التعبد باسم الله (البديع):
الآثار الإيمانية لاسم الله (البديع)
الإيمان بأنَّ الله عزّ وجل هو: (البَديع) الذي أوْجدَ الأشياء بصُورةٍ مُخترعة، على غير مثالٍ سَبق، فهو سُبحانه المُبْدع للسموات والأرض؛ والمُخْترع لهما، والـمُوجِد لجميعِ ما فيهما.
عبودية الكون كله للبديع وشهادتهم له بالتوحيد: -وإذا كان كذلك، فكلُّ مَنْ في السماوات والأرض مِنْ إيجاده وخَلْقه وإبْداعه، وكلهم لله عبد خاضعٌ له، قال سبحانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم93 –95]، وإذا ثبتَ أنَّ كلَّ ما في السماوات والأرض؛ مِنْ إيجاده وإبْداعه، ثبتَ أنه داخلٌ في عبادِه ومُلكه، فيستحيل أنْ يكونَ ولداً له.
الدُّعاء بهذا الاسم، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد؛ ورجل يُصلي؛ فقال: اللهمَّ أسْألك بأنّ لك الحَمدُ؛ لا إله إلا أنتَ؛ الحنَّانُ المنَّانُ؛ بديعُ السماوات والأرض، يا ذا الجَلال والإكْرام، يا حيّ يا قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” دعَا الله باسْمهِ الأعْظم؛ الذي إذا دُعي به أجابَ، وإذا سُئل به أعْطَى”.
التفكر في الكون وما فيه من نعم ومخلوقات، وفي مظاهر الإبداع فيه، وما تورثه في قلب العبد من إيمان وتسليم بوحدانية الله -عز وجل- وقدرته، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
حظ المؤمن من اسم الله البديع الإبداع في الدنيا، وترك الابتداع في الدين؛ فيبدع في التفاعل مع الكون ويبدع في الزراعة والصناعة، وسائر المجالات، ويعمر الأرض بإبداعه بما فيه خير البشر
التفكر في الكون وما فيه من نعم ومخلوقات:- التفكر في مظاهر الإبداع فيها, وما تورثه في قلب العبد من إيمان وتسليم بوحدانية الله -عز وجل- وقدرته, قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:191]، فقد خلق الله -سبحانه وتعالى- الكون وخلق الإنسان ليعبد الله ويتفكر في بديع خلقه وكائناته, فلم يخلق أي شيء عبثا، كل مخلوق وله عمله الموكل إليه في هذه الحياة.
محبة بديع السماوات والأرض سبحانه:
من آمن بأنه سبحانه بديع لا مثيل له ولا شبيه، وأنه المبدع الذي فطر الخلق ابتداء من غير مثال سبق، فهو سبحانه خلق فأبدع في خلقه- من علم كل هذا لزمه محبة البديع سبحانه ذي الصفات العلا جل شأنه.
أن يتجنب البدعة ويلازم السنة، فلا يكون مُبتدعاً، والدين توقيفي، فالدين هو ما جاء به النّبي ومن بعد وفاة النبي انقطع الوحي.
فنحن مسموح لنا أن نُبدع في الخلق، وليس مسموحاً لنا أن نُبدع في الدين؛ لأنَّ البدعة في الدين هي ضلالة قولاً واحداً؛ كلُّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يقول عليه الصّلاة و السّلام: (مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ)
زيادة يقين المسلم بأحقية الله بالربوبية، وامتثال العباد للألوهية سبحانه، وإيمانهم الكامل بحسن أسمائه وجميل صفاته لأنه (البديع): -
لذلك ذهب جمع من أهل العلم على اعتبار أن اسم “البديع” أو “بديع السماوات والأرض” هو اسم الله الأعظم؛ لتجلي الكثير من الصفات الربانية فيه.
فانتساب أي جمال في الكون أو تناسق في المخلوقات ليس لقوانين الطبيعة ولا المعادلات الفيزيائية أو الجيولوجية فقط، بل أولا وآخرا لأن الله هو البديع الذي لا مثيل له ولا شبيه، لا في ذاته، ولا في صفاته أو أفعاله، ومن تأمل في آيات الله الكونية رأى الجلال والإجلال والمهابة لهذا الإله العظيم، خالق هذا الكون على أحسن صورة، وقد وردت آيات كثيرة تدعو إلى النظر في الكون، وما فيه من آيات باهرة عظيمة، ومنها:
الدعوة للنظر في عجائب السماء، يقول تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾ [الملك:٥] أي: ((ولقد جملنا ﴿السماء الدنيا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بمصابيح﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفا مظلما، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وجمالا، ونورا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زيّن السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها)) [تفسير السعدي (ص ٨٧٥)]
الدعوة للنظر في عجائب الأرض، في قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [الرعد:٤]، فمن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته: ((أن جعل في ﴿الأرض قطع متجاورات وجنات﴾ فيها أنواع الأشجار ﴿من أعناب وزرع ونخيل﴾ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها ﴿صنوان﴾ أي: عدة أشجار في أصل واحد، ﴿وغير صنوان﴾ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع ﴿صنوان يسقى بماء واحد﴾ وأرضه واحدة ﴿ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾ لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مرة، وهذه بين ذلك)) [تفسير السعدي (ص412)].
الدعوة للنظر في عجائب البحار، ومنه قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن١٩-٢١].
والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تعالى جعل بينهما برزخا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل النفع بكل منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرا مسخرا للسفن والمراكب)) [تفسير السعدي (ص٨٣٠)]].
الدعوة للنظر في عجائب الليل والنهار، يقول تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾ [الإسراء:١٢]، فمخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لتبتغوا فضلا من ربكم﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [القصص:71-73]، ومن المعلوم أن من ازداد تأملا وتفكرا في خلق الله تعالى؛ ازداد إيمانا ويقينا بكمال قدرة البديع وجماله، وهذا يقر في نفس المؤمن توحيد الله بالألوهية والربوبية.
يقول ابن القيم في ذلك: ((وانفراد الله بالخلق والإبداع ونفوذ المشيئة، وأن الخلق أعجز من أن يعصوه بغير مشيئته، وهذا شاهد لتفرد الله بالخلق والإبداع وأنه لا حول ولا قوة إلا به)) [مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٥)]