وسلم، ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاءُ، فإِن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادى الخفا وهو وادى المحرّفين للكلم عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل.
 
 
مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به أَنْ يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأُمة فى أودية التأْويلات شعاب الاحتمالات والتجويزات، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأْويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجى. والحمد لله رب العالمين.
 
 
فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادى الذى ذممته فنسلك فيه، أو من طريق يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم، بحمد الله [الطريق واضحة المنار بينة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين] فإن هذه العقدة هى أصل بلاء الناس، فمن حلها فما بعدها أيسر منها، ومن هلك بها فما بعدها أشد منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث، فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم فى المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقاً فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرد فى ظنه عن ذلك اللازم، وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض، وردها كلها إلى الإرادة، فإنه فهم فرحاً مستلزماً لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه، وكذلك فهم غضباً هو غليان دم القلب طلباً للانتقام، وكذلك فهم محبة ورضى [وكرهة] ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين [فإن] ذلك هو السابق إلى فهمه، وهو المشهود فى علمه الذى لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره.
 
 
 
ولما كان [ذلك] هو السابق إلى فهمه لم يجد بداً من نفيه عن الخالق، والصفة لم تتجرد فى عقله عن هذا اللازم فلم يجد بداً من نفيها.
ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البين، وهو إثبات كثير من الصفات، ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق- كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإِن كان إثبات تلك الصفات التى نفاها يستلزم [المحذور] الذى فرّ منه فكيف لم يتسلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذوراً فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه؟ وهل فى التناقض أعجب من هذا؟
والمسلك الثانى: [مسلك النفى العام والتعطيل المحض هرباً من التناقض والتزاماً] لأعظم الباطل وأمحل المحال، فإذا الحق المحض فى الإثبات المحض الذى أثبته الله لنفسه فى كلامه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تبديل ومنشأ غلط المحرّفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة فى المحل المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله، فيضطرون فى نفيه إلى نفى الصفة، ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هى، فهذا لا يجب- بل لا يجوز- نفيه، كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر فلا يجوز نفى هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها، وكذلك الإرادة [مثلاً] تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفى لازمها عنها، وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفى لوازمها، وكذلك كون المرئى مرئياً حقيقة له لوازم لا ينفك عنها ولا سبيل إلى نفى تلك اللوازم إلا بنفى الرؤية، وكذلك الفعل الاختيارى له لوازم لا بد فيه منها، فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختيارى ولا بد.
 
 
 
ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضاً واضطراباً فإنهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء وينفون لازمه، فتتناقض أقوالهم وأدلتهم، ويقع السالك خلفهم فى الحيرة والشك.
ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة، حاشى من هو فى خفارة  بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحى عليها فنقدها نقد الصيارف فنفى [زغلها]، وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد تولت النصوص بيانه، وإما أن يكون فيها غنية عنه بما هو خير منه وأقرب طريقاً وأسهل تناولاً، ولا يستفيد المؤمن- البصير بما جاء به الرسول العارف به- من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضاً ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضاً، فيتولى بعضهم محاربة بعض ويسلم ما جاء به الرسول.
 
 
 
 
فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول يناقضه ويعارضه [ويضاده] فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبداً، ولا يقع ردهم إلا على آراءِ أمثالهم وأشباههم. وأما [ما] جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه فإن وجدت شيئاً من ذلك فى كلامهم فبدار بدار إلى إِبداء فضائحهم وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيين كذبهم على العقل والوحى، فإنهم لا يردون شيئاً مما جاءَ به الرسول إلا بزخرف من القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان، فاكشفه ولا تهن، تجده كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءَه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، ولولا أَن كل مسائل القوم وشبههم التى خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإِيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتاباً مفرداً، وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه ونور ضريحه] هذا المقصد فى عامة كتبه، لا سيما كتابه الذى وسمه ببيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، فمزق فيه شملهم كل ممزق، وكشف [فيه] أسرارهم وهتك أَستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأَهله من أفضل الجزاء.
السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ للهُ أَشدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلته