التوازن والاعتدال
قد تدفع قوة الإيمان المتولدة من تلاوة القرآن المرء لطلب القيام بأعمال كثيرة تتنافى مع الطبيعة البشرية وما فيها من ضعف، وما لها من احتياجات.. ومن هنا تأتي وظيفة المربي الذي يصحح المفاهيم، ويوجه من معه للوسطية والاعتدال والاقتصاد في العبادة، مثلما فعل مع الثلاثة الذين ذهبوا لبيوت أزواجه يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالُوها ( أي عدوها قليلة )، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني فالمربي يعمل دائما على توجيه من معه على الوسطية والاعتدال وإعطاء كل ذي حق حقه.
عن أنس له قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي : «حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فلير قد
وتأمل - أخي القارئ - هذه القصة التي يرويها بطلها عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - ليزداد تأكدك بأهمية وجود المربي وسط الأفراد وحسن توجيههم نحو الوسطية والاعتدال وإن أدى ذلك إلى اقتصادهم في العبادة... يقول عبد الله بن عمرو: «أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد گفته (أي امرأة ولده) فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشا،
ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ، فقال: القنـي بـه، فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت أصوم كل يوم . قال: وكيف تختم ؟ قلت: كل ليلة. قال: صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر. قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يومًا قال قلت أطبق أكثر من ذلك. قال: صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة. ...
وهذا أحد التابعين وهو سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عقارا له بها، فيجعله في السلاح والكراع ( الخيل ) ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسًا من أهل المدينة، فنـهـوه عـن ذلك، وأخبروه أن رهطا سنة أرادوا ذلك في حياة النبي ﷺ فنهاهم نبي الله . وقال: «أليس لكم في أسوة؟ فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها ....