مئة خُـلق في الطريق إلى الله _ الأصل الذي شرحه ابن القيم في المدارج 4

فريق عمل الموقع

 

 

[75] باب السر

قال الله عز وجل الله أعلم بما في أنفسهم أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر وهم ثلاث طبقات على ثلاث درجات الطبقة الأولى طائفة علت هممهم وصفت قصودهم وصح سلوكهم ولم يوقف لهم على رسم ولم ينسبوا إلى اسم ولم تشر إليهم الأصابع أولئك ذخائر الله عز وجل حيث كانوا والطبقة الثانية طائفة أشاروا عن منزل وهم في غيره ووروا بأمر وهم لغيره ونادوا على شأن وهم على غيره بين غيره عليهم تسترهم وأدب فيهم يصونهم وظرف يهذبهم والطبقة الثالثة طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه وهيمهم عن شهود ما هم له وضن بحالهم على علمهم معرفة ما هم به فاستسروا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم من قصد صادق يهيجه غيب وحب صادق يخفى عليهم علمه ووجد غريب لا ينكشف لهم موقده وهذا من أرق مقامات أهل الولاية

 

 

[76] باب النفس

قال الله عز وجل فلما أفاق قال سبحانك يسمى النفس نفسا لتروح المتنفس به وهو على ثلاث درجات وهي تشابه درجات الوقت والأنفاس ثلاثة النفس الأول نفس في حين استتار مملوء من الكظم معلق بالعلم إن تنفس تنفس نفس المتأسف وإن نطق نطق بالحرب وعندي هو يتولد من وحشة الاستتار وهي الظلمة التي قالوا إنها مقام والنفس الثاني نفس في حين التجلي وهو نفس شاخص عن مقام السرور إلى روح المعاينة مملوء من نور الوجود شاخص إلى منقطع الإشارة والنفس الثالث نفس مطهر بماء القدس قائم بإشارات الأزل وهو النفس الذي يسمى صدف النور فالنفس الأول للغيور سراج والنفس الثاني للقاصد معراج والنفس الثالث للمحقق تاج

 

 

[77] باب الغربة

قال الله عز وجل فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم الاغتراب اسم يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى الغربة عن الأوطان وهذا الغريب موته شهادة ويقاس له في قبره من متوفاه إلى وطنه ويجمع يوم القيامة إلى عيسى بن مريم عليه السلام والدرجة الثانية غربة الحال وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم وهو رجل صالح في زمان فاسد بين قوم فاسدين أو عالم بين قوم جاهلين أو صديق بين قوم منافقين والدرجة الثالثة غربة الهمة وهي غربة طلب الحق وهي غربة العارف لأن العارف في شاهده غريب ومصحوبه في شاهده غريب وموجوده فيما يحمله علم أو يظهره وجد أو يقوم به رسم أو تطيقه إشارة أو يشمله اسم غريب فغربة العارف غربة الغربة لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة

 

 

[78] باب الغرق

قال الله عز وجل فلما أسلما وتله للجبين هذا اسم يشار به في هذا الباب إلى من توسط المقام وجاوز حد التفرق وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى استغراق العلم في عين الحال وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة وتحقق في الإشارة فاستحق صحة النسبة والدرجة الثانية استغراق الإشارة في الكشف وهذا رجل ينطق عن موجوده ويسير مع مشهوده ولا يحس برعونة رسمه والدرجة الثالثة استغراق الشواهد في الجمع وهذا رجل شملته أنوار الأولية وفتح عينه في مطالعة الأزلية فتخلص من الهمم الدنية

 

 

[79] باب الغيبة

قال الله عز وجل وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف الغيبة التي يشار بها في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى غيبة المريد في مخلص القصد عن أيدي العلائق ودرك العوائق لالتماس الحقائق والدرجة الثانية غيبة السالك عن رسوم العلم وعلل السعي ورخص الفتور والدرجة الثالثة غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد والدرجات في حصن الجمع

 

 

[80] باب التمكن

قال الله عز وجل ولا يستخفنك الذين لا يوقنون التمكن فوق الطمأنينة وهو إشارة إلى غاية الاستقرار وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى تمكن المريد وهو أن تجتمع له صحة قصد تسيره ولمع شهود يحمله وسعة طريق تروحه والدرجة الثانية تمكن السالك وهو أن تجتمع له صحة انقطاع وبرق كشق وصفاء حال والدرجة الثالثة تمكن العارف وهو أن يحصل في الحضرة فوق حجب الطلب لابسا نور الوجود قسم الحقائق وأما قسم الحقائق فهو عشرة أبواب وهي المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة والقبض والبسط والسكر والصحو والاتصال والانفصال

 

 

[81] باب المكاشفة

قال الله عز وجل فأوحى إلى عبده ما أوحى المكاشفة مهاداة السر بين متباطنين وهي في هذا الباب بلوغ ما وراء الحجاب وجودا وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح وهي أن تكون مستديمة فإذا كانت حينا دون حين لم يعارضه تفرق غير ان الغين ربما شاب مقامه على انه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع ولا يلويه سبب ولا يقتطعه حظ وهي درجة القاصد فإذا استدامت فهي الدرجة الثانية واما الدرجة الثالثة فمكاشفة عين لا مكاشفة علم ولا مكاشفة حال وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير الى التذاذ أو تلجئ الى توقف أو تنزل على ترسم وغاية هذه المكاشفة المشاهدة

 

 

[82] باب المشاهدة

قال الله عز وجل إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد المشاهدة سقوط الحجاب بتا وهي فوق المكاشفة لأن المكاشفة ولاية النعت وفيه شيء من بقاء الرسم والمشاهدة ولاية العين والذات وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى مشاهدة معرفة تجري فوق حدود العلم في لوائح نور الوجود منيخة بفناء الجمع والدرجة الثانية مشاهدة معاينة تقطع حبال الشواهد وتلبس نعوت القدس وتخرس ألسنة الإشارات والدرجة الثالثة مشاهدة جمع تجذب إلى عين الجمع مالكة لصحة الورود راكبة بحر الوجود

 

 

[83] باب المعاينة

قال الله عز وجل ألم تر إلى ربك كيف مد الظل المعاينات ثلاث إحداها معاينة الأبصار والثانية معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته علما يقطع الريبة ولا تشوبه حيرة وهذه معاينة بشواهد العلم والمعاينة الثالثة معاينة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتناغي سناء الحضرة وتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة

 

 

 

[84] باب الحياة

قال الله عز وجل أو من كان ميتا فأحييناه اسم الحياة في هذا الباب يشار به إلى ثلاثة أشياء الحياة الأولى حياة العلم من موت الجهل لها ثلاثة أنفاس نفس الخوف ونفس الرجاء ونفس المحبة والحياة الثانية حياة الجمع من موت التفرقة لها ثلاثة أنفاس نفس الاضطرار ونفس الافتقار ونفس الافتخار والحياة الثالثة حياة الوجود وهي حياة بالحق لها ثلاثة أنفاس نفس الهيبة وهو يميت الاعتلال ونفس الوجود وهو يمنع الانفصال ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال وليس وراء ذلك ملحظ للنظارة ولا طاقة للإشارة

 

 

 

[85] باب القبض

قال الله عز وجل ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا القبض في هذا الباب اسم يشار به إلى مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه وهم ثلاث فرق فرقة قبضهم إليه قبض التوفي فضن بهم على أعين العالمين وفرقة بضهم بسترهم في لباس التلبيس وأسبل عليهم أكلة الرسوم فأخفاهم عن عيون العالم وفرقة قبضهم منهم إليه فصافاهم مصافاة سر فضن بهم عليهم

 

 

 

[86] باب البسط

قال الله عز وجل يذرؤكم فيه البسط أن ترسل شواهد العبد في مدارج العلم ويسبل على باطنه رداء الاختصاص وهم أهل التلبيس وإنما بسطوا في ميدان البسط لأحد ثلاثة معان لكل معنى طائفة فطائفة بسطت رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم فيستضئون بنورهم والحقائق مجموعة والسرائر مصونة وطائفة بسطت لقوة معانيهم وتصميم مناظرهم لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم فهم منبسطون في قبضة القبض وطائفة بسطت أعلاما على الطريق وأئمة للهدى ومصابيح للسالكين

 

 

 

[87] باب السكر

قال الله عز وجل قال رب أرني انظر إليك السكر في هذا الباب اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب وهذا من مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه وللسكر ثلاث علامات الضيق عن الاشتغال بالخبر والعظيم قائم واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم والغرق في بحر السرور والصبر هائم وما سوى ذلك فحيرة تنحل اسم السكر جهلا أو هيمان يسمى باسمه جورا وما سوى ذلك فكله نقائص البصائر كسكر الحرص وسكر الجهل وسكر الشهوة

 

 

[88] باب الصحو

قال الله عز وجل حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق الصحو فوق السكر وهو يناسب مقام البسط والصحو مقام صاعد عن الانتظار مغن عن الطلب طاهر من الحرج فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق وكل ما كان في عين الحق لم يخل من حيرة لا حيرة الشبهة بل الحيرة في مشاهدة نور العزة وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم يخف عليه من نقيصه ولم تتعاوره علة والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود

 

 

 

[89] باب الاتصال

قال الله عز وجل ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى أيأس العقول فقطع البحث بقوله أو أدنى وللاتصال ثلاث درجات الدرجة الأولى اتصال الاعتصام ثم اتصال الشهود ثم اتصال الوجود فاتصال الاعتصام تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم تحقيق الحال والدرجة الثانية اتصال الشهود وهو الخلاص من الاعتلال والغنى عن الاستدلال وسقوط شتات الأسرار والدرجة الثالثة اتصال الوجود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار

 

 

 

[90] باب الانفصال

قال الله عز وجل ويحذركم الله نفسه ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال ووجوهه ثلاثة أحدها انفصال هو شرط الاتصال وهو الانفصال عن الكونين بانفصال إليهما وانفصال توقفك عليهما وانفصال مبالاتك بهما والثاني انفصال عن رؤية الانفصال الذي ذكرناه وهو أن لا يتزنا عندك في شهود التحقيق شيئا يوصل بالانفصال منهما إلى شيء والثالث انفصال عن الاتصال وهو انفصال من شهود مزاحمة الاتصال عين السبق فإن الانفصال والاتصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة سيان قسم النهايات وأما قسم النهايات فهو عشرة أبواب وهي المعرفة والفناء والبقاء والتحقيق والتلبيس والوجود والتجريد والتفريد والجمع والتوحيد

 

 

 

[91] باب المعرفة

قال الله عز وجل وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو وهي على ثلاث درجات والخلق فيها ثلاث فرق الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت وقد وردت أساميها بالرسالة وظهرت شواهدها في الصنعة بتبصير النور القائم في السر وطيب حياة العقل لزرع الفكر وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها وهي على ثلاثة أركان أحدها إثبات الصفة باسمها من غير تشبيه ونفى التشبيه عنها من غير تعطيل والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها والدرجة الثانية معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات وهي تنبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء وتستكمل بعلم البقاء وتشارف عين الجمع وهي على ثلاثة أركان إرسال الصفات على الشواهد وإرسال الوسائط على المدارج وإرسال العبارات على المعالم وهي معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة والدرجة الثالثة معرفة مستغرقة في محض التعريف لا يوصل إليها الاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة وهي على ثلاثة اركان مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع وهي معرفة خاصة الخاصة

 

 

 

[92] باب الفناء

قال الله عز وجل كل من عليها فان ويبقى وجه ربك الفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا والدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه والدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء

 

 

[93] باب البقاء

قال الله عز وجل والله خير وأبقى البقاء اسم لما بقي قائما بعد فناء الشواهد وسقوطها وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا

 

 

 

[94] باب التحقيق

قال الله عز وجل أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي التحقيق تلخيص مصحوبك من الحق ثم الحق ثم في الحق وهذه أسماء درجاته الثلاث أما درجة تلخيص مصحوبك من الحق فأن لا يخالج علمك علمه وأما الدرجة الثانية فأن لا ينازع شهودك شهوده وأما الدرجة الثالثة فإن لا يناسم رسمك سبقة فتسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات

 

 

[95] باب التلبيس

قال الله عز وجل وللبسنا عليهم ما يلبسون التلبيس تورية بشاهد معار عن موجود قائم وهو اسم لثلاثة معان أولها تلبيس الحق بالكون على أهل التفرقة وهو تعليقه الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين وتعليقه المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل والانتقام بالجنايات والمثوبة بالطاعات فأخفى الرضى والسخط اللذين يوجبان الوصل والفصل ويظهران السعادة والشقاوة والتلبيس الثاني تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها وعلى الكرامات بكتمانها والتلبيس بالمكاسب والأسباب وتعليق الظاهر بالشواهد والمكاسب تلبيسا على العيون الكليلة والعقول العليلة مع تصحيح التحقيق عقدا وسلوكا ومعاينة وهذه الطائفة رحمة من الله عز وجل على أهل التفرقة والأسباب في ملابستهم والتلبيس الثالث تلبيس أهل التمكن على العالم ترحما عليهم بملابسة الأسباب توسيعا على العالم لا لأنفسهم وهذه درجة الأنبياء ثم هي للأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع المشيرين عن عينه

 

 

[96] باب الوجود

أطلق الله عز وجل في القرآن اسم الوجود صريحا في مواضع فقال يجد الله غفورا رحيما لوجدوا الله توابا رحيما ووجد الله عنده الوجود اسم للظفر بحقيقة الشيء وهو اسم لثلاثة معان أولها وجود علم لدني يقطع علوم الشواهد في صحة مكاشفة الحق إياك والثاني وجود الحق وجود عين مقتطعا عن مساغ الإشارة والثالث وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأولية

 

 

[97] باب التجريد

قال الله عز وجل فاخلع نعليك التجريد انخلاع عن شهود الشواهد وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى تجريد عين الكشف عن كسب اليقين والدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم والدرجة الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد

 

 

[98] باب التفريد

قال الله عز وجل ويعلمون أن الله هو الحق المبين التفريد اسم لتخليص الإشارة إلى الحق ثم الحق ثم عن الحق فأما تفريد الإشارة إلى الحق فعلى ثلاث درجات تفريد القصد عطشا ثم تفريد المحبة تلفا ثم تفريد الشهود اتصالا وأما تفريد الإشارة بالحق فعلى ثلاث درجات تفريد الإشارة بالافتخار بوحا وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة وتفريد الإشارة بالقبض غيرة وأما تفريد الإشارة عن الحق فانبساط ببسط ظاهر يتضمن قبضا خالصا للهداية إلى الحق والدعوة إليه

 

 

[99] باب الجمع

قال الله عز وجل وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الجمع ما اسقط التفرقة وقطع الإشارة وشخص عن الماء والطين بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين والخلاص من شهود الثنوية والتنافي من إحساس الاعتلال والتنافي من شهود شهودها وهو على ثلاث درجات جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين فأما جمع العلم فهو تلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا فأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا فأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد

 

 

[100] باب التوحيد

قال الله عز وجل شهد الله أنه لا إله إلا هو التوحيد تنزيه الله تعالى عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب العلل والتوحيد على ثلاثة وجوه الوجه الأول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد والوجه الثاني توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم وعليه نصبت القبلة وبه وجبت الذمة وبه حقنت الدماء والأموال وانفصلت دار الإسلام من دار الكفر وصحت به الملة للعامة وإن لم يقوموا بحق الاستدلال بعد أن سلموا من الشبهة والحيرة والريبة بصدق شهادة صححها قبول القلب هذا توحيد العامة الذي يصح بالشواهد والشواهد هي الرسالة والصنائع يجب بالسمع ويوجد بتبصير الحق وينمو على مشاهدة الشواهد وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق بالشواهد وهو أن لا تشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا للنجاة وسيلة فتكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخافة إياها في رسومها وتحقق معرفة العلل وتسلك سبيل إسقاط الحدث هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه بقدره وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه والذي يشار به غليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا باسقاطها هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق وإن زخرفوا له نعوتا وفصلوه فصولا فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاء والصفة نفورا والبسط صعوبة وإلى هذا التوحيد شخص أهل الرياضة وأرباب الأحوال وله قصد أهل التعظيم وإياه عني المتكلمون في عين الجمع وعليه تصطلم الإشارات ثم لم ينطق عنه لسان ولم تشر إليه عبارة فإن التوحيد وراء ما يشير إليه مكون أو يتعاطاه حين أو يقله سبب وقد أجبت في سالف الزمان سائلا سألني عن توحيد الصوفية بهذه القوافي الثلاث

 

ما وحد الواحد من واحد***إذ كل من وحده جاحد

توحيد من ينطق عن نعته ***عارية أبطلها الواحد

توحيده إياه توحيده ***ونعت من ينعته لاحد
  

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ مئة خُـلق في الطريق إلى الله _ الأصل الذي شرحه ابن القيم في المدارج 4