أن يعتقد أن الله تعالى هو "الرفيق"، فيُوَحِّده بذلك -سبحانه وتعالى -ويدعوه -جل وعلا -بهذا الاسم المشرف أن يرزقه الرفق واللين، وأن يُوسِّع صدرَه، وأن يُبعد عنه أسبابَ العجلة وأسباب الغضب، وأن يُكثر من الدعاء، يقول: يا رفيق افتَحْ عليَّ بالرفق... يا رفيق ارحمني... و يا رفيق خُذْ بيدي... يا رفيق علمني... كل الأمور التي يدعوها ويكثر منها، قالت السيدة عائشة: سمعت النبي وأصغتْ إليه قبل أن يموت وهو مسند ظهره يقول: »اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى«.
ينبغي للمسلم أن يأخذ حظه من عبودية اسمه تعالى "الرفيق"، ويكون رفيقًا في أموره وجميع أحواله غير عجل فيها، فإن العجلة من الشيطان [الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، 1/557]، وقد قال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة».
على المسلم أن يجعل الرفق قائده ودليله ليصل إلى قلوب العباد، ويؤثر فيهم، فيكون لأمره ونهيه وقعًا في قلوبهم، وعونًا لهم على فعل المعروف وترك المنكر [منهج الإمام ابن القيم في شرح أسماء الله الحسنى للغامدي/ 410]، وقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»
أن يحب العبد ربَّه جل وعلا على ما رحمه ورفق به في شرعه وفي أقداره، وينتج عن هذا الحب لله عز وجل شكره، صرف جميع ما أنعم به عليه في طاعته ومرضاته، ثم إن التمتع بالرخص الشرعية التي سمح بها الله عز وجل هو من قبيل التعبّد له باسمه "الرفيق" يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفهًا وراحة، وأن يكون متابعة وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحة لا ينافي الصدق، فإن هذا هو المقصود منها، وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن، "الرفيق" فإنه رفيق يحب الرفق) [المدارج 2/282]
الله "رفيق" يحب أن تكون كل الأمور برفق، ويحب من عباده من كان رفيقاً بخلقه، لين الجانب، حسن التعامل، ويثيب على ذلك ما لا يثيب على العنف والشدة، وهو رفيق في جميع الأمور، قال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق، ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه«، فهذا خلق عظيم ومحبوب لله سبحانه وتعالى، فالمسلم ينبغي له أن يتصف به دائمًا.
المؤمن من صفاته أنه رفيق لطيف، وإذا كان معك فظله خفيف، لا ينتقد، لا يحاسب، لا يدقق، لا يؤاخذ، لا يقسو، لطيف، المؤمن لين العريكة، يألف ويؤلف. والحقيقة أنْ ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يصلي، هناك فرق جوهري كبير جداً، حينما تعامل المؤمن تراه لطيفاً، وحينما ترافق المؤمن ترى ظله خفيفاً، وحينما تتعامل مع المؤمن تراه سمحاً، تراه عَفوًّا، تراه متسامحاً، فذلك التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، والتخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به.
التوسل إلى الله بالتخلق بصفة الرفق، وغيرها من الصفات الحسنة، فالمفترض أن المسلم ما من اسم من أسماء الله الحسنى إلا وله منه موقف، إذا كان من أسماء الله الحسنى أنه عفو كريم فينبغي أن يعفو عمن ظلمه، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمُرُ بِالْعُرْفِ" وَقِيلَ:(بِالْمَعْرُوفِ ).
إثبات ما يتضمنه اسم الله "الرفيق" من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له: فـ "الرفيق" سبحانه هو اللطيف بعباده، القريب منهم، يغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم، وهو الذي تكفل بهم من غير عوض أو حاجة، يسّر أسبابهم، وقدّر أرزاقهم، وهداهم لما يصلحهم، فنعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة، يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم، ويقربهم وينصرهم على عدوهم، ويعاملهم بلطف وعطف ورحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التفكر والتذكر والتوبة والإيمان، فهو "الرفيق" المحسن في خفاء وستر، يتابع عباده في حركاتهم وسكناتهم، ويتولاهم في حلهم وترحالهم بمعية عامة وخاصة، العالم بخفايا أمورهم، والخبير ببواطن شؤونهم.
محبة الله "الرفيق": إن من رأى آثار لطف الله ورفقه بعباده، في خلقه، وشرعه، وقدرته، ورأفته ورحمته، مع غناه سبحانه عن خلقه؛ أحب ربه وعظمه، وأجله وحمده، ووحده، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ ازْدَادَ حُبًّا لِلَّهِ، وَازْدَادَ إِجْلَالًا وَحَمْدًا وَشُكْرًا، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَسْمَاءَهُ وَيُحِبُّ الْمُتَّصِفِينَ بِهَا -عَدَا مَا بَغَضَهُ لِعِبَادِهِ مِنْهَا-، فَاللَّهُ رَحِيمٌ يُحِبُّ الرُّحَمَاءَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكُرَمَاءَ، رَفِيقٌ يُحِبُّ الرُّفَقَاءَ، ومحبته سبحانه وتعظيمه وإجلاله حيث ظهرت آثار لطفِهِ ورِفْقِهِ بعباده في خلقه وشرعه مع قدرته وغناه عن خلقه.
الرفق في أخذ الدين، وعدم التشدد: -فالإسلام دين يسر وسهولة، لا يكلف بما لا يطاق، والنبي ﷺ كان ينهى عن تكليف النفس فوق ما تطيق ولو كانت عبادة، يقول ﷺ: »إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة«، يقول الشيخ السعدي في شرح الحديث: (ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة، فقد أسس ﷺ في أوله هذا الأصل الكبير، فقال ((إن الدين يسر)) أي: ميسّر مسهّل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه، فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصّل مقتديها إلى أجلّ غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة … وأما من شدّد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي ﷺ، ولا بما علمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال ﷺ: ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه))، فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى.
ومن الرفق في أخذ الدين: "الترخص برخص "الرفيق" سبحانه، واستشعار العبودية في ذلك، وابتغاء محبته ورضاه، فعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: »إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تترك معصيته« وفي حديث حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ: »هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه«
الرفق في كل الأمور، اقتداء برسول الله ﷺ: -كان نبينا محمد ﷺ أرفق الناس، وشواهد رفقه في سنته ظاهرة، ودلائل حلمه وأناته في سيرته واضحة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الرفق والأناة في تعامله مع الناس ودعوته إلى دين الله، ومعالجته لما قد يقع من أخطاء ومخالفات، ومن شواهد ذلك:
عن أنس قال: أن أعرابيا بال في المسجد فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ: »لا تزرموه«، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه. يبول في مسجد رسول الله ﷺ، ومع ذلك فالنبي ﷺ يقول: »دعوه، ولا تزرموه«، ولم يكن منه ﷺ إلا أن دعا بدلو من ماء فصب عليه.
فحلّ النبي ﷺ المسألة ببساطة وبغير فظاظة، لا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره، وفي رواية أن هذا الأعرابي قال وهو في الصلاة: (اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا)، فلما سلّم النبي ﷺ قال للأعرابي: »لقد حجّرت واسعا«
عن عائشة أنها قالت: (استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال ﷺ: »يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله«، قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: »قلت: وعليكم«
عن أبي هريرة أنه قال: أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهم به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ: »دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا«، ثم قال: »أعطوه سنًّا مثل سنِّه«، قالوا: يا رسول الله، إلا أمثل من سنه، فقال: »أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء«
بل إن من وصايا النبي ﷺ العامة: الرفق في كل الأمور، ففي الحديث: «إنه من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة، الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار.
أن يكون المرءُ مثالًا لهذا الرفق الذي ورد في حديث السيدة عائشة حين قال لها سيدنا النبي ﷺ: »مَهْلًا يَا عَائِشَةُ.. إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ« ولا يتحقق هذا الأمر إلا بمجاهدة النفس عليه؛ فإذا شتم أحدٌ شخصا، فإن المشتوم لن يترك من شتمه، ونفسه بالأخص لن تتركه أو تقول له: "كن رفيقًا"!، بل ستقول له: "اشتمه مثلما شتمك واضربه...إلخ"، وعليك هنا بالرفق والحلم، بالرفق حال أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر. ويقول قائل: "لِمَ.. فهذا غضبٌ لله؟!" والجواب: إذا أنكرتَ هذا المنكر كما تقول ولم يذهب هذا المنكرُ بل بقي، أو زاد، أو صددت بسبب ذلك عن سبيل الله تعالى، فأين المنكر الذي أزلتَ؟ أو أين أثر الإنكار الذي قمت به؟ فهذا الحظُّ بالذات من حظوظ المرء من اسم الله تعالى "الرفيق" يحتاج إلى المجاهدة، وإلى مكافحة النفس على التخلُّق بهذه الأخلاق الحسنة، وإلى التريُّث في اتخاذ القرارات الصعبة التي تُوجِد البغضاءَ والعَداوةَ بين الناس والشِّقاقَ والفُرقةَ، ويترتب عليها الشَّتمُ واللعنُ والسَّبُّ والقطيعةُ وغير ذلك. فيتعلم المرءُ أن يكون رفيقًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويتعلم المرء كذلك أن يكون رفيقًا في أخذه وعطائه وتناوله، وأن يكون رفيقًا تاركًا للشدة والعنف ينتظر الثواب، وينتظر تحصيلَ أغراضه التي يريدها ومطالَبه التي يود تحصيلَها كما ذكرنا في الحديث. فلا تتحقق هذه الأغراض ولا يمكن تحقق هذه المصالح إلا بالرفق كما ذكر النبي .
الرفق في التعامل مع الخلق: -فحقيقة الرفق هي: التحكم في هوى النفس ورغباتها، وحملها على الصبر والتحمل والتجمل، وكفها عن العنف والتعجل، والعلم بأن الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، والرفق بالترفق، وحسن الخلق كله بالتخلق، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه. يقول ابن الجوزي: (اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب؛ فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد، وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار؛ فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء.
قال ابن المبارك -في قوله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾[الحج: ٧٨] قال: هو جهاد النفس والهوى. [ذم الهوى، لابن الجوزي/ ص ٤٠]
ومن مظاهر رفق المؤمن بغيره ما يلي:
الرفق بأهل البيت خاصة:
فإن أولى الناس بالحلم والرفق واللين: الأهل وذوو الأرحام، يقول ﷺ في ذلك: إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق، ويقول:»خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي« وقد ورددت نصوص كثيرة في الرفق بأهل البيت، منها:
الرفق بالوالدين، يقول تعالى:﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾[الإسراء:٢٣-٢٤].
الرفق بين الزوجين، فقد أوصى النبي ﷺ بالنساء خيرا في قوله:» استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء «، وأخبر ﷺ عن الزوجة الصالحة الخيرة بقوله: ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: كل ولود ودود، إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب –أي: زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى«
الرفق بالأبناء، وفي ذلك روى أبى هريرة، أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبّل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: »من لا يرحم لا يرحم«
الرفق مع عامة الناس: يقول ابن القيم: (من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه). [الوابل الصيب، لابن القيم /ص: ٣٥] وفي هذا المعنى شواهد نبوية كثيرة، منها:
قوله ﷺ لعائشة: »يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه«.
قوله ﷺ: »يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله«
الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله، أو التعامل مع المخالف، يقول سبحانه في بيان هذه العلة: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾[آل عمران: ١٥٩]، ويقول تعالى:﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾[النحل: ١٢٥]، وعن عبد الله بن مسعود، قال: (إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبا، فلا تكونوا أعوانا للشيطان عليه، أن تقولوا: اللهم أخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية، فإنا أصحاب محمد ﷺ كنا لا نقول في أحد شيئا، حتى نعلم على ما يموت، فإن ختم له بخير علمنا - أو قال: رجونا -أن يكون قد أصاب خيرا، وإن ختم له بشر، خفنا عليه عمله(
الرفق بالحيوان والنبات ونحوه: ومن الرفق بالحيوان أن يدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش والجوع، والمرض، والحمل الثقيل: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: »بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر.
ومن الرفق بالنبات ونحوه قوله تعالى:﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[الأعراف:٥٦]
الحرص على نيل ثواب الرفق: الله سبحانه رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه بثواب الدنيا والآخرة، ومن ذلك:
تحريم النار على كل لين سهل رفيق: قال ﷺ: »ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل«، وفي رواية: »قريب من الناس«
الخير الجزيل منه سبحانه: ففي الحديث: »من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير« وقال ﷺ: »من يحرم الرفق يحرم الخير«، ودعاؤه ﷺ لمن يتولى أمر المسلمين ويرفق بهم في قوله ﷺ: »ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به«
فاللهم ارزقنا الرفق في الأمور كلها، وارفق بنا، واشملنا بعطفك ورحمتك وغفرانك، اللهم ارزقنا الحلم والأناة، واهدنا إلى ما تحبه من الأعمال والأخلاق.