وصف الجنة
فصَّل القرآن الكريم أحوال أهل الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وأحوال أهل النار وما فيها من عذاب أليم، ويبيِّن ما يجزي الله تعالى به عباده المتقين، وما يعاقب به الذين استحوذ عليهم الشيطان.
وقد ورد في القرآن الكريم أوصاف للجنة وللنار مردّدة في كثير من السور والآيات.
ولا يستطيع أحد أن يتطاول فيعيب هذا الترديد، فإنّه ضرب من البلاغة في أعلى صورها؛ لأنّ الوصف متنوّع من ناحية، ولأنّ مقام التبشير والإنذار يقتضي التكرير والتذكير والتحبيب والتخويف من ناحية ثانية، ولأنّ الإشادة بحقيقة جديدة مجهولة تستدعي التكرير لتوكيدها وتثبيتها وإقرارها في نفوس السامعين والقارئين من ناحية ثالثة.
فهل عجب أن جاء وصف الجنة ووصف النار في آيات شتى من القرآن الكريم؟!
والجنة في رأي المفسِّرين هي دار الثواب في الآخرة، وقد سُمِّيت جنة لأنها مستورة عن أهليها؛ ولأن ثوابهم المدّخر لهم محجوب عنهم.
ولعلّ خيرًا من هذا أنها سمِّيت جنّة؛ لأنّ الجنة أجمل ما يَعْرِف الناس في دنياهم، ولأنها متعة النشيط وملاذ المتعب وموئل المشتاق إلى السكون والهدوء والاستجمام، ولأنها ذات ثمرات تشتهيها النفوس.
وقد وردت في القرآن الكريم كلمات كثيرة للدلالة على جنّة الآخرة، سواءٌ أكانت أسماء متعددة لها أم أسماء لدرجاتها، منها جنّة الفِردوس، وعَدْن، والنعيم، والخُلد، والمأوَى، ودار السلام، ودار المُقامة، والغُرفة، والرَّوضة.
وصف الجنة:
جاء في القرآن وصف للجنّة بعضه مادي، وبعضه معنوي.
أمّا المادي فهو مماثل في أسمائه لِمَا ألِفُوه في دنياهم، والسبب في هذا أن يفهموه؛ لأنه لو جاء على غير ذلك ما استطاعوا أن يفهموا، وكيف يفهمون أشياء لا تسعف اللغة بها؟ وكيف يفهمون ما لا يعيه إدراكهم؟ وهل من المعقول أن تتحقّق ثمرة التبشير بثواب غير مفهوم؟
وإذا كان الجزاء المادي بما هو أنفس وأعظم وأسنَى مما تعارف الناس في دنياهم، فإن اللغة لا تستطيع أن تعبّر بغير ذلك، ولا يُنْتَظر من لغة من لغات العالم أن تعبر عما لا تسعف به البيئة والتجارب والمعارف.
1- الوصف المادي:
فمِن وصفها المادي
أنّ الفائزين بها المقرّبين
لهم سُرُر منسوجة بالذهب محلّاة بالدرّ والياقوت، محكَمة النَّسْج والصّنْع متداخل بعضها في بعض كما تتداخل حلقات الدرع، يتكئون عليها متقابلةً وجوهُهم ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأنهم أحبّاء تصافوا لا يجفو بعضهم بعضًا، ولا يولي أحدهم ظهره وجه أخيه، ويطوف عليهم غلمان لا يمسّهم هرم بأكواب وأباريق وكؤوس من ماء جارٍ لا ينقطع ولا يتفرّقون عنه، وكؤوس من خمر لا يصيبهم منها أذى مما تسببه خمر الدنيا من سُكْر وصداع وقيء، ولهم فيها ما يشتهون من فاكهة ولحم طير وحور حِسان كأنهن اللؤلؤ النفيس بياضًا وصفاءً. وهذا كلّه جزاء لهم على أعمالهم الطيبة في الدنيا، وهم في الجنة لا يسمعون كلامًا عابثًا لاغيًا ولا كلامًا قبيحًا، بل يتبادلون التحية والكلام الطيب المسعِد.
وإذا كان هذا هو جزاء المقربين فإنّ أصحاب اليمين وهم الأبرار لهم:
سدر موقر بالثمر لا شوك فيه على عكس سدر الدنيا المثقَل بالشوك المعروف بقلّة الثمر، ولهم موز يغطي ثمرُه ساقَه كلَّها فلا تُرى، وظِلٍّ رادف ممتد، وماء دائم الجريان لا ينضب، وفاكهة كثيرة متنوّعة لا عهد لهم بمثلها لا تنقطع في أيّ وقت، ولا يمنعهم من تناولها شوك ولا عود ولا بُعد ولا قلة ولا مرض، وفُرُش عالية ناعمة ممهّدة، وحور حِسان أبكار متحبّبات إليهم بالجمال والملاحة والظرف والطاعة، كلّهن مثيلات متساويات مؤتلفات لا يتحاسدن ولا يتباغضن.
قال تعالى:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
[الواقعة: 10- 40].
ومثل هذا قوله تعالى:
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾
[الإنسان: 11- 22].
ومن أوصاف الجنة المادية أنّ ماءَها عذبٌ جارٍ لا يتغيّر طعمه ولا رائحته، وأنّ لَبَنها كثيرٌ يجري أنهارًا لا يَفسُد ولا يصير قارصًا ولا حازرًا ولا حامضًا؛ لأنه لم يخرج من ضروع الماشية، وأن خمرها غزيرة تتدفّق أنهارًا، وهي لذيذة للشاربين لا يحسّون فيها بمزازة ولا حموضة ولا يصابون بعدها بدوار أو سُكْر أو مرض كما عهدوا في خمر الدنيا؛ لأنها ليست كخمر الدنيا، وأنّ العسل ينساب فيها أنهارًا صافيًا حسن اللون والطعم والرائحة، لم يخرج من بطون النحل كما عهدوا في عسل الدنيا، ولهم فيها من جميع الثمرات التي يشتهون.
قال تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
[محمد: 15].
2- الوصف المعنوي:
أمّا الوصف المعنوي فقد ورد في آيات كثيرة منها
أنّ الفائزين بالجنة يشعرون بالتكريم العملي لهم حينما تتلقّاهم الملائكة بالتحية والترحيب والتوقير،
قال تعالى:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾
[الزمر: 73].
وأيّ نعيم يماثل رضوان الله تعالى عن عباده، ومحبته إياهم، وتقريبه لهم كما نفهم من
قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[التوبة: 72].
ومن قوله سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾
[مريم: 96].
وأيّ ثواب أسمى من الخلود في الجنة حيث لا هَمّ ولا حزن ولا حقد ولا حسد ولا ندم ولا نَصَب ولا قلق ولا خوف،
قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾
[الحجر: 45- 48].
وما الذي يدلّ على الثواب المعنوي خيرٌ من السرور والسعادة في مثل
قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾
[الروم: 15].
وماذا يبتغي الناس من الثواب المعنوي أعظم من أن يطلبوا ما يريدون فيجدوه محضرًا،
قال تعالى:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
[ق: 31- 35].
وإنّ الثواب المعنوي لَيتعاظم ويتكامل ويتناهى ويتسامى فلا يعدله ثواب ولا يساويه جزاء حينما يسعد الفائزون برؤية الخالق -جَلّ وعَلَا-،
قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[القيامة: 22- 23].