الشبهات حول اسم الله (السلام)


فريق عمل الموقع

الشبهة الأولى:

يقول القائل: هل يجوز أن نقول : ( الكمال لله وحده ) بالقصر والقصر منقوض بثبوت الكمال " البشري" لبعض البشر في حديث الصحيحين عن أبي موسى يرفعه : " كمُل من الرجال كثير، ولم يكمُل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران..." الحديث. ومن الأدب مع الحديث الشريف أن لا ننفي ما أثبته.

الرد عليها:

أسلوبُ القَصْرِ في علم البلاغة ؛ يُستخدَمُ أحياناً لقصرِ الصفةِ على الموصوفِ ، وذلك حين يُرادُ أن لا تتعدَّاه الصفةُ إلى غيره .. وأشهرُ طُرُقِ القصرِ ما كان : بــ [ ( النفي ) و ( إلا ) - أو بــ ( إنما ) - أو بالعطف .] وقد يكونُ القصرُ أحياناً [ بلفظ ( وَحْدَه ) أو بلفظ ( فقط ) . ] ومن أمثلته قولهم [ الكَمَالُ لله وَحْدَهُ ] ففيها قصرُ صفة الكمالِ على الله عزَّ وجلَّ ، ونفيُهُ عن غيره سبحانه وتعالى .. و(الكمالُ) : يطلق ويراد به تمام الشيء وتناهيه في بابه .. 

وقد جَرَتْ عبارةُ [ الكَمَالُ لله وَحْدَهُ ] على الألسنة ، واستقر معناها عقيدة في القلوب ، بأن الكمال لله وحده .. لا يَشرَكُهُ فيه غيرُه .. 

ولكنَّ قوله صلى الله عليه وسلم : (كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كثيرٌ وَلَمْ يَكمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مريم بنت عمرانَ وَآسِية امرأة فرعونَ وفضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ على سائِرِ الطَّعَامِ ) صحيح البخاري .. جاء مصرحاً بأن الكمال ثابتٌ أيضا لكثير من الرجال ولبعض النساء .. مما أوهم وجودَ تناقضٍ بين هذا الحديث وبين تلك العبارة ، التي تَقْصُرُ الكمال على الله وحده ..

لذلك كره بعضُهُم أن يقال [ الكَمَالُ لله وَحْدَهُ] خروجاً من تَوَهُّمِ التَّعارُضِ بين هذه العبارة ، وبين الحديث الشريف .

والحق أنه لا تَعَارُضَ بينهما ، لأنَّ الكمال المقصور على الله وحده في العبارة ، هو غير الكمال المثبت للرجال والنساء في الحديث . 

فــ ( الكمال المسندُ إلى الله تعالى ) هو (كمالٌ حقيقيٌّ مطلق ) لأنه مضاف إلى الله سبحانه وتعالى وهو مصدرُ الكمالات كلِّها ، فَلَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كمالُ الرَّحمة وكمالُ القُوّة وكمالُ الـمُلْكِ وكمالُ الإرادة وكمالُ القُدرَة وكمالُ العِلْم . وكمالُهُ - عز وجل - هو كمالُ الله الخالق البارئ المصوِّر المتفرّد بذاته وأسمائه وصفاته ، الذي { ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصير (43) الشورى }..

أما (الكمال المسند إلى البشر) : فقد فهمنا من نصوص الكتاب والسنة ؛ أن ( النبوَّة ) هي المرتبة التي جعلها الله تعالى غايةَ الكمال البشري في الرجال .. وأن (الصدِّيقيةَ) هي المرتبةُ الثانية التي جعلها الله تعالى نهاية الكمال الإنساني في الرجال والنساء بعد الأنبياء . ومهما علا كمالُ الخلق ، فهو دون كمالِ الخالق سبحانه ..

ولا أَدَلَّ على الفرق بين كمال الخلق وكمال الخالق ، من كون الكمال متفاوتاً بين البشر ، فالرُّسُل الذين هم أكملُ البشرِ متفاضلون في الكمال ، وكذلك الحال بالنسبة للصِّدِّيقاتُ من النساء ؛ فقد ورد أن بعضَهُنَّ أفضلُ من بعض، قال تعالى { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (253) البقرة }. وقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل } وقال تعالى { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (75) المائدة } .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ) . وعن عائشة رضي الله عنها ، قَالَتْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَنْ شمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ ، فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ .!! فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ .؟ فَقَالَتْ : مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلْتُهَا ، فَقَالَتْ : أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي ، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ . فَقَالَ : أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ ) .

ومن وجودُ هذا التفاضُلِ بين الكَمَلَةِ وبين الكَوَامِلِ من الجنسين ، نستدلُّ على أنَّ كمالَ البشر نسبيٌّ محدودٌ ، وأنه ( إضافيٌّ ) غير حقيقي .. ولو كان الكمال واحداً في الوجود لما جاز أن يقعَ التفاضُلُ فيه ..

وما نوّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكمالِ مَنْ كَمُلَ من الرجال والنساء ؛ إلا ترغيباً بِتَطَلُّبِ الكمال ، وحـثّـاً على الرُّقِيِّ في سُلَّمِه صُعُداً بقدر المستطاع .. ليكون للمجتهد في إحراز الكمالات مزيدا من الكمال . 

ثم إن كمال البشر نسبيٌّ ، يختلف من كاملٍ لكامل ، فالكمالُ في الرجال مختلفٌ عنه في النساء ، فرُبَّ كمالٍ في الرَّجُل هو نقصٌ في المرأة ، ورُبَّ كمالٍ في المرأة هو نقصٌ في الرَّجُل .. خذ لذلك مثلاً ، الجرأةَ ، والعضلاتِ المفتولةَ ، ونباتَ شَعرِ اللِّحية والشاربين ، وغِلَظَ الصَّوتِ .. فهذه صفاتٌ محمودة في الرجال ، بينما هي مذمومةٌ في النساء .. مما يجعل الكمالَ هنا ، نقصاً هناك .. ومما يُحتّمُ علينا بالتالي ؛ عدمَ التسوية بين كَمَال المخلوقِ وكمال الخالقِ سبحانه وتعالى .. 

وزيادة في إيضاح هذا الفرق بين كمالاتنا وكمالِ الله سبحانه وتعالى ، نأخذُ صفة (الرحمة) مثالاً ، وهي إحدى مفرداتِ الكَمَال ، وسوف نجدُ أنَّ معناها يختلفُ بحسب الإسناد ، كيفاً وكمّاً .. عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ ) رواه البخاري .

فهذا الجزء الواحد في المائة من الرحمة ؛ يتراحمُ به أهلُ الأرض جميعاً من جنٍّ وإنسٍ وحيوان .. فانظر كَمْ يَتَضاءَلُ نصيبُ الفرد الواحد من ذلك المقدار اليسير من الرحمة ؛ عند المقارنة بينه وبين الرحمة الواسعة ، التي أمسكها عنده أرحم الراحمين سبحانه وتعالى .؟؟ 

وبهذا يتضح بجلاءٍ أنه لا تَعَارُضَ بين قولنا ( الكَمَالُ لله وَحْدَهُ ) وبين الحديث النبوي الشريف ، الذي أخبر عن وجود كَمَلَةٍ من الرجال ، وكَوَامِلَ من النساء . لأن قصر الكمال الحقيقي المطلق على الخالق ، لا يمنعُ من إسناد كمال إضافي للمخلوقين .

الشبهة الثانية:

يقول القائل: ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله والسلام هو طلب ودعاء فكيف يتصور من الله؟ 

الرد عليها:

أجاب ابن القيم رحمه الله تعالى: 

فنقول لا ريب أن الطلب يتضمن أمورا ثلاثة طالبا ومطلوبا ومطلوبا منه ولا تتقوم حقيقته إلا بهذه الأركان الثلاثة وتغاير هذه ظاهر إذا كان الطالب يطلب شيئا من غيره كما هو الطلب المعروف مثل من يأمر غيره وينهاه ويستفهمه وأما إذا كان طالبا من نفسه فهنا يكون الطالب هو المطلوب منه ولم يكن هنا إلا ركنان طالب ومطلوب والمطلوب منه هو الطالب نفسه فإن قيل: كيف يعقل اتحاد الطالب والمطلوب منه وهما حقيقتان متغايرتان فكما لا يتحد المطلوب والمطلوب منه ولا المطلوب والطالب فكذلك لا يتحد الطالب والمطلوب منه فكيف يعقل طلب الإنسان من نفسه قيل هذا هو الذي أوجب غموض المسألة وإشكالها ولا بد من كشفه وبيانه فنقول الفرق بين الإرادة والطلب الطلب من باب الإرادات والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئا فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة فهو أخص منها والإرادة كالجنس له فكما يعقل أن يكون المريد يريد من نفسه فكذلك يطلب من نفسه وللفرق بين الطلب والإرادة وما قيل في ذلك مكان غير هذا والمقصود أن طلب الحي من نفسه أمر معقول يعلمه كل أحد من نفسه وأيضا فمن المعلوم أن الإنسان يكون آمرا لنفسه ناهيا لنفسه قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} وقال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

وهذا أكثر من إيراد شواهده فإذا كان معقولا أن الإنسان يأمر نفسه وينهاها والأمر والنهي طلب مع أن فوقه آمرا وناهيا فكيف يستحيل ممن لا آمر فوقه ولا ناه أن يطلب من نفسه فعل ما يحبه وترك ما يبغضه وإذا عرف هذا عرف سر سلامه تبارك وتعالى على أنبيائه ورسله وأنه طلب من نفسه لهم السلامة فإن لم يتسع لهذا ذهنك فسأزيدك إيضاحا وبيانا وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا إيجاب منه على نفسه فهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه فأوجب بنفسه على نفسه وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بما يوضحه كل الإيضاح ويكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: "لما قضى الله الخلق بيده على نفسه في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي: وفي لفظ "سبقت غضبي" رواه البخاري ومسلم والترمذي فتأمل: كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتاب وصفة اليد ومحل الكتابة وأنه كتاب وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد وهو إيجاب منه على نفسه ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} فهذا حق أحقه على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمعاذ " أتدري ما حق الله على عباده قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار " رواه البخاري ومسلم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: في غير حديث "من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذا" في الوعد والوعيد فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك" فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون بل هو سبحانه.

ما للعباد عليه حق واجب ... كل ولا سعي لديه ضائع

إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع

ومنه قوله تعالى:

{وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ}

فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه نحو:

{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} 

وقوله: {نُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} 

وقوله: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} 

وقوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} 

وقوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}

إلى أمثال ذلك مما أخبر أن يفعله إخبارا مؤكدا بالقسم والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع بخلاف القسم على ما فعله تعالى مثل قوله: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر وهو من باب القسم المتضمن للتصديق ولهذا يقول الفقهاء اليمين ما اقتضى حقا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا فالقسم الذي يقتضي الحض والمنع هو من باب الطلب لأن الحض والمنع طلب ومن هذا ما أخبر به لا بد أن يفعله لسبق كلماته به كقوله:

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} 

وقوله: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} 

وقوله: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ}

فهذا إخبار عما يفعله ويتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه كقوله فيما يرويه عن رسوله صلى الله علي: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما " رواه مسلم والترمذي فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة فإن الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها به يجزم ببعد المراد منها كقول بعضهم إن معنى الإيجاب والكتاب في ذلك كله هو إخباره به ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه وقوله: "حرمت الظلم على نفسي" أي أخبرت أنه لا يكون ونحو ذلك مما يتيقن المرء أنه ليس هو المراد بالتحريم بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر فإنه يتضمن إبطال الخبر ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه فإن محبة ذلك منهم لا تستلزم وقوعه وكراهته منهم لا تمنع وقوعه ففرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله هو سبحانه فهذا نوع وذاك نوع فتدبر هذا الموضع الذي هو منزلة أقدام الأولين والآخرين إلا من عصم الله وهداه إلى صراط مستقيم وتأمل أين تكون محبته وكراهته موجبة لوجود الفعل ومانعة من وقوعه وأين تكون المحبة منه والكراهة لا توجب وجود الفعل ولا تمنع وقوعه ونكتة المسألة هي الفرق بين ما يريد أن يفعله هو سبحانه وما لا يريد أن يفعله وبين ما يحبه من عبده أن يفعله العبد أو لا يفعله ومن حقق هذا المقام زالت عنه شبهات ارتبكت فيها طوائف من النظار والمتكلمين والله الهادي إلى سواء السبيل واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف فطائفة منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل وأن يكون العبد فاعلا أو مختارا الطائفة الثانية بإزاء هؤلاء أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم ولذلك

كانوا مشبهة في الأفعال والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين تعطيل صفاته وجحد نعوت كماله والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرموه فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات كماله فجحدوا بعض ما وصف به نفسه من صفات الكمال وسموه توحيدا وشبهوه بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح من الأفعال وسموا ذلك عدلا وقالوا نحن أهل العدل والتوحيد فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج عنها شيء من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها وتوحيدهم إلحادهم في أسمائه الحسنى وتحريف معانيها عما هي عليه فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلا وعدلهم شركا وهذا مقرر في موضعه والمقصود أن هذه الطائفة مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وهدى الله الأمة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فلم يقيسوه بخلقه ولم يشبهوه بهم في شيء من صفاته ولا أفعاله ولم ينفوا ما أثبته لنفسه من ذلك ولم يوجبوا عليه شيئا ولم يحرموا عليه شيئا بل أخبروا عنه بما أخبر عن نفسه وشهدت قلوبهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحكم والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء فإن العباد لا يحصون ثناء عليه أبدا بل هو كما أثنى على نفسه وهذا بين بحمد الله عند أهل العلم والإيمان مستقر في فطرهم ثابت في قلوبهم يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين وهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل هم إلى الله تعالى ورسوله متحيزون وإلى محض سنته منتسبون يدينون دين الحق أنى توجهت ركائبه ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه لا تستفزهم بدوات آراء المختلفين ولا تزلزلهم شبهات المبطلين فهم الحكام على أرباب المقالات والمميزون لما فيها من الحق والشبهات يردون على كل باطلة ويوافقونه فيما معه في الحق فهم في الحق سلمه وفي الباطل حربه لا يميلون مع طائفة على طائفة ولا يجحدون حقها لما قالته من باطل سواه بل هم ممتثلون قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون المائدة 8 فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله فكيف يسوغ لمن يدعي الإيمان أن يحلمه بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطيء على أن لا يعدل فيهم بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علما وعملا ودعوة إلى الله على بصيرة وصبرا من قومهم على الأذى في الله وإقامة لحجة الله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل لا كمن نصب معالمه صادرة عن آراء الرجال فدعا إليها وعاقب عليها وعادى من خالفها بالعصبية وحمية الجاهلية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به وليكن هذا تمام الكلام في هذا السؤال فقد تعدينا به طوره وإن لم نقدره قدره. [بدائع الفوائد لابن القيم 2/160 – 166].

الشبهة الثالثة:

يقول القائل: ما معنى السلام المطلوب عند التحية؟

الرد عليها:

أجاب ابن القيم رحمه الله:

فيه قولان مشهوران: أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم والسلام هنا هو الله عز وجل ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم السلامة دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة: "السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " صحيح فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا السلام على الله لأن السلام هو المسلم عليه دعاء له وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له وهو المدعو لا المدعو له فيستحيل أن يسلم عليه بل هو المسلم على عباده كما سلم عليهم في كتابه حيث يقول: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} وقوله: {سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ} {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} وقال في يحيى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ} وقال لنوح: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} ويسلم يوم القيامة على أهل الجنة كما قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فقولا منصوب على المصدر وفعله ما تضمنه سلام من القول لأن السلام قول ومسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم" ضعيف وفي سنن ابن ماجة مرفوعا أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر ضعيف جدا وفيه نكارة وقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} فهذا تحيتهم يوم يلقونه تبارك وتعالى ومحال أن تكون هذه تحية منهم له فإنهم أعرف به من أن يسلموا عليه وقد نهوا عن ذلك في الدنيا وإنما هذا تحية منه لهم والتحية هنا مضافة إلى المفعول فهي التحية التي يحيون بها لا التحية التي يحيونه هم بها ولولا قوله تعالى في سورة يس: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ رحيم} لاحتمل أن تكون التحية لهم من الملائكة كما قال الله: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} ولكن هذا سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم وهم في منازلهم من الجنة يدخلون مسلمين عليهم وأما التحية المذكورة في قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} فتلك تحية لهم وقت اللقاء كما يحيى الحبيب حبيبه إذا لقيه فماذا حرم المحجوبون عن ربهم يومئذ.

يكفي الذي غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه

والمقصود أن الله تعالى يطلب منه السلام فلا يمتنع في حقه أن يسلم على عباده ولا يطلب له فلذلك لا يسلم عليه وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو السلام" صريح في كون السلام اسما من أسمائه قالوا فإذا قال المسلم سلام عليكم كان معناه اسم السلام عليكم ومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر: "أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" صحيح قالوا ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله وإنما يكون ذكرا إذا تضمن اسما من أسمائه ومن حججهم أيضا أن الكفار من أهل الكتاب لا يبدؤون بالسلام فلا يقال لهم سلام عليكم ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم سلمك الله وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهم المطلوب المدعو به عند التحية ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يذكر بلا ألف ولام بل يقول المسلم سلام عليكم ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفة كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: {السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى ومن حججهم أيضا إن عطف الرحمة والبركة عليه في قوله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته يدل على أن المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله ومن حججهم أيضا أنه لو كان السلام هنا اسما من أسماء الله لم يستقم الكلام إلا بإضمار وتقدير يكون به مقيدا ويكون المعنى بركة اسم السلام عليكم فإن الاسم نفسه ليس عليهم ولو قلت اسم الله عليك كان معناه بركة هذا الاسم ونحو ذلك من التقدير ومعلوم أن هذا التقدير خلاف الأصل ولا دليل عليه ومن حججهم أيضا أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا ودعاء كما يأتي في جواب السؤال الذي بعد هذا ولهذا كان السلام أمانا لتضمنه معنى السلامة وأمن كل واحد من المسلم والراد عليه من صاحبه قالوا: فهذا كله يدل على أن السلام مصدر بمعنى السلامة وحذفت تاؤه لأن المطلوب هذا الجنس لا المرة الواحدة منه والتاء تفيد التحديد كما تقدم وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن يقال الحق في مجموع القولين فلكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما وإنما نبين ذلك بقاعدة قد أشرنا إليها مرارا وهي أن من دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى كأن الداعي مستشفع إليه متوسل إليه به فإذا قال: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر: "قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" صحيح وكذلك قوله للصديق وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " رواه البخاري ومسلم وهذا كثير جدا فلا نطول بإيراد شواهده وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين أحدهما: ذكر الله كما في حديث ابن عمر والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة وقريب من هذا ما روي عن بعض السلف أنه قال في آمين أنه اسم من أسماء الله تعالى وأنكر كثير من الناس هذا القول وقالوا ليس في أسمائه آمين ولم يفهموا معنى كلامه فإنما أراد أن هذه الكلمة تتضمن اسمه تبارك وتعالى فإن معناها استجب وأعط ما سألناك فهي متضمنة لاسمه مع دلالتها على الطلب وهذا التضمن في سلام عليكم أظهر لأن السلام من أسمائه تعالى فهذا كشف سر المسألة. [بدائع الفوائد لابن القيم 2/140 – 143].

الشبهة الرابعة:

ما الحكمة في تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على من اتبع الهدى في كتابه إلى هرقل بلفظ النكرة وتسليم موسى عليهم بلفظ المعرفة؟

الرد عليها:

أجاب ابن القيم رحمه الله تعالى:

أن تسليم النبي صلى الله عليه وسلم تسليم ابتدائي ولهذا صدر به الكتاب حيث قال من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ففي تنكيره ما في تنكير سلام من الحكمة وقد تقدم بيانها وأما قول موسى والسلام على من اتبع الهدى فليس بسلام تحية فإنه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنه قال له:

{فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}

أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته وإنما وقع متوسطا بين الكلامين إخبارا محضا عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدي ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه وإيثاره من السلامة وأنه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله تعالى أعلم وتأمل حسن سياق هذه الجمل وترتيب هذا الخطاب ولطف هذا القول اللين الذي سلب القلوب حسنه وحلاوته مع جلالته وعظمته كيف ابتدأ الخطاب بقوله إنا رسول ربك وفي ضمن ذلك إنا لم نأتك لننازعك ملكك ولا لنشركك فيه بل نحن عبدان مأموران مرسلان من ربك إليك وفي إضافة اسم الرب إليه هنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه أنا رسول مولاك إليك وأستاذك وإن كان أستاذهما معا ولكن ينبهه بإضافته إليه على السمع والطاعة له ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل ويخلي بينهم وبينهما ولا يعذبهم ومن طلب من غيره ترك العدوان والظلم وتعذيب من لا يستحق العذاب فلم يطلب منه شططا ولم يرهقه من أمره عسرا بل طلب منه غاية النصف ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات أحدها قوله تعالى: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقول والافتراء بما جئناك به من البرهان والدلالة الواضحة فقد قامت الحجة ثم بعد ذلك للمرسل إليه حالتان إما أن يسمع ويطيع فيكون من أهل الهدى والسلام على من اتبع الهدى وإما أن يكذب ويتولى فالعذاب على من كذب وتولى فجمعت الآية طلب الإنصاف وإقامة الحجة وبيان ما يستحق السامع المطيع وما يستحقه المكذب المتولي بألطف خطاب وأليق قول وأبلغ ترغيب وترهيب. [بدائع الفوائد لابن القيم 2/169 – 170].

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الشبهات حول اسم الله (السلام)

  • السلام

    فريق عمل الموقع

    السلام قال تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام)، وفي الدعاء المأثور (اللهم أنت السلام ومنك

    14/01/2021 755
  • السلام

    د. باسم عامر

    الدليل: قال الله عزّ وجل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ... ﴾

    30/05/2021 285
  • قسم الآداب الإسلامية السؤال التاسع عشر

    يزن الغانم

    :آداب السلام س: اذكر آداب السلام؟ ج- 1- عندما ألقى مسلمًا أبدأ بالسلام، بقول «السلام عليكم ورحمة الله

    21/03/2022 217
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day