دلالة العقل على وحدانية الله والإيمان بالله

دلالة العقل على وحدانية الله والإيمان بالله

د. عبدالله بن محمد آل يحيى الغامدي

وأما دلالة العقل على وحدانية الله، والإيمان به؛ فلأن المخلوقات جميعها لا بد لها من مُوجِد وخالق؛ إذ لا يمكن أن توجِد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجَدَ صدفة؛ فهذه المخلوقات لا يمكن أن تُوجِد نفسها بنفسها؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقًا؟

كذلك لا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لا بد له من مُحدِثٍ، ولأن وجودها على هذا النظام المتسق البديع المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات، وبين الكائنات بعضها مع بعض؛ يمنع منعًا باتًّا أن يكون وجودُها صدفةً([1]).

أضف إلى ذلك ما تجده من افتقار المخلوق الشديد؛ فالافتقار وصف ذاتي للمخلوق ملازم له؛ مما يدلُّ على أنه لا بد من وجود خالق، كامل، غني عما سواه، وهو رب العالمين.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القاطع في سورة الطور،

حيث قال:

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)}

[الطور: 35].

يعني: أنهم لم يُخلقوا من غير خالقٍ، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى.

ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رسول الله r يقرأ سورة الطور فبلغ قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)} الآية، وكان يومئذٍ مشركًا قال: «كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» ([2]).

ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى يحثُّ كثيرًا في كتابه على التعقل والتبصر، ولا أدل على ذلك من كثرة الآيات التي تُخْتَمُ بمثل قوله: {أفلا تعقلون} {لعلكم تعقلون}؛ لأن الإنسان إذا تذكر عرف الحق، وإذا تذكر خاف واتقى وانقاد.

ولهذا نجد أن العقلاء الجادين الباحثين عن الحق يصلون إليه، ويوفقون له.

ومما يؤكد ذلك أن كثيرًا من كبار المفكرين الغربيين اهتدوا إلى الحق بسبب إجالتهم أفكارَهم، وبحثهم عن الحق.

ومن نظر في كتاب: (الله يتجلى في عصر العلم) وقد كتبه ثلاثون من علماء الطبيعة والفلك ممن انتهت إليهم الرياسة في هذه الأمور ومثله كتاب: (كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك: (الإنسان لا يقوم وحده) وترجم إلى العربية تحت عنوان: (العلم يدعو إلى الإيمان) يدرك أن العالِمَ الحقيقيَّ لا يكون إلا مؤمنًا، وأن العاميَّ لا يكون إلا مؤمنًا، وأن الإلحاد، والكفر، لا يكون إلا من أنصاف العلماء وأرباع العلماء؛ ممن تعلم قليلًا من العلم، وخسر بذلك الفطرة المؤمنة، ولم يصل إلى العلم الذي يدعو إلى الإيمان ([3]).

وبهذا يتبين أن العقل يدل على وحدانية الله عز وجل.

أما إذا أنكر العقل ذلك؛ فإن الخلل في العقل نفسه!

ومن هنا يتبيَّن لنا بطلان قول من قال: إن هذا الكون نشأ بالصدفة، أو أن الطبيعة هي الخالق؛ إن هذه الدعاوى ليست إلا مكابرةً، وعنادًا، لما هو متقرر بالمعقول والمنقول، فمن قال: إن هذا الكون نشأ عن طريق الصدفة يقال له: كيف نشأ هذا الكون الفسيح العظيم المتسق المتناسق عن طريق الصدفة؟!

إن ما في هذا الكون يحكي أنه إيجاد موجد حكيم عليم خبير، لكن الإنسان ظلوم جهول {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18)} [عبس: 17-18] ([4]).

أما القول بأن الطبيعة هي الخالق فتلك فرية عظيمة لا دليل عليها، وتهافتها واضحٌ بيِّن لا يحتاج إلى أي رد، بل إن تصور ذلك كافٍ في الرد على أصحابه ([5]).

ومن تلك الدعاوى نظرية (دارون) التي حاول أصحابها أن يعللوا بها وجود الأحياء، وتزعم هذه النظرية أن أصل الإنسان حيوان صغير نشأ من الماء، ثم أخذت البيئة تفرض عليه من التغييرات في تكوينه، مما أدى إلى نشوء صفات جديدة في هذا الكائن، وأخذت هذه الصفات المكتسبة تورَّث في الأبناء حتى تحول مجموع هذه الصفات الصغيرة الناشئة من البيئة عبر ملايين السنين إلى نشوء صفات كثيرة راقية جعلت ذلك المخلوق البدائي مخلوقًا أرقى، واستمر ذلك النشوء للصفات بفعل البيئة والارتقاء في المخلوقات حتى وصل إلى هذه المخلوقات التي انتهت بالإنسان.

هذا هو ملخص تلك النظرية، وعوارها وزيفها واضحٌ بيِّن ([6]).

وقد ثبت بطلانها حتى عند كثيرين ممن يقولون بها.

ومما يقال في ذلك: إنه على فرض صحتها فمن الذي أنشأ ذلك الحيوان الصغير؟ ومن الذي جعله يتطور حتى وصل إلى ما وصل إليه ؟!

المراجع

  1.  السعدي، «الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة»، ط1، ص 194، ابن عثيمين، «رسائل في العقيدة»، د. ط، ص 11 – 15.
  2.  أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39]، 6/140، حديث رقم (4854).
  3.  انظر: نخبة من العلماء الأمريكيين، «الله يتجلَّى في عصر العلم»، د. ط، وانظر: موريسون، «كتاب العلم يدعو للإيمان»، د. ط.
  4.  الأشقر، «العقيدة في الله»، ط12، ص 74 – 75.
  5.  انظر: تفصيل ذلك في «العقيدة في الله»، ط12، ص 74–98، وأبو غنيمة، «العلم يتبرأ من نظرية دارون».
  6.  الأشقر، «العقيدة في الله»، ص 79 – 92. ففيه تفصيل الرد على تلك الدعوى، وأبو غنيمة.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ دلالة العقل على وحدانية الله والإيمان بالله

  • حسن الظن بالله من مراتب الهداية

    الشيخ عمر عبد الكافي

    أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد: من مراتب الهداية: حسن الظن بالله،

    01/09/2013 3095
  • حسن الظن بالله من مراتب الهداية

    الشيخ عمر عبد الكافي

    أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:   من مراتب الهداية: حسن الظن

    28/04/2014 439
  • استدلالات النصارى على التثليث

    فريق عمل الموقع

    ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمَّى دليلا؛ إذ إن ما ذكروه يدل على أنهم لفَّقوا كلاماً زعموا أنه دليلٌ، فمن

    25/01/2010 3323
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day