اسم الله الحسيب (1)


د. محمد ويلالي


سنطرق اليوم إن شاء الله تعالى بابَ اسمٍ جليلٍ آخر، يعدُّ فقهُه واستيعابُ معانيه سرَّ السعادة في الدنيا، والفوز برضا الله يوم القيامة، اسم به يُحقق المسلم معنى الخوف مِن الله، والطمع فيما عنده، والإقرار بأنه بكلِّ شيء محيط، وبكلِّ شيء وكيل، إنه اسم الله "الحسيب"، الذي يدل على المحاسبة مِن جهة، وعلى الكفاية من جهة أخرى.

وَهوَ الْحَسِيبُ كِفَايَةً وَحِمَايَةً *** وَالْحَسْبُ كَافِي الْعَبْدِ كُلَّ أَوَانِ


ولقد وردَ الحسيب اسمًا لله تعالى في القرآن الكريم في خمسة مواضع، مقترنًا بأحكام دقيقة، لا بد للمسلم مِن أن يعيها، وأن يكون على علم بها.


ففي سورة النساء يقول تعالى: 

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: 6].


قال ابن كثير رحمه الله: "وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة؟"، ولذلك استصعب النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ تولِّي مال اليتيم؛ لخطورة ما يعقبه مِن محاسبة في الدنيا والآخرة، حتى قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: ((يا أبا ذَرٍّ، إني أراكَ ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي: لا تأمَّرَنَّ على اثنينِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيمٍ))؛ مسلم.


فمال اليتيم إما أن يكون سبيلًا إلى الجنة، إن أحسن الوليُّ التصرف فيه، وحفظه لصاحبه؛ قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [الأنعام: 152]

وإما أن يكون قطعة من النار لمن لم يتقِ الله فيه، وجعله نهبة يتصرف فيها ذات اليمين وذات الشمال؛ يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، مِن هنا نفهم السرَّ في تذييل الآية الكريمة السابقة بقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾؛ أي: احذروا من أكل مال اليتيم، ولا تعتقدوا أن اليتيم صغير لا ينتبه لماله، فإن الله حسيبه، أي: كافيه، وهو لحقِّه ضامن، وهو كذلك محاسبكم على تصرفكم في ماله، ومُوقفكم يوم القيامة بين يديه؛ قال الزمخشري: "أي: كافيًا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسبًا، فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب".


ومثل مال اليتيم، كل مال، أو مسؤولية، أو وظيفة استؤمنَّا عليها؛ فالله تعالى محاسبنا عليها، ورقيب علينا، لا يغيب عنه شيء؛ قال تعالى:

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61]

ولذلك قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]

فالله تعالى سيحاسب المخلوقات كلها في وقت واحد، لا يحتاج إلى من يحسب له؛ لأنه الحسيب، قال الحليمي: "الحسيب: المدرك للأجزاء والمقادير التي يعلم العباد أمثالها بالحساب من غير أن يحسب"، بل إن الله تعالى يجعل العبد يوم القيامة حسيبًا على نفسه، حاكمًا على أعماله، مقرًّا بذنوبه؛ قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13، 14]، أي: محاسبًا، وقرأ مجاهد: ﴿ وَيَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا ﴾؛ أي: يخرج له الطائر كتابًا، فيقيم ربنا عز وجل علينا الحجة، بأن يجعلنا نُحاسب أنفسنا بأنفسنا، حتى الذي لا يعرف منا القراءة والكتابة يقدره الله على ذلك، قال قتادة: "يقرأ يومئذ مَن لم يكن قارئًا في الدنيا"؛ قال تعالى:

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]


ومِن شدة فرح المؤمن واستبشاره يقول:

﴿ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 19، 20]

يريد أن يظهر للناس مكانته عند الله، وأنه من الناجين؛ لأنه حُوسب حسابًا يسيرًا؛

﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 64]


وأمَّا الكافرُ فيقول:

﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾ [الحاقة: 25 - 27]

وفي الآية الأخرى: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} [الانشقاق: 11]

أي: يدعو على نفسه بالهلاك، قال قتادة: "تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيءٌ أكره عنده مِن الموت"، 

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17]


فالتخويف في الدنيا أمن في الآخرة، والنَّصَب في الدنيا راحة في الآخرة، والعمل الصالح في الدنيا تيسير للحساب في الآخرة.

بصُرْتَ بالرَّاحةِ الكُبرى فلمْ ترَها *** تُنالُ إلا على جسـرٍ مِنَ التَّعَبِ


والتوكل على الله كفاية في الدنيا والآخرة؛ ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]، قال السعدي رحمه الله: "أي: كافيه أمور دينه ودنياه"، هؤلاء لا يخشون أحدًا إلا الله؛ لأنه وكيلُهم وحسيبُهم، لا يخافون حضارة أعدائهم، ولا تقنياتهم، ولا أسلحتهم؛ لأن معهم القوي الجبار، ولذلك قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]

وأما الغفلةُ في الدنيا، والذهول عن العبادة وأعمال الخير، والانشغال بالملذات، والإغراق في المسرَّات، فتورث مناقشة الحساب يوم القيامة، و((مَنْ نُوقِش الحساب يهلك))؛ متفق عليه، يقول تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، قال ابن كثير رحمه الله: "﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾ ؛ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾، أي: من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة؛ لأنَّ هذا الكتاب لم يغادرْ صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".

إذا كنتَ في كلِّ حالٍ معي *** فعن حملي زادي أنا في غِنى


ولقد ابتلي المسلمون في عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعداوة المشركين، وشوكة المُثبِّطين، الذين أرادوا الفَتَّ في عضدهم، فأشاعوا أن أبا سفيان خارج بجيش كبير في أعقاب معركة أُحُد، عازم على القضاء على المسلمين واستئصالهم، فكان سلاحهم أن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، خالصين من قلوبهم، مُستيقنين بنصر الله لهم؛ فأنزل الله تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]

أي: كافينا الله، ونعم المولى لمن وَلِيَهُ وكفله، فكانت النتيجة:

﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [آل عمران: 174]

ومِن ثم استحب أهل العلم أن يقال هذا الدعاء عند نزول المصائب الصعاب.


عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: "﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، قالها إبراهيمُ عليه السَّلام حين ألقي في النَّار، وقالها مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾"؛ البخاري.


فالمسلم لا يلتفت إلى أهل الخداع والمكر؛ لأن الله كافيه شرهم، وهو حسبُه من كيدهم؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 62].

هذا هو المؤمن، يفزع إلى الله في كلِّ شؤونه، ويعتمد عليه في كلِّ أموره.

اللهُ يُحْدِثُ بعدَ العُسرِ مَيْسَرَةً  لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ القاسمَ اللهُ  إذا بُلِيتَ فثقْ باللهِ وارْضَ بهِ  إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ  واللهِ مَا لَكَ غيرُ اللهِ مِن أحَدٍ  فحَسْبُك اللهُ في كلٍّ لكَ اللهُ 
السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ اسم الله الحسيب (1)

  • الحسيب

    فريق عمل الموقع

    الحسيب ‫قال تعالى: (وكفى بالله حسيبًا)،  الحسيب "العليم بعباده كافي المتوكلين، المجازي لعباده بالخير والشر

    10/01/2021 270
  • الحسيب

    الموسوعة العقدية

    قال تعالى: إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 86] وقال سبحانه: وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا

    03/08/2021 38
  • التعريف باسم الله (الحسيب)

    فريق عمل الموقع

    الحسيب: يجوز أن يكون من حسبت الحساب ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني. وقال الشاعر: (ونحسبه إِن كَانَ

    03/08/2021 32
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day