الإيمان و أركانه


أبو الحسن هشام المحجوبي و فضل الله كسكس


يعني الإيمان في اللغة التصديق، ومثال ذلك نجده في كتاب الله تعالى، حيث قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [ يوسف : 17 ]، أي وما أنت بـِمُصَدِّقٍّ لقولنا رغم أننا صدقناك الحديث. أما في الشرع فيعني الإيمان تصديق الإسلام بالقلب والإقرار به باللسان والبرهان عليه بالأعمال.

قال الإمام الشافعي في كتابه "الأم": قد أجمع الصحابة والتابعون على أن الإيمان قول وعمل ونية. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" . [ كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، رقم الحديث:58 أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ]

ويزيد الإيمان على قدر اجتهاد المرء في طاعة الله واجتناب معصيته، غير أنه ينقص إذا ما تكاسل عن الطاعة وصار مقترفاً للمعصية. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [ الأنفال : 2-4 ]، أي أن المؤمنين يزداد إيمانهم بسماعهم لذكر الله وتدبره وبمحافظتهم على الصلوات وإنفاقهم في سبيل الله. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" . [ أخرجه مسلم كتاب الإيمان بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إِلَّا عَنِ الْخَيْرِ وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، عن أبي سعيد، رقم الحديث:78 ]

ومحل الشاهد هنا هو أن من ترك النهي عن المنكر بيده أو بلسانه صار إيمانه إلى نقصان.


لقد كان صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعلم الناس بحقيقة أن الإيمان يزداد وينقص؛ فثبت عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص" . [ كتاب شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن المنصور الطبري الرازي الالكائي، المتوفى:414ه،ج:4،ص:1016 ]

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان يقول لأصحابه: "هلموا نزداد إيماناً فيذكرون الله عز وجل" . [ كتاب السنة، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد بن الخلال البغدادي، توفي:311، باب المناكحة،ص: 49 ]

والفرق بين الإيمان والإسلام هو أنهما من الألفاظ التي إذا اجتمعت اختلفت معانيها، وإذا افترقت يكون معناها واحدا. فالإيمان هو الإسلام والإسلام هو الإيمان. قال الله تعالى:﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما إذا وردا في خطاب واحد كأن أقول عمر بن الخطاب مؤمن مسلم، فيكون معنى الإيمانِ هنا العبادات القلبيةُ كالإيمان بالله واليوم الآخر، والإخلاص لله ومحبته سبحانه وتعالى والتوبة من الذنوب والخشوع في الصلاة. وأما الإسلام فيكون بمعنى العبادات الظاهرة كأداء الصلاة وحج بيت الله وقراءة القرآن وغير ذلك. ففي الحديث: "الإيمان في القلب والإسلام علانية".

إن للإيمان أركانا بيَّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجبريل بعد أن سأله فقال: "الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". وقد ذكرت خمسة من هذه الأركان مجتمعة في سورة البقرة، حيث قال الله تعالى:﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ أما الركن السادس فقد أتى ذِكْرهُ مستقلا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الإيمان و أركانه

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day