التفكرُ من طرقِ تعظيمِ الله تعالى


. أحمد بن عثمان المزيد

فمن تعظيمِ اللهِ تباركَ وتعالى: التفكرُ في آياتِه وآلائِه وبديعِ صُنْعِه كما قالَ تعالى: 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 

[آل عمران:190-191]. 

قال ابنُ كثير رحمه الله: «ومعنى الآيةِ أن اللهَ تعالى يقولُ: 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ 

أي هذه في ارتفاعِها واتساعِها، وهذه في انخفاضِها وكثافَتِها واتضاعِها، وما فيها من الآياتِ المشاهَدَةِ العظيمةِ من كواكبَ سياراتٍ، وثوابتَ وبحارٍ وجبالٍ وقفارٍ وأشجارٍ ونباتٍ، وزروعٍ وثمارٍ، وحيوانٍ ومعادنَ، ومنافعَ مختلفةِ الألوانِ والروائحِ والطعومِ والخواصِّ، 

﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

أي تعاقُبُهما وتقارضُهما الطولَ والقِصَرَ، فتارةً يطولُ هذا ويقصُرُ هذا، ثم يعتدلانِ ثم يأخذُ هذا من هذا فيطولُ الذي كان قصيرًا، ويقصُرُ الذي كانَ طويلًا. وكلُّ ذلك تقديرُ العزيزِ العليمِ، ولهذا قال تعالى: 

﴿لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

أي العقولِ التامةِ الذكيةِ التي تُدركُ الأشياءَ بحقائِقِها على جليَّاتِها، وليسُوا كالصُمِّ البُكْمِ الذين لا يعقلونَ، الذين قال الله فيهم: 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 

 [يوسف:105-106]

ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: 

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.

 كما ثبت في صحيحِ البخاريِّ عن عمرانَ بن حصينٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: 

«صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ»

أي لا يقطعونَ ذكرَه في جميعِ أحوالِهم بسرائرِهم وضمائرِهم وألسنتِهم، 

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ 

أي يفهمونَ ما فيهما من الحِكَمِ الدالةِ على عظمةِ الخالقِ وقدرتِه وعلمِه وحكمتِه واختيارِه ورحمتِه.

وقال الشيخُ أبو سليمانَ الدارانيُّ: إني لأخرجُ من منزلي فما يقعُ بصري على شيءٍ إلا رأيتُ للهِ عليَّ فيه نعمةً ولي فيه عبرةٌ. رواه ابنُ أبي الدنيا في كتابِ التوكلِ والاعتبارِ.

وعن الحسنِ البصريِّ أنه قالَ: تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ، وقال الفضيلُ: قال الحسنُ: الفكرةُ مرآةٌ تريك حسناتِك وسيئاتِك.

وقال سفيانُ بن عيينةَ: الفكرةُ نورٌ يدخلُ قلبَك وربَّما تمثَّل بهذا البيتِ:

إذا المرء كانت له فكرة                     ففي كل شيء له عبرة

وعن عيسى عليه السلام أنه قال: 

«طُوبى لمن كانَ قيلُه تذكُّرًا وصمتُه تفكرًا، ونظرُه عِبَرًا».

قال لقمانُ الحكيمُ: «إن طولَ الوحدةِ ألهمُ للفكرةِ، وطولَ الفكرةِ دليلٌ على طرقِ بابِ الجنةِ».

وقال وهبُ بنُ منبهٍ: «ما طالت فكرةُ امريءٍ إلا فَهِمَ، ولا فَهِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَلِمَ، ولا عَلِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَمِلَ». وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: «الكلامُ بذكرِ اللهِ ﷻ حسنٌ، والفكرةُ في نعمِ اللهِ أفضلُ العبادةِ». وقال مغيثٌ الأسودُ: «زورُوا القبورَ كلَّ يومٍ تُفَكِّرُكم، وشاهدُوا الموقفَ بقلوبِكم، وانظرُوا إلى ا لمنصرفِ بالفريقينِ إلى الجنةِ أو النارِ، وأشعِرُوا قلوبَكم وأبدانَكُم ذكرَ النارِ ومقامِعَها وأطباقَها».

وعنِ ابن عباسٍ أنه قال: «ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكرٍ، خيرٌ من قيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهٍ».

وقال الحسنُ البصريُّ: «يا ابنَ آدمَ، كلْ في ثلثِ بطنِك، واشربْ في ثلثِه، ودعْ ثلثَه الآخرَ تتنفسُ للفكرةِ».

وقال بعضُ الحكماءِ: «من نظرَ إلى الدنيا بغيرِ العبرةِ، انطمس من بصرِ قلبِه بقدرِ تلك الغفلةِ».

وقال بشرُ بنُ الحارثِ الحافي: «لو تفكَّر الناس في عظمةِ اللهِ تعالى لما عَصَوْهُ».

وقال الحسنُ عن عامرِ بنِ عبدِ قيسٍ، قال: «سمعتُ غيرَ واحدٍ ولا اثنينِ ولا ثلاثةٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقولونَ: إن ضياءَ الإيمانِ أو نورَ الإيمانِ التفكُّرُ».

وعن عيسى عليه السلام: أنه قال: «يا ابنَ آدمَ الضعيفَ اتقِ اللهَ حيثما كنتَ، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجدَ بيتًا، وعلِّم عينَيْك البكاءَ، وجسدَك الصبْرَ، وقلبَكَ الفِكْرَ، ولا تهتمّ برزقِ غدٍ».

وعن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه بكى يومًا بين أصحابِه، فسُئل عن ذلك، فقال: «فكرتُ في الدنيا ولذاتِها وشهواتِها، فاعتبرتُ منها بها، ما تكادُ شهواتُها تنقضي حتى تكدِّرَها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر إنَّ فيها مواعظَ لمن ادَّكَرَ».

وقال ابنُ أبي الدنيا: «أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:

نزهة المؤمن الفكـر         لــذة المـــــؤمـــن العبــر

نحمــد الله وحـــــده      نحـــن كل على خطـــر

رب لاة وعمــــــــره       قــد تقضـي ومــا شعــر

رب عيـش قــد كان        فوق المنى مونق الزهـر

في خرير من العيو        ن وظــل مـــن الشجــر 

وســرور من النبات        وطيــــب مــن الثمــــر

غيــــــرتــه وأهــله         سرعـــة الدهــر بالغيـر

نحمـــد الله وحـــده          إن فــــي ذا لمعتــبــــر

إن فـــي ذا لعبــرة          للبيـــــب إن اعتبــــــر

وقد ذم الله تعالى من لا يعتبرُ بمخلوقاتِه الدالةِ على ذاتِه وصفاتِه وشرعِه وقدرِه وآياتِه، فقال: 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

[يوسف:105-106]،

ومدح عبادَه المؤمنينَ: 

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ 

قائلين: 

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾

أي ما خلقْتَ هذا الخلقَ عبثًا، بل بالحقِّ لتجْزِيَ الذي أساؤوا بما عمِلوا، وتجزي الذين أحسَنوا بالحسْنى، ثم نَزَّهُوهُ عن العبثِ وخلقِ الباطلِ، فقالوا: 

﴿سُبْحَانَكَ﴾

أي عن أن تخلقَ شيئًا باطلًا 

﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 

أي يا من خلق الخلقَ بالحقِّ والعدلِ، يا من هو منزَّهٌ عن النقائصِ والعيبِ والعبثِ. قِنَا من عذابِ النارِ بحولِك وقوتِك وقَيِّضْنَا لأعمالٍ ترضَى بها عنا. ووفِّقْنَا لعملٍ صالحٍ تهدينا به إلى جناتِ النعيمِ، وتجيرنا به من عذابِك الأليم»
السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ التفكرُ من طرقِ تعظيمِ الله تعالى

  • تعظيمُ الأمرِ والنهيِ

    أحمد بن عثمان المزيد

    وهذا يدلُّ على أن أولَ مراتبِ التعظيمِ هي تعظيمُ الأمرِ والنهيِ، وقد ذكر ذلك ابنُ القيمِ فقال: «تعظيمُ الأمرِ

    17/11/2021 33
  • الحمدُ من طرقِ تعظيمِِ الله تعالى

    أحمد بن عثمان المزيد

    ومن الوسائلِ التي تُفضِي إلى تعظيمِ اللهِ تعالى وإجلالِه: كثرةُ حمدِه سبحانه وتعالى والثناءِ عليه سبحانه وشكرِه

    22/11/2021 15
  • حقيقةُ تعظيمِ الله تعالى

    أحمد بن عثمان المزيد

    ذكرَ الهرويُّ رحمهُ الله في (منازلِ السائرينَ) حقيقةَ تعظيمِ اللهِ تعالى فقال: «تعظيمُ الحقِّ سبحانه هو ألا يجعلَ

    11/11/2021 22
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day