الإحســان مع الله تعالى. يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:77]، راقب ربَّك الوهاب المنَّان المُنْعِم عليك في كل وقتك، ولا تنس ذلك. والطريق لأن تكون محسنًا مع ربِّكَ يبدأ بـــ: - أ) الإخلاص وذلك بأن تضع الآخرة نُصب عينيك، تذكَّر دائمًا أبدًا أن هناك جنَّة ونــار، وأن الموت آتيـــك لا محالة. ب) التوازن بين متطلبات الحيــاة والسير إلى الآخرة فأعطِ كل ذي حقٍ حقه فعليك أن تُحْسِنَ في طلب الحلال، كما أحسنَ إليكَ في الإحلال وعليك أن تعمل في الدنيا للآخرة؛ حتى تبلغ هذا المقام. ج) إتقــان العبـــادة عن أبي ذرٍّ قال: "أوصاني خليلي أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ، فإنْ لم أكن أراه، فإنَّهُ يراني" فنحتاج أن نتعلم الفقه؛ لكي تكون عبادتنا على هدي النبي وغيرها من العلوم التي تعينك على الإحسان في عبادتك لله تعالى. د) المراقبـــة لذلك حينما سُئِل النبي عن الإحسان، قال: "«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هـ) الشكر لله تعالى فهل جزاء كل تلك النِعَم التي أحسن الله تعالى عليك بها إلا الشكر له سبحانه؟ و) مواجهة المُلِمات بالصبـــر عليها قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:115]. ز) مجـــاهدة النفس بكظم الغيظ ومحاربة الشُح وكبح شهوة الانتقـــام، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:134]، فمجاهدة النفس لتحقيق تلك الأمور، من علامات إحســان العبــد. ح) الجهــاد في سبيل الله كما في قول الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].
الإحســان إلى الخلق: - أ) بتعليمهم ما ينفعهم في دينهم، ويكون سببًا في نجاتهم في الدنيــا والآخرة من علوم الكتاب والسُّنَّة وفقه السلف، وإرشادهم إلى طرق الخيرات والقربات، وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:164]. ب) حُسن معاملة الضعفاء منهم كالإحسان إلى اليتيم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:152]. ج) دفع الخصومـة والخلافـــات يقول الله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34]. فلنحسن تعاملنا مع الخلق، بداية من رد السلام إلى آخر ما جاء به الإسلام، ولا نعامل الناس بمعاملاتهم، وإنما نعاملهم بما تحب أن يعاملونا به وبما نحب أن يرانا الله عليه.
إثبات صفة الإحسان بكمالها وتمامها لله تعالى، فهو سبحانه كان ولا يزال محسناً إلى جميع خلقه. كما أن اسم الله المحسن يغرس في العبد حب الإحسان، بمعنى إتقان العمل وتجويده، لأن الإحسان بهذا المعنى أمر مطلوب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ)
الإحسان إلى الآخرين وصنع المعروف لهم، فالله تعالى يحب المحسنين، قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة١٩٥]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجدَ المدينةِ، شهرًا)).
التخلق بخلق الإحسان: - فإن الله يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو جميل يحب الجمال، محسن يحب الإحسان، ولذا كتب الإحسان على كل شيء، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا)) فإذا كان العبد مأموراً بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟ فالواجب على العبد تجاه إحسان الله تعالى في الدنيا ما يأتي:
الإحسان في الاعتقاد والعبادة وجميع الأعمال، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وفي معناها وجوه: -
أحدها: هل جزاء التوحيد غير الجنة، أي: جزاء من قال: لا إله إلا الله إدخال الجنة.
ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة.
ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم وفي العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى.
وأما الأقرب فإنه عام، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضا. [مفاتيح الغيب، الرازي -29/ 377]
الشكر للمحسن سبحانه وذلك: - ((بالاعتراف بذلك))
كما قال يوسف عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]، أي: وقد أحسن بي ربي إذ أخرجني من السجن، وسما بي إلى عرش الملك، وجاء بكم من البادية حيث كنتم تعيشون في شظف العيش وخشونته، ونقلكم إلى الحضر حيث تعيشون في نعم الاجتماع ونشر الدين الحق، وتتعاونون على ترقي العلوم والصناعات. [تفسير المراغي 13/ 44.]
و ((ببذل الإحسان إلى الآخرين من المستحقين والمساكين)) قال تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) [القصص: 77]، فيبذل للآخرين صورا من الإحسان متعددة بحسب أحوالهم ومعاشهم.
الإحسان نوعان: إحسان في عبادة الله وهو: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فهذان مقامان: ((أحدهما)) مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه؛ فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله، فيراقبه في حركاته، وسكناته، وسره، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان. ((الثاني)) أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين.
فمن وصل إلى هذا المقام، فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربه وأنس به في خلوته، وتنعم بذكره، ومناجاته، ودعائه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس من أهل البدو، فقالوا: يا رسول الله! قدم علينا أناس من قرابتنا، فزعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حيثما كنتم، فأحسنوا عبادة الله، وأبشروا بالجنة)).
والإحسان إلى المخلوقين: هو بذل المعروف القولي والفعلي والمالي إلى الخلق، وأعظم الإحسان تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، والنصيحة لجميع العالمين.
ومن الإحسان: إعانة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإزالة ضرر المضطرين، ومساعدة ذوي الحوائج على حوائجهم، وبذل الجاه والشفاعة للناس في الأمور التي تنفعهم.
ومن الإحسان المالي: جميع الصدقات المالية، سواء كانت على المحتاجين، أو على المشاريع الدينية العام نفعها.
ومن الإحسان: الهدايا والهبات للأغنياء والفقراء، خصوصاً للأقارب والجيران، ومن لهم حق على الإنسان من صاحب ومعامل وغيرهم.
ومن أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلاتهم، والعفو عن هفواتهم).
ومن كانت طريقته الإحسان، أحسن الله جزاءه. قال تعالى: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن 60]، وهذا استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله إلا أن يحسن الله جزاءه. وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:26]؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:195] ومحبة الله هي أعلى ما تمناه المؤمنون، وأفضل ما سأله السائلون، وسببها من العبد أن يكون من المحسنين في عبادته وإلى عباده، فينال من محبة الله ورحمته بحسب ما قام به من الإحسان.
ومحبته -تبارك وتعالى -لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه، وإحسانه، وعطائه، وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك وأشرف.