توحيد الأسماء و الصفات


أبو الحسن هشام المحجوبي و فضل الله كسكس


يعني توحيد الأسماء والصفات، إفراد الله تعالى بأسمائه التي سمى بها نفسه وصفاته التي وصف بها ذاته في كتابه الكريم والتي أخبر بها رسوله (صلى الله عليه وسلم) في سنته المطهرة. إن هذا الأصل في التوحيد ليبــيّـــن للعبد سبيل التعرف على ربه والتأدب معه في الحدود التي ارتضاها سبحانه لمقامه.


ويقتضي الإيمان به مراعاة القواعد العشر التالية:


 أولها: لا تُستمد أسماء الله تعالى وصفاته إلا من كتاب الله وسنة رسوله لأنها غيب والغيب لا يُعلم إلاَّ من الوحي. قال الله تعالى:﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . [ سورة النجم - سورة 53 - آية 2 ]


ثانيها: التسليم بأن جميع أسماء الله تعالى حسنى في منتهى الحسن، وبأن صفاته كاملة في منتهى الكمال. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [ سورة الأعراف - سورة 7 - آية 180 ]. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" . [ أخرجه مسلم في الإيمان، باب تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، رقم الحديث:147 ]


ثالثها: يجب إثبات أسماء الله تعالى وصفاته كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله دون تحريف ولا تشبيه ولا نفي مع تفويض كيفيتها إلى الله. إن تفسير غنى الله سبحانه وتعالى في الآية: ﴿إن ربي غني حميد﴾ بالقدرة هو تأويل لا يجوز، أما القول بأن غناه سبحانه وتعالى مثل غنى أغنى الناس فهو تشبيه لا يجوز، وأما الزعم بأن الله غني من غير غنى فهو نفي وتعطيل لا يجوز. إن هذه التآويل تعارض قول الله تعالى:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [ أخرجه مسلم في الإيمان، باب تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، رقم الحديث:147 ]. ففي قوله:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نفي الشبيه عن الله، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات لأسماء الله تعالى وصفاته. إن الفهم الصحيح للآية: ﴿ إن ربي غني حميد ﴾ يقتضى التسليمَ بأن الله غني غنى مطلقاً ليس كغنى خلقه الذي يتسم بالمحدودية والحاجة له سبحانه.


رابعها: لا يجوز تخيل صورة الله سبحانه وتعالى، لأن تخيلها تشبيه لله بخلقه؛ فالإنسان لا يمكن أن يتصور شيئاً لم يره. قال العلماء: "كل ما خطر على بالك فالله خلاف ذلك"، وفي الحديث الضعيف: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله".


خامسها: لا يجوز اشتقاق أسماء الله تعالى من صفاته، بينما يجوز اشتقاق صفاته تعالى من أسمائه. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [   سورة طه - سورة 20 - آية  5 ]؛ لا يجوز لنا هنا أن نشتق من صفة "الاستواء" اسم "المستوي". أما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [ سورة الحج - سورة 22 - آية 64 ] ، فيجوز لنا إضفاء صفة الغنى على الله لأنها جاءت متضمنة في اسم الغني ولأن أسماءه سبحانه وتعالى أتت دالة على كماله.


سادسها: لا يجوز حصر أسماء الله عز وجل في تسعةٍ وتسعين اسماً لوجود دليل من السنة نَصَّ على أن هناك أسماء أخرى استأثر الله تعالى بعلمها وحده دون غيره. لقد دأب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على القول في دعائه: "أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك..." إن هذا الدعاء ليشير إلى وجود أسماء استأثر الله بعلمها وحده ولهذا يُحمل الحديث النبوي: "لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة" [ أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين،كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه، ج/1،ص/62 ] ، على أن عدد هذه الأسماء جاء على سبيل الذكر لا الحصر.


سابعها: إن للهِ تعالى صفات ذاتية وأخرى فعلية. أما صفات الله الذاتية فهي الصفات اللازمة لذاته كصفة البركة والحياة والعلم.

وأما صفات الله الفعلية فهي صفات تابعة لمشيئته كصفة الاستواء على العرش وصفة الرضى وصفة الغضب، فهو يفعلها متى شاء ويدعها متى شاء.


ثامنها: لا يجوز أن يفرد الله تعالى بصفات كالمكر والاستهزاء والخداع لما فيها من تنقيص منه سبحانه بل يعمد إلى مقابلتها بأفعال المخلوقين. إنها لا تطلق على الله إلا في ما سيقت فيه من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [ سورة آل عمران - سورة 3 - آية 54 ]. وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [ سورة البقرة - سورة 2 - آية 14 ]. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [ سورة النساء - سورة 4 - آية 142 ].


تاسعها: لا يجوز التفصيل في الصفات التي نفاها الله عن ذاته لما يحمله ذلك من قلة أدب في حق الله عز وجل، ويسمى كل ما نفاه الله عن ذاته صفاتٍ سلبية لما فيها من نقص كنفي الولد والنوم؛ قال تعالى:﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [ سورة الإخلاص - سورة 112 – آية3 ] ، وقال سبحانه:﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [ سورة البقرة - سورة 2 - آية 255 ] . فمثلا إذا قال إنسان لملِك أنت لست فقيراً ولا ضعيفاً ولا ذليلاً ولو كنت ذلك لما صرت ملكاً. فلا شك أن مثل هذه الأوصاف لا تلاقى بالترحاب.


عاشرها: إذا أطلقنا على الله اسم"الصانع" و"المقصود" فإن ذلك يعد حقاً في ذاته سبحانه لأنه في حقيقة الأمر صانع للكون، ومقصود بالعبادة والرجاء؛ ولو لم يرد دليل مباشر في الكتاب والسنة على ذلك. لذا فقد سمى العلماء ما كان حقا في ذات الله ولم يرد به نصٌّ إخباراً.






السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ توحيد الأسماء و الصفات

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day