مقارنة بين أنف الإنسان و الأنف الإلكتروني

هارون يحي
المقال مترجم الى : English Deutsch

 

أولا وقبل كل شيء يجب التذكير بأن العلماء قد بينوا بأن قدرة الأنف على الإحساس بالروائح لا مثيل لها108. وذهب بعض العلماء أبعد من ذلك في قولهم باستحالة استخدام الأنف الإلكتروني كبديل كامل عن الأنف الطبيعي. ويؤيد أ.ج ستايبليس الخبير في تقنية المتحسسات الإلكترونية هذا الرأي 109.وهناك باحث آخر وهو البروفسور جميس هاربر يقول بأن الأنف الإلكتروني لا يمكن أن يكون بديلا كاملا عن الأنف الطبيعي بل يكون مساعدا أو متمما له فقط110. ويمكن التعبير عن هذا الأمر بالشكل الآتي: لا يمكن لجهاز تصوير فوتوغرافي أو جهاز تصوير تلفزيوني أن يحلّ محل العين الطبيعية أبدا، ولكن يمكن اعتبارهما عنصرا دعم لها. وعلى المنوال نفسه يمكن إجراء علاقة بين الأنف الطبيعي والأنف الإلكتروني.

ويقول جورج آلديريك خبير الروائح والشم في وكالة ناسا ضمن مقال كتبه في مجلة نيوساينتست الصدارة بتاريخ 23 يونيو سنة 2001 إنه لا وجود لأي شيء يستطيع أن يحل محل أنف الإنسان، وتم توجيه سؤال إلى هذا الخبير عن السبب الذي حدا بوكالة ناسا إلى الامتناع عن استخدام الأجهزة الإلكترونية خلال الاختبارات التي أجريت عن الشم والروائح، فكان جوابه كالآتي:

"حسب رأيي إنّها (أي الأنوف الإلكترونية) لا تستطيع حتى الاقتراب من حدود إنجازات الأنف الطبيعي للإنسان، ولا يوجد شيء أفضل من أنف الإنسان"111.

ولندع هذه الحقيقة جانبا كي نعود إليها مرة أخرى لاحقا، ولنجر مقارنة بين الأنف الطبيعي والأنف الإلكترونين ولا شك أننا سنتوصل إلى الفرق الشاسع بين قدرة الأنف الطبيعي المذهلة وتاقدرة المحدودة جدا للأنف الإلكتروني من خلال الفوارق التالية:

1- يستطيع الأنف الإلكتروني تمييز عدد محدود من الروائح بينما يستطيع الأنف الطبيعي تمييز آلاف الأنواع المختلفة من الروائح.

2- يتميز الأنف الإلكتروني المدعوم بالحاسب الإلكترونيب بأن له حجما كبيرا مقارنة بحجم أنف الإنسان ومخه، فضلا عن كونه جهازا في حاجة إلى صيانة وهو شديد الحساسية. والإشكال الكبير في مثل هذه الأجهزة يتمثل في قصر عمر المتحسسات الموجودة فيها112، أما أنوفنا الطبيعية فعمرها بقدر عمر الإنسان ولا تحتاج إلى أية صيانة.

3- يصل سعر جهاز الأنف الإلكتروني الواحد إلى 100000 دولار أمركي (أو140 مليار ليرة تركية).113

4- إن الإحساس بالرائحة لدى الإنسان يتم خلال فترة أقل من الثانية الواحدة بكثير، أما إحساس الأنف الإلكتروني بالروائح فيتراوح بين بضعة ثوان وبين دقائق عديدة114.

5- إن الأنف الإلكتروني يعتمد بدرجة رئيسية على الحدود التي تعمل ضمنها المتحسسات وكذلك على كيفية برمجة الحاسب الآلي المناط به معالجة المعطيات، وأثبتت الأبحاث أنّ التراكيز العالية لبخار الماء والكحول وثاني أوكسيد الكاربون وحامض الأستيك (رائحة الخل) تؤدي إلى تقليل حساسية هذه الأجهزة الإلكترونية115. ومن جانب آخر يتطلب الأنف الإلكتروني برمجة دقيقة جدا من قبل خبراء الروائح وإلا أدت بعض الروائح إلى نتائج خاطئة أو غير ثابتة.

6- يجب أن لا ننسى أن جهازا يتألف من حاسب آلي ومتحسسات صناعية لا يستطيع مسائلة نفسه منطقيا، ولكن الإنسان يكتسب هذه المهارة ذاتيا منذ الطفولة، فعلى سبيل المثال يستطيع الطفل الرضيع المولود توا أن يتعرف على أمه عن طريق استخدام حاسة الشم، ويستطيعع تمييز الروائح المختلفة بعد يومين من ولادته116.

7- وبإيجاز عجزت أرقى التقنيات الحديثة عن صنع جهاز يعادل تماما أنف الإنسان الطبيعي، ويعكس هذا الأمر مدى التصميم المذهل والبناء المعجز الذي تتميز به أنوفنا. وهذه الحقيقة يعلمها جيدا الباحثون والخبراء في مجال صنع الأنوف الإلكترونية أكثر من علم باقي الناس. والجهاز الشمي لدى الإنسان موجود في الجسم منذ وجد الإنسان على وجه البسيطة، ومنذ تلك اللحظة وهو يعمل بكل كفاءة وفاعلية. وهذا الجهاز الذي نتحدث عنه يتميز بدرجة من التعقيد كبيرة جدا، ولا تزال معظم مراحلها سواء كانت بكيفية عمل المستقبلات الشمية أو كيفية تأويل المخ للروائح في عالم المجهول.

والمعلومات المتوفرة علميا عن حاسة الشم أقل بكثير مما هو متوفر عن حاسة السمع والبصر و اللمس117. وما دام الأمر كذلك فإن صنع جهاز إلكتروني يحل محل الأنف الطبيعي لا يزال خيالا بعيد المنال.

ويتضح مما تقدم أن الأبحاث جارية على قدم وساق ولا بد أن تؤدي إلى صنع أجهزة أنف إلكتترونية أكثر تطورا، ولكن هذا التطور التقني لا يغير من الحقيقة التالية شيئا: لا يمكن ظهور أنف إلكتروني بالمصادفة، وهذا الجهاز هو نتيجة لتخطيط وتصميم وبرمجة مسبقة. والشيء نفسه يقال يشأن الأنف الطبيعي وحاسة الشم. اللذين يعتبران أرقى بكثير من الأنف الإلكتروني، فهما لم يظهرا بمحض المصادفة أو من تلقاء أنفسها بل ظهرا بقدرة الله الذي وسع كل شيء رحمة وعلما والذي جعلهما نعمة مسخرة للإنسان وباقي الحيوانات.

ونتيجة لما أوردنا من حقائق يمكن القول بأن: كلّ تطور علمي أو كشف علمي يتم التوصل إليه بشأن جسم الإنسان وحاسة الشم يعتبر مسمارا في نعش أفكار دعاة التطور، أولئك الذين بتشبثون بتلك الأفكار تشبثا أعمى، ويعتبر أيضا وسيلة تقودنا إلى التفكر في ملكوت الله تعالى وقدرته اللامتناهية في إبداع الأشياء. وهذا التفكر يقود المؤمنين بقدرة الله تعالى إلى المزيد من الإيمان الراسخ في القلوب وإلى تقدير الله تعالى حق قدره وإلى خشيتهم له عز وجل، فالإنسان العاقل لا يزيده العلم إلا يقينا خشية لربه. ويصور القرآن الكريم حال أولئك المؤمنين الذين يرون آيات الله تعالى بما يلي:

(إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلبَابِ* الذِينَ يَذكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِِ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَارِ) سورة آل عمران- الآيات 190-191

السابق

مقالات مرتبطة بـ مقارنة بين أنف الإنسان و الأنف الإلكتروني

  • تقنيات كشف الروائح

    هارون يحي

      هل فكرتم يوما في أنّ حواسكم يمكن أن تكون أحيانا بمثابة جهاز إنذار مبكر للأخطار محتملة الوقوع؟ فعند عبور

    22/12/2009 4859
  • تجربة لحفظ وتعديل المقالات تجربة التعديل

    زيان

    لوريم إيبسوم(Lorem Ipsum) هو ببساطة نص شكلي (بمعنى أن الغاية هي الشكل وليس المحتوى) ويُستخدم في صناعات المطابع

    01/06/2015 854
  • تصميم الأنف

    فريق عمل الموقع

    الأنف عندما يدور الحديث حول العضو المسؤول عن الشم، فإن أول ما يخطر على بالنا هو الأنف، ولكن

    09/12/2009 3731