الغني الحميد


أ.د/ أمير الحداد

– ورد اسم الله (الغني) سبع عشرة مرة في كتاب الله، اقترن بـ(الحميد) عشر مرات وبـ(الحليم) مرة واحدة وبـ(الكريم) مرة واحدة، وانفرد في خمس آيات.

– من تدبر آيات الكتاب علم سبب اقتران (الغني) بـ(الحميد) أكثر من غيره من الأسماء الحسنى، وذلك أن (الغني) في حق الله -عزّ وجل- (غنىً) مطلق؛ فهو غني عن الولد، والصاحبة، والشريك، ويحمد لذلك، وهو (الغني) في ملكه، فيعطى بغير حساب، ويحمد لذلك، وهو (الغني) عن طاعة الطائعين ونفقات المنفقين، ويجازي أهل الطاعات بأعظم أجر ويحمد لذلك، فالحمد لله (الغني الحميد).

– وماذا عن اقتران (الغني) بـ(الحليم)؟! مع العلم أننا ذكرنا سابقا أن الآيات التي ورد فيها اسم الله (الحليم) فيها من يستحق العقوبة، ولكن الله لا  يعامله بها لحلمه عز وجل.

صاحبي متابع جيد، يمتلك ذاكرة قوية، مع أنه لا يقرأ كثيرا ولكنه يحفظ معظم ما يسمع.

– الآية التي اقترن فيها (الغني) بـ(الحليم) هي آية واحدة فقط:

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}(البقرة:263)

– إن ختم الآية بهذين الاسمين من أسماء الله الحسنى ظاهر في هذه الآية، ولكن دعنا نقرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله، ذكر الشيخ في (طريق الهجرتين):

     ثم قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره، والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى، فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة، ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى له بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه.

ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}، وفيه معنيان أحدهما أن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة؛ فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى، فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه، ومع هذا فهو حليم؛ إذ لم يعاجل المان بالعقوبة وفي ضمن هذا الوعيد والتحذير، والمعنى الثاني أنه - سبحانه وتعالى- مع غناه التام من كل وجه، فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره.

– كلام جميل.

– بل لو قرأت الآية بعدها لاتضح المراد بزيادة؛ حيث يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:264)

تضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة.

     وقوله فمثله أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس وفيه قولان، أحدهما: أنه واحد، والثاني جمع صفوة عليه تراب فأصابه وابل وهن المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره، وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر؛ لشدته وصلاته وعدم الانتفاع به، وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر، فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله، وفيه معنى آخر وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع نباتا ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئا.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الغني الحميد

  • الغني

    فريق عمل الموقع

    الغني قال تعالى: (والله هو الغني الحميد)، قال ابن الأثير: "الغني هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد محتاج

    13/01/2021 133
  • الغني ... الحميد

    فريق عمل الموقع

      الغني ... الحميد      الغني : هو المستغني بذاته وأسمائه وصفاته عن كل

    01/08/2011 3843
  • أخبار السلف رضى الله عنهم في هذا الباب - سليمان الخوّاص

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    *  اجتمع حذيفة المرعشي، وسليمان الخوّاص، ويوسف بن أسباط، وهم من الزهاد، فتذاكروا الفقر والغنى، وسليمان الخواص

    04/04/2018 973
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day