فقه اسمي الله: الرحمن – الرحيم


د. محمد ويلالي

تحدثنا في الجزء السابق - ونحن بصدد التفصيل في شرح أسماء الله الحسنى - عن اسمي الله تعالى: "الرحمن" و"الرحيم"، المشتقين من الرحمة. فأشرنا إلى أنهما ذكرا في كتاب الله أزيد من 150 مرة، وأنهما وردا مقترنين في ستة مواضع، وأنهما - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما -: "اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر". وبينا أن اسم الله "الرحيم" يدل على الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وأن "الرحمن" من تشمل رحمته المؤمن وغيره. وأن من معاني الرحمة: النبوة، والرزق، والغيث، والجنة. وأن هناك سبلا كثيرة شرعها ديننا لاستدرار رحمة الله، وسبلا كثيرة أخرى حذر منها ديننا تطرد من رحمة الله، واستدللنا على كل عنصر بما يناسبه من نصوص الكتاب والسنة.

ونمحض الكلام - اليوم إن شاء الله تعالى - بفقه اسمي الله "الرحمن" و"الرحيم"، وثمرات الإيمان بهما.

إن من فَقِه اسمي الله "الرحمن" و"الرحيم"، عَظُم حبه لربه، وزاد فرحه بخالقه، وكبر تعلقه برازقه، وحسن ظنه بباعثه، لأنه علم أن له ربا يعفو ويصفح برحمته، ويتجاوز عن الذنب بلطفه. قال نبينا - صلى الله عليه وسلم -:

"إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ، فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي" متفق عليه.

وهذا من أعظم الأدلة على أن ديننا دين التفاؤل، ودين الأمل، ودين التراحم.

يقول الله - تعالى - في الحديث القدسي:

"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي. فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" متفق عليه

قال المناوي - رحمه الله -: "(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) أي: أعامله على حسب ظنه، وأفعل به ما يتوقعه مني.. فمن اطمأنت نفسه، وأشرق قلبه بالنور، حسن ظنه بربه، لأن ذلك النور الذي في صدره، يريه من علائم التوحيد ما تسكن النفس إليه، فيظن أن الله كافيه، وحسبه، وأنه كريم، رحيم، عطوف، فيجد ذلك عنده". ولذلك كان دعاء "الرحيم" لسانَ الأنبياء، ومنهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي أمره الله - تعالى - فقال: "وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ". كيف لا وقد "كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ". وقال: "إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي" متفق عليه.

ومما يزيدنا حبا لربنا - عز وجل -، وتعلقا برحمته، وتفاؤلا بمغفرته، أنه جعل جزاء السيئة سيئة واحدة، وضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فقال - تعالى -:

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160]

وقال - صلى الله عليه وسلم -:

"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" متفق عليه

هكذا يعاملنا ربنا - عز وجل -: يرحمنا، يلطف بنا، يتجاوز عنا، ولا يؤاخذنا بفعالنا وتقصيرنا. قال - تعالى -:

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [النحل: 61] 

وجعل - سبحانه - الرحمة مركوزة في طبع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]. وقال مالك بن الحويرث - رضي الله عنه -: "وَكَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَقِيقًا" مسلم.

فإذا كان ربنا - عز وجل - بهذه الرحمة التي وسعت كل شيء، وكان رسوله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، فهل تمثلنا نحن آثار هذين الاسمين الجليلين، فكنا رحماء كما أمر ربنا - عز وجل -؟

عن أبي موسى - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:

"لَنْ تُؤْمِنُوا حتى تراحمُوا". قالوا: يا رسولَ اللهِ، كلُّنا رَحِيمٌ. قال: إنَّهُ ليس بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صاحبَهُ، ولَكِنَّها رَحْمَةُ العَامَّةِ" صحيح الترغيب

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -" متفق عليه. بل إن نزع الرحمة من القلوب دليل على الشقاء والضنك. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ" صحيح سنن ابي داود.

وإن أولى الناس بالرحمة: الأبوان، لما لهما من الفضل الجليل علينا. قال - تعالى -:

﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]

وبعدهما الأولاد، الذين هم فلذات أكبادنا، وقرة عيوننا. فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - قال: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأْخُذُنِي، فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّنَا، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا" البخاري.

ومع الأولاد ذوو الأرحام، وما يستوجبون من الصلة والتفقد والرعاية. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"الرَّحِمُ شُجْنَةٌ (قرابة مشتبكة)، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ" البخاري

والكبار منا يُوَقَّرون ويحترمون، والصغار يعتنى بهم ويُرحَمون.

قال - صلى الله عليه وسلم -:

"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا" صحيح سنن الترمذي

وقد جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:

"أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟" متفق عليه.  

ولما أبصر الأقرع بن حابس النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الحسن قال: إِنَّ لِيَ عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ" متفق عليه.

وأمر الإسلام برحمة اليتيم، الذي فقد المعيل المنفق، وفقد معه حنان الوالد أو الوالدَيْن. فقد شكا رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه، فقال له: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ" صحيح الترغيب. وفي لفظ: "أتحبُّ أن يَلِينَ قلبك، وتدركَ حاجتَك؟ ارحَم اليتيم، وامسَح رأسه، وأطعِمه من طعامك، يلنْ قلبك، وتدركْ حاجتك" صحيح الجامع.

وإذا كان مليونا يتيم يضافون إلى العالم في كل سنة، فإن في المغرب قرابة 600 مؤسسة وجمعية، تؤوي أكثر من 52 ألف يتيم ويتيمة، يتعاونون على إدماجهم وإسعادهم. فسقيا لهم ورعيا، وأجزل الله لهم العطاء، وضاعف لهم الثواب.

بل إن الرحمة في الإسلام شملت البهائم التي لا تعقل وأُمر المسلمون بالعناية التامة بما ملكهم الله منها، حتى وجدنا المرأة تدخل النار بظلمها لهرة، حبستها حتى ماتت جوعا. ووجدنا امرأة أخرى تدخل الجنة بسبب سقايتها لكلب كاد يموت عطشا.

وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل قسا على جمل: "أَفَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَى إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ" صحيح سنن أبي دود.

وقال لمن أخذ فرخين لطائر اسمه الحُمَّرَة: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا" صحيح سنن أبي داود.

ومر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، فقال: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا. إِنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" مسلم.

فكيف يُجعل الإنسانُ - الذي كرمه الله - غرضا في زماننا؟ ترمى الأسرة كلها عن قوس واحدة، بل ترمى القرية برمتها بالقنابل العنقودية، والمتفجرات الفسفورية، والبرامل الحارقة المدمرة، فتأتي على الأخضر واليابس، من غير أن تأخذ العُتاةَ مسكةٌ من رحمة، أو لمحة من رأفة. بل ذهبت القسوة ببعضهم إلى حد إغلاق أرض الله في وجه البرءاء المسالمين، فَمُنعوا من أرزاقهم، وأقواتهم، ومساكنهم، وصلة ذويهم، تعاليا واستكبارا، وتعسفا واحتقارا.

عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أنه مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا" مسلم.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ فقه اسمي الله: الرحمن – الرحيم

  • الرحمن، الرحيم

    فريق عمل الموقع

    الرحمن، الرحيم قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم)، اسمان مشتقان من الرحمة وقيل في الفرق بينهما

    14/01/2021 422
  • الرحمن، الرحيم

    فريق عمل الموقع

    الرحمن، الرحيم قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة وقيل في الفرق بينهما

    10/01/2021 590
  • الرحمن ، الرحيم

    د. باسم عامر

    الدليل: قال الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]. وقال

    08/05/2021 358
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day