إِنَّ اللهَ سُبحانه هو الربُّ على الحقيقةِ، فلا رَبَّ على الحقيقةِ سِواهُ وهو ربُّ الأربابِ ومالكُ المُلكِ، ومَلِكُ الملوكِ سبحانه وتعالى.
قال القرطبيُّ: "فالله سبحانه ربُّ الأربابِ، ومعبودُ العُبَّادِ، يَمْلكُ الممالِكَ والملوكَ، وجميعَ العبادِ، وهو خالقُ ذلك ورازِقُهُ، وكلُّ ربٍّ سواه غيرُ خالقٍ ولا رازقٍ، وكلُّ مخلوقٍ فَمُمَلَّكٌ بعد أَنْ لم يَكُنْ، ومُنتَزَعٌ ذلك مِن يدِهِ، وإنما يملكُ شيئًا دون شيءٍ.
وصفةُ اللهِ مخالفةٌ لهذا المعنى، فهذا الفرقُ بين صفاتِ الخلْقِ والمخلوقين.
فأما قولُ فرعونَ لعَنَهُ اللهُ إِذْ قال:﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾[النازعات: 24]، فإِنَّه أرادَ أن يَستبدَّ بالربُوبيةِ العاليةِ على قومِهِ، ويكونَ ربَّ الأرباب فيُنازِع اللهَ في ربوبيتِهِ ومُلكِهِ الأعلى﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾[النازعات: 25]
الإقرار بربوبية الله –عز وجل –يقتضي ويستلزم توحيده –عز وجل –وعبادته لا شريك له، إذ أن الخالق لهذا الكون وما فيه والمتصرف فيه بالإحياء، والإماتة، والخلق، والرزق، والتدبير، هو المستحق للعبادة وحـده إذ كيف يعبد مخلوق ضعيف، ويجعل ندًا لله تعالى في المحبة والتعظيم والعبادة وهو لم يخلق ولا يملك لنفسه تدبيرًا فضلاً عن أن يملكه لغيره، وهـذا ما احتج الله – عز وجل – به على المشركين الذين أقروا بربوبيته سبحانه ولكنهم لم يعبدوه وحده، بل أشركوا معه غيره وقد جاءت هـذه الاحتجاجات الكثيرة في القرآن الكريم بأساليب متنوعة منها: -
قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: ٢١، ٢٢].
وقوله تعالى:﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾[الأعراف: ١٩١]، وقوله سبحانه:﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾[النحل: ١٧].
وقوله تعالى:﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾[المؤمنون: ٨٩، ٩٠].
وقوله تعالى:﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾[الزمر: ٣٨]. والآيات في هذا كثيرة جدًا.
الإيمان بالأسماء الحسنى لله والصفات الجميلة له -سبحانه وتعالى -: -
فالعبد المؤمن بصفة الربوبية لله –عز وجل –يعني أنه مؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، إذ إن من صفات الرب سبحانه كونه قادرًا خالقًا بارئًا مصورًا، حيًا، قيومًا عليمًا، سميعًا، بصيرًا، محسنًا، جوادًا، كريمًا، معطيًا، مانعًا. وقل ذلك في بقية الأسماء والصفات.
إذاً فكل أثر من آثار الإيمان بالأسماء الحسنى هو في الحقيقة راجع إلى ما يتضمنه اسم "الرب" سبحانه وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
((إن ربوبيته سبحانه إنما تتحقَّق بكونه: فعَّالاً مُدبِّرًا؛ متصرِّفًا في خلقه؛ يعلم، ويقدر، ويريد، ويسمع، ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته، انتفت ربوبيته، وإذا انتفت عنه صفة الكلام، انتفى الأمر والنهي ولوازمها، وذلك ينفي حقيقة الإلهية)) [مختصر الصواعق المرسلة/ ٢-٤٧٤].
ويقول أيضًا: إن "الرب": هو القادر الخالق البارئ المصور؛ الحي القيوم؛ العليم السميع البصير؛ المحسن المنعم الجواد؛ المعطي المانع؛ الضار النافع؛ المقدم المؤخر؛ الذي يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء؛ ويُسعد من يشاء، ويُشقي ويُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء؛ إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى. [بدائع الفوائد/ ٢-٢١٢]
الرضا التام بالرب سبحانه وتعالى –حكما ومشرّعا: -
فالإيمان باسم "الرب" – عز وجل – وما يتعلق به من صفات يقتضي الرضا به سبحانه ربًا وإلهًا وحاكمًا ومشرعًا، لأن الرضا بربوبيته – عز وجل – هو رضا العبد بما يأمره به ربه وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدره عليه، ويعطيه إياه ويمنعه منه.
فمن لم يحصل الرضى بذلك كله لم يكن العبد قد رضي به ربًا من جميع الوجوه، ولا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يأتي بكل موجبات الربوبية ولوازمها. وهذا معنى قوله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً».
ومتى ذاق العبد طعم الإيمان فلا تسأل عن سعادته، وأنسه، وطمأنينته وثباته، ولو احتوشته البلايا والرزايا. كما أن من هذا شأنه فإن طاعات الله – عز وجل – تسهل عليه وتلذ له، كما يكون في قلبه كره معاصي الله – عز وجل – والنفور منها.
المحبة التامة الكاملة للرب –سبحانه وتعالى -: -
لما كان من معاني "الرب" أنه الذي يربي عباده، وينقلهم من طور إلى طور، وينعم عليهم بما يقيم حياتهم ومعاشهم، وهو الذي أحسن خلقهم وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فإن هذه المعاني من شأنها أن تورّث في قلب العبد المحبة العظيمة لربه سبحانه، وحب ما يحبه ومن يحبه، وبغض ما يبغضه ومن يبغضه، والمسارعة في مرضاته، وتعظيمه وإجلاله وشكره وحمده الحمد اللائق بجلاله وعظمته وسلطانه وإنعامه.
القوة واليقين التام في التوكل على الرب –سبحانه وتعالى -: -
لما كان من معاني "الرب" أنه المتكفل بأرزاق خلقه، وعنده خزائن السماوات والأرض له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإن هذه الصفات تورث في قلب العبد العارف لربه سبحانه قوة عظيمة في التوكل عليه سبحانه في جلب المنافع، ودفع المضار، وفي تصريف جميع أموره فلا يتعلق إلا بالله تعالى ولا يرجو إلا هو، ولا يخاف إلا منه سبحانه إذ كيف يتعلق بمخلوق ضعيف مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فهو سبحانه وتعالى وحده من بيده جلب المنافع ودفع المضار، وتفريج الكروب، وقضاء الحاجات، فيزيد كل هذا العبد يقينا فيه سبحانه وثقة، فيلجأ إلى ربهم ويتضرعون إليه في الشدائد والملمات وينفضون أيديهم من كلٍ سوى الله –عز وجل –وكلما عرف العبد ربه بأسمائه وصفاته أثر هذا في دعائه وقوة رجائه، ولجوئه، وتضرعه لربه سبحانه والوثوق بكفايته سبحانه وقدرته على قضاء حوائج عباده.
التعرف الحقيقي على الغاية التي خلق "الرب" العباد من أجلها: -
فالإيمان باسم "الربّ" سبحانه وما يستلزم من الأسماء والصفات، يتضمن تعريف الناس غايتهم التي خلقوا من أجلها، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، فكونه رب العالمين لا يليق به أن يترك عباده سدىً هملاً لا يعرفهم بنفسه ولا بما لا ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يضرهم فيها، فهذا هضم للربوبية، ونسبة للرب إلى ما لا يليق قال تعالى:﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾[المؤمنون: 115].
الإقرار بربوبية الله عزَّ وجل يقتضي ويستلزم توحيد الله عز وجل وعبادته لا شريك له، إذ إن الخالق لهذا الكون وما فيه والمتصرف فيه بالإحياء والإماتة، والخلق والرزق، والتدبير هو المستحق للعبادة وحده، إذ كيف يُعبَد مخلوق ضعيف، ويُجعَل نداً لله تعالى في المحبة والتعظيم والعبادة، وهو لم يخلق ولا يملك لنفسه تدبيراً فضلاً عن أن يملكه لغيره، وهذا ما احتج الله -عز وجل -به على المشركين الذين أقرّوا بربوبيته سبحانه، لكنهم لم يعبدوه وحده، بل أشركوا معه غيره، وقد جاءت هذه الاحتجاجات الكثيرة في القرآن الكريم بأساليب متنوعة منها: قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾[الزمر:38].
الإقرار بألوهية الله وربوبيته المطلقة: -
الإيمان بهذا الاسم له الأثر العظيم في نفس العبد وسلوكه، فالإيمان بأن الله ربٌّ له الربوبية المطلقة - وهو ما لا يجادل به أهل الشرك - يلزم منه الإقرار بألوهيته سبحانه، لأن الخالق والمدبّر والرازق والحافظ والمالك هو وحده الذي يستحق العبادة، وهذا أمر عقليٌّ لا ينبغي أن يُنازَع فيه، فكيف يكون هذا ثابتًا له على سبيل التفرد ثم يُعبَد معه غيره، فضلًا عن أن يُترَك هو ويعبد غيره، وهذا الاحتجاج في القرآن الكريم كثيرٌ جدًّا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 21-22] وقال سبحانه :﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾[المؤمنون: 84-89]، فالإيمان بأنه سبحانه ربٌّ يلزم منه الإيمان بجميع الصفات والأسماء التي أثبتها لنفسه جل وعلا، فتكون آثار الإيمان بهذه الأسماء والصفات من آثار الإيمان باسم (الرب).
يقول ابن القيم رحمه الله في هذا: [إن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعّالًا مدبِّرًا متصرِّفًا في خلقه يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته انتفت ربوبيته]. ["مختصر الصواعق" 2/474]
دعاء الله تعالى باسمه "الربُّ": -
وقد رد الدعاء بالاسم المقيد في نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليم﴾[البقرة:127]، وأيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِل عَليْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلتَهُ عَلى الذِينَ مِنْ قَبْلنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة:286]. وقوله سبحانه:﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾[الإسراء:80]، وقوله:﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[يونس:10].
وعن شدّاد بن أوسٍ: أن النبي قال: «سيِّد الاستغفار: اللهم أنتَ ربي لا إلهَ إلا أنت خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِكَ ووعدِك ما استَطعت أبُوءُ لك بنعمتك، وأبوءُ لك بذنبي فاغفِرْ لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، إذا قال حينَ يُمسي فمات؛ دخل الجنَّة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حِينَ يُصبح فمات من يومِه دخل الجنَّة».