اسم الله البصير


الشيخ/ وحيد عبد السلام بالي

الدِّلالاتُ اللُّغَوِيَّةُ لاسْمِ (الْبَصِيرِ):

البَصِيرُ في اللُّغَةِ مِنْ أَبْنِيَةِ المُبَالَغَةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، فِعْلُهُ بَصُرَ يُبْصِرُ بَصْرًا وتَبَصَّرَهُ، قَالَ تَعَالَى:

﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ﴾ [الأنعام: 104]

وتَبَاصَرَ القَوْمُ: أَبْصَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، والبَصَرُ يُقَالُ للعَيْنِ إلَّا أَنه مُذَكَّرٌ، ويُقَالُ أَيْضًا لحِسِّ العَيْنِ والنَّظَرِ، أَوِ القُوَّةِ التي تُبْصِرُ بها العَيْنُ أَوْ حَاسَّةِ الرُّؤْيَةِ، والتَّبَصُّرُ: التَّأَمُّلُ والتَّعَرُّفُ والتَّعْرِيفُ والإِيضَاحُ، والبَصِيرَةُ: الحُجَّةُ والاسْتِبْصَارُ، وهي اسْمٌ لما يُعْقَدُ في القَلْبِ مِنَ الدِّينِ وتَحْقِيقِ الأَمْرِ، وقِيلَ: البَصِيرَةُ الفِطْنَةُ، ورَجُلٌ بَصِيرٌ بالعِلْمِ: عَالِمٌ بِهِ، وبَصَرُ القَلْبِ: نَظَرُهُ وخَاطِرُهُ . 

والبَصَرُ: صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، يَجِبُ إثْبَاتُها دُونَ تَمْثِيلٍ أو تَعْطِيلٍ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَرَى الأشْيَاءَ كُلَها مَهْمَا دَقَّتْ أَوْ عَظُمَتْ.


واللهُ عز وجل هو البَصِيرُ الذي يَنْظُرُ للمُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15]

﴿ أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]

وعِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبَيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ". 

وُرُودُهُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ:

وَرَدَ هَذَا الاسْمُ في القُرْآنِ اثْنَتَيْنِ وأَرْبَعِينَ مَرَّةً مِنْها قَوْلُهُ عز وجل:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]

وقَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 15، 20]

وقَوْلُهُ:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد: 4]

وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى:

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ [الملك: 19] 

مَعْنَى الاسْمِ في حَقِّ اللهِ تَعَالَى:

قَالَ ابنُ جَرِيرٍ: "يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 96]: واللهُ ذو إبْصَارٍ بِمَا يَعْمَلُونَ، لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهم، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِها مُحِيطٌ، ولَهَا حَافِظٌ ذَاكِرٌ، حَتَّى يُذِيقَهم بِهَا العِقَابَ جَزَاءَهَا. وأَصْلُ بَصِيرٍ: مُبْصِرٌ، مِنْ قَوْلِ القَائِلِ: أَبْصَرْتُ فَأَنا مُبْصِرٌ، وَلَكِنْ صُرِفَ إلى فَعِيلٍ، كَمَا صُرِفَ مُسْمِعٌ إلى سَمِيعٍ، وعَذَابٌ مُؤْلِمٌ إلى أَلِيمٍ، ومُبْدِعُ السَّمَاواتِ إلى بَدِيعٍ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ". 

وقَالَ الخَطَّابِيُّ: "البَصِيرُ هو المُبْصِرُ، ويُقَالُ: البَصِيرُ: العَالِمُ بِخَفِّيَاتِ الأُمُورِ". 

وقَالَ ابنُ كَثيرٍ:

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 15، 20]

أَيْ: هو عَلِيمٌ بِمَنْ يستحِقُّ الهدايةَ ممن يستحقُّ الضَّلالةَ، وهو الذي لا يُسألُ عما يفعلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، ومَا ذَلِكَ إلا لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ". 

وقَالَ الأَلُوسِيُّ: "﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾؛ أَيْ: خَبِيرٌ بهم وبِأَحْوَالِهم وأَفْعَالِهم". 

وقَالَ السَّعْدِيُّ: "(البَصِيرُ): الذِي يُبْصِرُ كُلَّ شَيْءٍ وإنْ رَقَّ وصَغُرَ، فَيُبْصِرُ دَبيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، ويُبْصِرُ مَا تَحْتَ الأَرْضِينَ السَّبْعِ كَمَا يُبْصِرُ مَا فَوْقَ السَّمَاواتِ السَّبْعِ.

وأَيْضًا سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الجَزَاءَ بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ، والمَعْنَى الأَخِيرُ يَرْجِعُ إلى الحِكْمَةِ. 

وعَلَى هَذَا يَكُونُ لـ (البَصِيرِ) مَعْنَيَانِ:

الأَوَّلُ: أَنَّ لَهُ بَصَرًا يَرَى بِهِ.

الثاني: أَنَّهُ ذو البَصِيرَةِ بالأَشْيَاءِ، الخَبِيرُ بِهَا. 

ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بهذا الاسْمِ (البَصِيرِ):

1- إثْبَاتُ صِفَةِ البَصَرِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ؛ لأَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وهو أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ.

وَصِفَةُ البَصَرِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ كَصِفَةِ السَّمْعِ، فالمُتَّصِفُ بهما أَكْمَلُ مِمَّنْ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: 50]

وقَالَ سُبْحَانَهُ:

﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [هود: 24]

وقَدْ أَنْكَرَ إبراهيمُ عليه السلام عَلَى أبيهِ عِنْدَما عَبَدَ مَا لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ:

﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 42]

وقَالَ تَعَالَى مُوَبِّخًا الكُفَّارَ، ومُسَفِّهًا عُقُولَهم لِعِبَادَتِهم الأَصْنَامَ التي هي مِنَ الحِجَارَةِ الجَامِدَةِ، التي لا تَتَحَرَّكُ ولا تَمْلِكُ سَمْعًا ولا بَصَرًا:

﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 195]

أَيْ: أَنْتُم أَكْمَلُ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَامِ لأَنَّكم تَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها وأَنْتُم أَفْضَلُ مِنْها؟! 

قَالَ الأَصْبَهَانِيُّ: "وأَمَّا (البَصِيرُ) فَهَذَا الاسْمُ يَقَعُ مُشْتَرَكًا، فَيُقَالُ: فُلَانٌ بَصِيرٌ، وللهِ المَثَلُ الأَعْلَى، والرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا لا يُبْصِرُ ولا يُمَيِّزُ بِالْبَصَرِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ المُتَشَاكِلَةِ، فَإِذَا عَقَلَ أَبْصَرَ فَمَيَّزَ بَيْنَ الرَّدِيءِ والجَيِّدِ، وبَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، يُعْطِيهِ اللهُ هَذَا مُدَّةً ثُمَّ يَسْلُبُهُ ذَلِكَ، فَمِنْهم مَنْ يَسْلُبُهُ وهو حَيٌّ ومِنْهم مَنْ يَسْلُبُهُ بالمَوْتِ. 

واللهُ بَصِيرٌ لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ، والخَلْقُ إذا نَظَرَ إلى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَمِيَ عَمَّا خَلْفَهُ وعَمَّا بَعُدَ مِنْهُ، واللهُ تَعَالَى لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في خَفيَّاتِ مُظْلِمِ الأَرْضِ، وكُلُّ مَا ذَكَرَ مَخْلُوقًا بِهِ وَصَفَهُ بالنَّكِرَةِ، فإذا وَصَفَ بِهِ رَبَّهُ وَصَفَهُ بالمَعْرِفَةِ". 

2- إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى بَصِيرٌ بِأَحْوَالِ عِبَادِهِ، خَبِيرٌ بها، بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ مِنْهم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها، بَصِيرٌ بِمَنْ يَصْلُحُ حَالُهُ بالغِنَى والمَالِ، وبِمَنْ يَفْسُدُ حَالُهُ بِذَلِكَ؛

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27]

وهو بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ شَهِيدٌ عَلَيْهم، الصَّالِحِ مِنْهم والطَّالِحِ، المُؤْمِنِ والكَافِرِ؛

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 96]

بَصِيرٌ خَبِيرٌ بأَعْمَالِهم وذُنُوبِهم

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 17]

وسَيَجْزِيهِم عَلَيها أَتَمَّ الجَزَاءِ. 

3- ومَنْ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيه اسْتَحَى أَنْ يَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ فِيمَا لَا يُحِبُّ.

ومَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَرَاهُ أَحْسَنَ عَمَلَهُ وعِبَادَتَهُ، وأَخْلَصَ فِيهَا لِرَبِهِ وخَشَعَ، فَقَدْ جَاءَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ؛ عِنْدَمَا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإِحْسَانِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:

"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"

قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: "هَذَا مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ التي أُوتِيهَا صلى الله عليه وسلم؛ لأَنّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدَنَا قَامَ في عِبَادَةٍ وهو يُعَايِنُ رَبَّهُ سبحانه وتعالى لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيهِ مِنَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ وحُسْنِ السَّمْتِ، واجْتِمَاعِهِ بِظَاهِرِهِ وبَاطِنِهِ وعَلَى الاعْتِنَاءِ بِتَتْمِيمِها عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِها إلا أَتَى بِهِ. 

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: اعْبُدِ اللهَ في جَمِيعِ أَحْوَالِك كَعِبَادَتِكَ في حَالِ العَيَانِ، فَإنَّ التَّتْمِيمَ المَذْكُورَ في حَالِ العَيَانِ إنَّمَا كَانَ لِعِلْمِ العَبْدِ باطِّلَاعِ اللهِ سبحانه وتعالى عَلَيهِ، فَلَا يُقْدِمُ العَبْدُ عَلَى تَقْصِيرٍ في هذا الحَالِ للاطِّلَاعِ عَلَيهِ، وهَذَا المَعْنَى مَوْجُودٌ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ العَبْدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، فَمَقْصُودُ الكَلَامِ الحَثُّ عَلَى الإِخْلَاصِ في العِبَادَةِ، ومُرَاقَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى في إتْمَامِهِ الخُشُوعَ والخُضُوعَ وغَيْرَ ذَلِكَ". 

المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ:

فهو البَصِيرُ الذي لِكَمَالِ بَصَرِهِ يَرَى تَفَاصِيلَ خَلْقِ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ وأَعْضَائِها ولَحْمِها ودَمِها ومُخِّها وعُرُوقِها، ويَرَى دَبِيبَها عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، ويَرَى مَا تَحْتَ الأَرْضِينَ السَّبْعِ كَمَا يَرَى مَا فَوْقَ السَّمَاواتِ السَّبْعِ. 

1- مَرَاتِبُ الْبَصِيرَةِ:

البَصِيرَةُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:

البَصِيرَةَ تُنْبِتُ في أَرْضِ القَلْبِ الفِرَاسَةَ الصَّادِقَةَ، وهي نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في القَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، والصَّادِقِ والكَاذِبِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75]

قَالَ مُجَاهِدٌ: للمُتَفَرِّسِينَ. 

والتَّوَسُّمُ تَفَعُّلٌ مِنَ السِّيمَا، وهي العَلَامَةُ، فَسُمِّيَ المُتَفَرِّسُ مُتَوسِّمًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِمَا يَشْهَدُ عَلَى مَا غَابَ، فَيَسْتَدِلُّ بالعَيَانِ عَلَى الإِيمَانِ، ولِهَذَا خَصَّ اللهُ تَعَالَى بالآيَاتِ والانْتِفَاعِ بِها هَؤُلَاءِ؛ لأَنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بمَا يُشَاهِدُونَ مِنْها عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الأَمْرِ والنَّهْي، والثَّوَابِ والعِقَابِ، وَقَدْ أَلْهَمَ اللهُ ذَلِكَ آدَمَ، وعَلَّمَه إيَّاهُ حِيْنَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وبَنُوهُ هُم نُسْخَتُهُ وخُلَفَاؤُهُ، فَكُلُّ قَلْبٍ قَابِلٌ لِذَلِكَ، وهو فِيهِ بالقُوَّةِ، وبِهِ تَقُومَ الحُجَّةُ، وتَحْصُلُ العِبْرَةُ، وتَصِحُّ الدِّلَالَةُ، وبَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ مُذَكِّرِينَ ومُنَبِّهِينَ، ومُكَمِّلِينَ لِهَذَا الاسْتِعْدَادِ، بِنُورِ الوَحْي والإِيمَانِ، فَيَنْضَافُ ذَلِكَ إلى نُورِ الفِرَاسَةِ والاسْتِعْدَادِ، فَيَصِيرُ نُورًا عَلَى نُورٍ، فَتَقْوَى البَصِيرَةُ، ويَعْظُمُ النُّورُ، ويَدُومُ بِزِيَادَةِ مَادَّتِهِ ودَوَامِها، ولا يَزَالُ في تَزَايُدٍ حَتَّى يُرَى عَلَى الوَجْهِ والجَوَارِحِ، والكَلَامِ والأَعْمَالِ، ومَنْ لَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ ولَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأسًا دَخَلَ قَلْبُهُ في الغُلَافِ والأَكِنَّةِ، فَأَظْلَمَ، وعَمِيَ عَنِ البَصِيرَةِ، فَحُجِبَتْ عَنْهُ حَقَائِقُ الإِيمَانِ، فَيَرَى الحَقَّ بَاطِلًا، والبَاطِلَ حَقًّا، والرُّشْدَ غَيًّا، والغَيَّ رُشْدًا، قَالَ تَعَالَى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]

والرَّيْنُ والرَانُ هو الحِجَابُ الكَثِيفُ المَانِعُ للقَلْبِ مِنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ، والانْقِيَادِ لَهُ. 

3- أَنْوَاعُ الفِرَاسَةِ:

وعَلَى حَسَبِ قُوَّةِ البَصِيرَةِ وضَعْفِها تَكُونُ الفِرَاسَةُ، وهي نَوْعَانِ:

فِرَاسَةٌ عُلْوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ: مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الإِيمَانِ، وفِرَاسَةٌ سُفْلِيَّةٌ دَنِيئَةٌ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكَافِرِ، فَالأُولَى فِرَاسَةُ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ والجُوعِ والسَّهَرِ والخَلْوَةِ، وتَجْرِيدِ البَواطِنِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّوَاغِلِ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ فِرَاسَةُ كَشْفِ الصُّوَرِ، والإخْبَارِ بِبَعْضِ المُغَيَّبَاتِ السُّفْلِيَّةِ التي لَا يَتَضَمَّنُ كَشْفُها والإخْبَارُ بِها كَمَالًا للنَّفْسِ، ولا زَكَاةً ولا إِيمَانًا ولا مَعْرِفَةً، وهَؤُلَاءِ لا تَتَعَدَّى فِرَاسَتُهم هَذِهِ السُّفْلِيَّاتِ؛ لأَنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ تَعَالَى، فَلَا تَصْعَدُ فِرَاسَتُهم إلى التَمْيِيزِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وأَعْدَائِهِ، وطَرِيقِ هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ. 

وأَمَّا فِرَاسَةُ الصَّادِقِينَ، العَارِفِينَ باللهِ وأَمْرِهِ: فَإنَّ هِمَّتَهم لَمَّا تَعَلَّقَتْ بِمَحَبَّةِ اللهِ ومَعْرِفَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، ودَعْوَةِ الخَلْقِ إليهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَانَتْ فِرَاسَتُهم مُتَّصِلَةً باللهِ، مُتَعَلِّقَةً بِنُورِ الوَحْي مَعَ نُورِ الإِيمَانِ، فَمَيَّزَتْ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ ومَا يُبْغِضُهُ، مِنَ الأَعْيَانِ والأَقْوَالِ والأَعْمَالِ. 

وَمَيَّزَتْ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، والصَّادِقِ والكَاذِبِ، وعَرَفَتْ مَقَادِيرَ اسْتِعْدَادِ السَّالِكِينَ إلى اللهِ، فَحَمَلَتْ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ، عِلْمًا وإرَادَةً وعَمَلًا. 

فَفِرَاسَةُ هَؤُلَاء دَائِمًا حَائِمَةٌ حَوْلَ كَشْفِ طَرِيقِ الرَّسُولِ وتَعَرُّفِها، وتَخْلِيصِها مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الطُّرُقِ، وبَيْنَ كَشْفِ عُيُوبِ النَّفْسِ، وآفَاتِ الأَعْمَالِ العَائِقَةِ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُرْسَلِينَ، فَهَذَا أَشْرَفُ أَنْوَاعِ البَصِيرَةِ والفِرَاسَةِ، وأَنْفَعُها للعَبْدِ في مَعَاشِهِ ومَعَادِهِ.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ اسم الله البصير

  • معاني أسماء الله الحسنى ومقتضاها (البصير)

    د. باسم عامر

    - الدليل:قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ الشورى: ١١وقال تعالى: ﴿

    26/05/2021 142
  • أقوال السلف في اسم الله (البصير)

    فريق عمل الموقع

    أولًا: أقوال بعض الصحابة والتابعين في اسم الله (البصير):  1- قال ابن عباس -رضي الله عنهما- {البصير}: أي

    26/05/2021 130
  • البصير

    د. باسم عامر

    الدليل: قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿

    25/07/2021 117
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day