الرحمة هي الأساس ...والمغفرة وعد

هيا محمد عيد
المقال مترجم الى : English

1- الرحمة هي أحد أكثر صفات الله عز وجل تأكيدًا في الإسلام ومن أكثرها ورودًا في القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى افتتح جميع سور القرآن، باستثناء سورة واحدة، بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم"، وتسمى "البسملة" اختصاراً.

أيضًا في أمور الحياة العادية، تتردد البسملة كثيراً على ألسنة المسلمين قبل الشروع في أي عمل (مهم) طلبًا للعون والبركة من الله عز وجل. هذا التكرار للبسملة في يوم المسلم يستحضر معية الله، ويزرع الثقة، ويرسخ اليقين بأن مراد الله النهائي من الخلق هو العناية والرحمة.

2- وردت في رحمة الله أحاديث كثيرة، منها الحديث القدسي الذي رواه النبي الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام عن ربه عز وجل قال:

إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي

(رواه البخاري)

بينما في القرآن الكريم يصف الله عز وجل رحمته بأنها

وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ

(الأعراف 7: 156)

أي عمت كل الأشياء دون تخصيص، أو تقيد، أو استثناء مما يدل على أن الرحمة هي السمة الرئيسية المهيمنة وراء كل أفعال الله تبارك وتعالى.

3- لا يختزل الإسلام صفات الله وأسمائه إلى القدرة والعلم والخير، ويتجاهل سلطان الله وحكمته وقدرته وقضائه وغضبه وعقابه. استنادًا إلى قول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لله عز وجل تسعة وتسعين اسمًا وصفة، تنقسم إلى قسمين: صفات جمال (وهي صفات اللطف، والكرم، والرحمة، والعفو، والإحسان) وصفات جلال (وهي صفات القوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والكبرياء، والكمال، والجبروت). فالله هو الرؤوف، اللطيف، الرحيم، الودود، الصبور، الغفور، الكريم، الحليم، الحفيظ، وهو كذلك القوي، الحكم، العدل، المهيمن، الرقيب، المنتقم، الجبار، القهار.

4- النظر من جانب واحد إلى الله سبحانه وتعالى على أنه ودود فقط أو منتقم فقط يترتب عليه تكوين صورة خاطئة عن الله عز وجل؛ وقد جاءت الإشارة إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

 اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

(المائدة 5: 98)

يعني هذا أن بناء علاقة صحيحة مع الله تعالى وتكوين نظرة سليمة إلى الحياة بوجه عام تتطلب من الإنسان العيش بإدراك كامل لجميع صفات الله – صفات الجمال جنباً إلى جنب مع صفات الجلال. وكما يليق بكل صفة. فكلا الجانبين من الصفات الإلهية يعملان معاً ويحدثان في النفس التوازن الصحيح بين الخوف من الله والرجاء فيه سبحانه، دون تغلب جانب على الآخر (كجناحي الطائر، إذا استويا استطاع الطيران في الجو، وإذا اختل واحد منهما سقط فلا يستطيع الطيران).

الحياة كلها اختبار من الله تعالى

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ

(الأنبياء 21: 35)

تفسير البغوي: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم) نختبركم (بالشر والخير) بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، وقيل: بما تحبون وما تكرهون، (فتنة) ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون، (وإلينا ترجعون).

1. مادامت صفات الله ومقاصده كلها كمال، فلا يمكن أن يكون هناك شر أو معاناة في هذا العالم دون جدوى أو حكمة ورائهما. فدائمًا وأبدًا قرار الله بالسماح بشيء أو منع شيء ينبع من معرفته وحكمته وعدله، وكذلك خطته ومشيئته.

2. يفتقر البشر إلى المعرفة الواسعة اللازمة لفهم سنن الله تعالى أو الحكم عليها –

وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً

(الإسراء 17: 85)

يفتقر البشر كذلك إلى الصبر على قضاء الله وقدره حتى تنكشف الحكمة الربانية منه –

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

(الكهف 18: 67-68)

ولا يملك البشر الحق ولا القدرة ولا السلطة على استجواب الله عز وجل عن قضائه في خلقه – 

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ

(الأنبياء 21: 23)

3. يستحيل على البشر المعرفة التامة والإحاطة الشاملة بالغايات والعلل والحِكم الإلهية التي تبرر كل حالة من حالات الشر أو المعاناة التي وقعت في العالم على مر التاريخ وعبر الأزمنة. لكن بصورة عامة، يقدم القرآن الكريم رؤية واضحة للأسباب العامة للشر والمحن على الأرض.

4. وفقًا للقرآن الكريم، الحياة كلها، بكل ما فيها من أحداث جيدة وسيئة، هي اختبار وابتلاء من الله عز وجل، كما يوضحه قوله تعالى:

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ

(الملك 67: 2)

امتحان الحياة مفروض على جميع البشر؛ الله هو من يقرر نوعه، ووقته، ومكانه، وحجمه. يخبر الله تعالى عن الامتحان بالشدائد في قوله:

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ

(البقرة 2: 155)

كل إنسان سيُمتحن على جبهتين: داخليًا (نواياه وأعماله الباطنة) وخارجيًا (أقواله وأعماله الظاهرة): 

وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

(البقرة 2: 235)

5. الابتلاء والمعاناة جزء من طبيعة اختبار الحياة؛ فوفقًا للقرآن، المعاناة عنصر حتمي وجوهري لا بد من المرور به في فترات الحياة الدنيوية، كما جاء في قول الله تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ.﴾

(البلد 90: 4)

في كبد: أي في شدة وعناء.

6. الحياة البشرية عبارة عن مسيرة متواصلة من المشقة. كل مرحلة من مراحلها تجلب معها مجموعة التحديات الخاصة بها، وعلى طول الحياة وعرضها سيواجه كل إنسان صراعات مختلفة إلى أن يموت، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك بقوله: ﴿

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

(الإنشقاق 84: 6)

معناه أن الإنسان يقطع رحلة حياته في كدح دائم: أي سعي شاق ومضنٍ. ومهمة القرآن ليست القضاء النهائي على المعاناة؛ فهو لم يأتِ لهذا، بل جاء لِيَعْبُرَ بالإنسان الصعاب، ويعطيه القدرة على النهوض بنجاح من الأزمات والانطلاق من جديد. قال تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.﴾

(الشرح 94: 5-6)

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

(رواه الحاكم في المستدرك)

فكلما وُجِد عسر وصعوبة في حياة الإنسان، فإن اليسر يأتي متزامنًا معه، يقارنه ويصاحبه. 

7. الغنى والفقر، السعادة والألم، الرخاء والشدة، الصحة والمرض وغيرها من الفوارق بين الأفراد ليست دلائل على رضا أو سخط الله عز وجل؛ فهي مجرد وسائل يُمتحَن بها شعور وردة فعل كل إنسان تجاه المواقف المختلفة التي سيتعرض لها على مدار حياته، الحسنة منها والسيئة، المفرحة منها والمحزنة على حد سواء.

8. مع هذا الفهم للحياة والإدراك للوجود، لا ينظر المسلم للوقائع التي يعيشها بأنها سلسلة من أحداث تافهة لا معنى له، أو تؤخذ على ظاهرها فقط (التعامل مع الأمور بضيق أفق ونظرة قصيرة من زاوية واحدة، مقتصرة على جزء بسيط من الواقع). بل النفس المسلمة تتعامل مع الأمور كلها من منطلق علم الله المطلق الكامل الشامل، المحيط بظواهر الأمور وبواطنها، العالم بحقائقها، وهو ما يقوله القرآن الكريم:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوْا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُوْنَ.﴾

(البقرة 2: 216) 


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الرحمة هي الأساس ...والمغفرة وعد

  • الــدعــاء والــواقــع

    الشيخ خالد الحسينان

    عندما يطلب إنسان من آخر كأس من ماء فيعطيه الماء ثم يرفض ، ويكرر هذا الإنسان  طلب الماء مرات ومرات وكلما أعطاه

    18/12/2013 1667
  • الرحمن الرحيم

    أبو حسان

    ذكر الرحمن في القرآن  (170) مرة ذكر الرحيم في القرآن  (228) مرة.   المعنى : قال تعالى : " وإلهكم

    24/01/2013 2242
  • الحقيقة الأولى الله جل جلاله

    محمد الغزالي

      هذا الاسم الكريم عَلَم على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا واليها مصيرنا. والله

    28/02/2010 3003
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day