الإحسان وأنواعه (2)


أبو الحسن هشام المحجوبي و فضل الله كسكس

والإحسان نوعان: نوع في عبادة الله، ونوع في القيام بحقوق خلقه.


أما النوع الأول فيتحقق في عبادة الله خوفاً منه وهرباً إليه، ولا يتأتى ذلك إلاَّ باجتناب ما نهى الله عنه والإقبال على طاعته؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [ سورة الرعد - سورة 13 - آية 21 ] ، وقد كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من أكثر الصحابة خشية لله، فقد كان تحت عينيه خطان أسودان من كثرة بكائه خشية من الله ورجاءً لرحمته، وثبت أن ميمون بن مهران أتى الحسن البصري فقال له: ذكِّرنا بالله فقرأ عليه الحسن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [ سورة الشعراء - سورة 26 - آية 205 ] فأغمي على ميمون من خشية الله.


 كما أن للإحسان في عبادة الله منزلة سامية تكمن في عبادة الشوق والطلب. وهي تتحقق حينما يصير الإنسان مشتاقاً إلى عبادة ربه حريصاً على أدائها لما يحصل له فيها من لذة بمناجاة الله والأنس به. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" [ متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ وَفَضْلِ المَسَاجِد،رقم:660ِ، أخرجه مسلم في الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة رقم 1031 ] ، ومن بينهم: "رجل قلبه معلق بالمساجد"، أي رجل دائمُ الشوق إلى المساجد لإقامة الصلاة والتعبد فيها.


لقد ضرب لنا صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أروع الأمثلة في طلب العبادة والحرص على إحسانها، فكان أنس بن مالك رضي الله عنه من شدة حرصه على إحسان صلاته يعدُّ أشبه الناس صلاة برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما من فرط طول صلاته وإحسانه لأدائها كغصن الشجرة الهامد تقف عليه الطير، وكان أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) يجيد تلاوة القرآن حق الإجادة حتى قال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذات مرة: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود" [ متفق عليه، أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، رقم:5048، ومسلم صلاة المسافرين وقصرها، باب تحسين الصوت بالقرآن، رقم:793 ].


وأما الإحسان في القيام بحقوق الخلق فيتحقق في بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، ومساعدة الفقير وفي غير ذلك مما يلزم مراعاته من حقوق المخلوقات. لقد أخبر نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن الله سبحانه وتعالى "كتب الإحسان على كل شيء" [ أخرجه الإمام مسلم في كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَان،عن شدادابن أوس، رقم:57-(1955) ] ، أي أنه أوجب الإحسان في كل شيء.

لذلك دعانا الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى مراعاته حتى في ذبح البهائم والقتل فقال "فإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الإحسان وأنواعه (2)

  • الإحسان وأنواعه (1)

    أبو الحسن هشام المحجوبي و فضل الله كسكس

    فسر رسولنا (صلى الله عليه وسلم) الإحسان لجبريل (عليه السلام) بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه

    17/05/2021 26
  • الإحسان وأنواعه (3)

    أبو الحسن هشام المحجوبي و فضل الله كسكس

    فمن أراد أن يسموَ بنفسه ويبلغ منزلة الإحسان فعليه أن يتحرى الأسباب التالية: أولها: صدق النية في طلب الحق. قال

    22/05/2021 27
  • السؤال مائة وست وخمسون: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟

    فريق عمل الموقع

    السؤال مائة وست وخمسون: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟الإجابة :أدلته كثيرة منها قوله تعالي : (إن الله مع الذين

    09/01/2019 856
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day