حاجة البشرية إلى الوحي الإلهي


فريق عمل الموقع

مما هو ملاحظ في هذه الأيام أن البشرية قد بلغت ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار والمحيطات، وانطلقت بعيداً في أجواء الفضاء حتى هبطت على سطح القمر وأرسلت ما تستكشف به المريخ، وفجّرت الذرة، وكشفت كثيراً من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود.

وعلى الرغم من كل هذا التقدم إلا انه يلاحظ وجود شقاء كثير، وحيرة مريرة، ومن أسباب ذلك استغناء البشرية بعقولها عما تتحاكم إليه، وعدم وجود فارق يفرق بين ما اختُلف فيه من خلافات، ولا يكون هذا السبيل الكامل إلا عن طريق سبيل علوي

وحي ربها، فهناك من يظن أنه من الممكن الاستغناء بهذه العلوم والمخترعات عن هداية الله تعالى ووحيه (كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم).

وليت الأمر يتوقف عند هذا فقط، بل تطورت الأحوال إلى أن الجدال استشرى في صحة الرجوع إلى حكم ربنا والتحاكم لشرعه، حجية سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأهمية الرجوع إليها قراءة وسماعا وتحاكما وعلما، فما أشبه حال هؤلاء الناس الذين اتصفوا بتلك الصفات بحال هؤلاء الذين ذمهم الله وعاقبهم:

{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}

(غافر:83-85)

واليوم ينتشر الكفر والإلحاد في الأرض، وينفخ شياطين الإنس في عقول البشر يدعونهم إلى التمرد على الله وعلى شريعته، ورفض تعاليم الرسل، بحجة أنَّ في شريعة الله حجراً على عقولهم، وتوقيفاً لركب الحياة، وتجميداً للحضارة والرقي، وردة إلى عصور التخلف والانحطاط. وقد أقامت أكثر الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إنَّ بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستورياً.

فهل صحيح أنَّ البشرية بلغت اليوم مبلغاً يجعلها تستغني عن الرسل وتعاليم الرسل؟

وهل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيداً عن منهج الرسل؟ ...

ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الوحي، وما جاء به، وطاعته فيما أمر به، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلاّ باتباع هذا الوحي،" الكتاب والسنة" ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاّ من جهتهما، ولا يُنال رضا الله البتة إلا عن طريقهما، وما جاءا فهم الميزان الراجح الذي على أساسهما توزن الأخلاق والأعمال، وبمتابعتهما يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهما أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الوحي فوقها بكثير.

فإن غاب الوحي عن دنيا الناس فإن حياتهم ستنقلب، فيصيروا كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العباد عند مفارقة قلبهم لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحسُّ بهذا إلاّ قلبٌّ حيٌّ.

فالوحي ضروري للعباد، لا بدَّ لهم منه، وحاجتهم إليه فوق حاجتهم إلى كل شيء، إذ هو روح العالم ونوره وحياته، فأيُّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟

والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الوحي، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الوحي، ويناله من بركة اتباعه، وحسن فهمه، فهو في ظلمة، وهو من الأموات،

قال الله تعالى

{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}

[الأنعام122]

فهذا وصف المؤمن، كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله باتباع الوحي، النور الذي أنزله الله لخلقه، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات.

والسؤال الآن

إذا تعرفنا على أهمية الوحي واتضحت أهميته لكل ذي بصيرة، فلنتساءل إذا: -

هل يمكن أن تقوم دنيا الناس بدون الوحي؟

نحن نقول ابتداء:

إنه لا يجوز في مجال الحجاج والنزاع أن يبادر المسلم إلى إنكار قدرة العقل على إدراك الحُسن والقُبح؛ فإنّ الله تعالى قد فطر عباده على إدراك الفرق بين الحسن والقبيح، والتمييز بين النوعين، كما فطرهم على الفرق بين النافع والضار والملائم لهم والمنافر، وركب في حواسهم إدراك ذلك، والتمييز بين أنواعه.

ولابد أن يعتقد المسلم أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الوحي، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه، إذ ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ما جاء به وحي السماء، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الوحي وبما جاء به، فما ورد تعارض بين ما ورد من نص صحيح والعقل،  ولا ورد تعارض بين مصلحة أساسية في حياة الناس ودليل صريح،  فوجب إذا أن نعتقد أن جميع ما يخبر به الوحي عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي...).

وهذا ليس تقليلا من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف، ولكن لا يتقدم أبدا العقل على الشرع، ولكنه يعمل داخل دائرته، فأهل النجاة من النار هم من تمسكوا بالوحي وسلموا له، وتعلموا التوفيق بينه وبين ما يقتضيه العقل، مع  الاستسلام المطلق لنصوص الوحي،

قال الله تعالى

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

[القصص50]

ومما لا ينبغي أن ينازع فيه أمور، منها: -

الأول: أنّ هناك أموراً هي مصلحة الإنسان لا يستطيع الإنسان إدراكها بمجرد عقله، لأنها غير داخلة في مجال العقل ودائرته، فمثلا: -

  • من أين للعقل معرفة الله – تعالى – بأسمائه وصفاته ...؟
  • من أين له معرفة تفاصيل شرع الله ودينه الذي شرعه لعباده؟
  • من أين له معرفة تفاصيل الثواب والعقاب، وما أعدّ لأوليائه، وما أعدّ لأعدائه، ومقادير الثواب والعقاب، وكيفيتهما، ودرجاتهما؟
  • من أين له معرفة الغيب الذي لم يُظهِر اللهُ عليه أحداً من خلقه إلاّ من ارتضاه من رسله إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، وبلغته عن الله، وليس في العقل طريق إلى معرفته؟
  • من أين يتعرف الإنسان على الأمور الغيبية التي لا يمكن أن يدركها الحس، مثل أخبار الأمم السابقة، أو الغيب المحض الذي يحيل على العقل إدراك اليقين منه، فإن هذا كله مما اختص به الوحي،

    مثل قضية الروح في قوله تعالى

    (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)

    [الإسراء: 85] 

  • فالحاجة للوحي في كونها طورًا فوق طور العقل لا بُدَّ منها لتلقِّي هذا العلم من {الخالق} الذي خلق الكون ويعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

ومنه علم الساعة، كما في قوله:

(يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)

[الأحزاب: 63]

ونحو ذلك.

  • الثاني: أن الذي يدرك العقل حسنه أو قبحه يدركه على سبيل الإجمال، ولا يستطيع أن يدرك تفاصيل ما جاء به الشرع، وإن أدرك التفاصيل فهو إدراك لبعض الجزئيات وليس إدراكاً كلياً شاملاً: فالعقل يدرك مثلا حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلاً أو ظلماً فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كلّ فعل وعقد.

الثالث: أن العقول قد تحار في الفعل الواحد، فقد يكون الفعل مشتملاً على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أو مصلحته، فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع بيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة، والمفسدة الراجحة.

الرابع: ما يتوصل إليه العقل وإن كان صحيحاً، فإنه ليس إلا فرضيات، قد تجرفها الآراء المتناقضة، والمذاهب الملحدة.

إن الذين يريدون أن يستغنوا عن الوحي بالعقل يظلمون العقل ظلماً كبيراً، ويبددون طاقة العقل في غير مجالها، (إن للعقل اختصاصه وميدانه وطاقته، فإذا اشتغل خارج اختصاصه جانبه الصواب، وحالفه الشطط والتخبط، وإذا أجري في غير ميدانه كبا وتعثر، وإذا كلف فوق طاقته كان نصيبه العجز والكلال.

إن العالم المادي المحسوس أو عالم الطبيعة هو ميدان العقل الفسيح الذي يصول فيه ويجول، فيستخرج مكنوناته، ويربط بين أسبابه وعلله، ومقدماته ونتائجه، فيكشف ويخترع، ويتبحّر في العلوم النافعة في مختلف ميادين الحياة، وتسير عجلة التقدم البشري إلى أمام.

أما إذا كلف النظر خارج اختصاصه -أعني ما وراء الطبيعة -فإنه يرجع بعد طول البحث والعناء بما لا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً، بل يرجع بسخافات وشطحات)

ولنتساءل سؤالا آخر مهما: -هل من الممكن أن يلغي الوحيُ العقل؟

يزعم كثير من الناس أن الوحي يلغي العقل ويطمس نوره، ويورثه البلادة والخمول، وهذا زعم كاذب، ليس له من الصحة نصيب، فالوحي الإلهي وجّه العقول إلى النظر في الكون والتدبر فيه، وحث الإنسان على استعمار هذه الأرض، واستثمارها، ففي كثير من الآيات يقول الله تعالى للناس {أفلا تعقلون} {أفلا تبصرون} {أفلا تتفكرون} {أفلا تذكرون}. وفي مجال العلوم المُنَزَّلة من الله فإن وظيفة العقل أن ينظر فيها، ليستوثق من صحة نسبتها إلى الله تعالى، فإن تبين له صحة ذلك فعليه أن يستوعب وحي الله إليه، ويستخدم العقل الذي وهبه الله إياه في فهم وتدبر الوحي، ثم يجتهد في التطبيق والتنفيذ. والوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين، فكما أنّ المبصر لا ينتفع بعينه إذا عاش في ظلمة، فإذا أشرقت الشمس، وانتشر ضوؤها انتفع بناظريه، فكذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم وقلوبهم أبصرت واهتدت.

ونخلص مما سبق إلى ضرورة الوحي  بحكم العقل والمنطق، فمن صدّق الوحي وآمن به واتّبعه، فقد اهتدى وسلك طريق الحق والنجاة والكمال والسعادة، ومن كذبه وكفر به وخالفه، فقد ضلّ وسلك طريق الباطل والنقص والتحلل والفساد والانحطاط والهلاك الفعلي والشقاء الأبدي الكامل والخسران المبين، وصدق الله حين قال { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}

السابق

مقالات مرتبطة بـ حاجة البشرية إلى الوحي الإلهي

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day