عدم التعرض لسخط الجواد:
ينبغي للعبد وقد عرف فضل "الجواد" وجوده وعطاءه وأن العطاء أحبُّ إليه من المنع، والعفو أحبُّ إليه من الانتقام؛ أن لا يتعرض لغضبه سبحانه بفعل مساخطه وارتكاب مناهيه، فإن من فعل ذلك فقد استدعى من "الجواد" الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبِر، وتعرّض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطُه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحبُّ إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. [مدارج السالكين-1/212-213]
لا بد أن يتأثر العبد بجود "الجواد" جل في علاه، فيكون العبد جوادا كريما، منفقا مما عنده، شطر ما عنده، أو ربع ما عنده، أو ثلث ما عنده، أو خمس ما عنده، تقربا لله جل في علاه، حتى يكتب عند الله جوادا.
اسم الله "الجواد" فيه إثبات صفة الجود والكرم والعطاء لله سبحانه وتعالى، فليس لجوده وكرمه مثيل ولا شبيه.
وهذا الاسم الكريم "الجواد" له أثر في تهذيب نفوس العباد الشحيحة، فالإنسان من طبعه أنه يحب المال حباً كثيراً، قال تعالى:﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾[الفجر:٢٠]، فغريزة حب المال والتملك تحتاج إلى تهذيب وتزكية، فالعبد إذا تعلّق باسم ربه "الجواد" فإنه يحب أن يتحلّى بهذا الخلق الكريم، فيصبح جواداً مع الناس، وإذا تأمَّل هذا الاسم الكريم واستشعره، سَهُل عليه البذل والإنفاق والعطاء.
وهكذا كان حال نبينا ﷺ، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير مِن الريحِ المرسَلة"
محبة الله؛ لكرمه وجوده: -
وذلك لنعمه التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، ثم السعي لتحقيق أثر هذه المحبة القلبية من خلال الأعمال القولية والفعلية، فيصرف العبد حينئذ جميع ما أكرمه "الجواد" به وجاد به عليه في طاعته تعالى، وفعل ما يحبه ويرضيه، واجتنب ما يكرهه ويسخطه، ثم إن كان هذا كله لزم منه أن يحبه الله عز وجل، كما قال سبحانه:﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾[آل عمران: 31]، فإن أحبه رزقه معيّته ونصره ومعونته، وأدام عليه نِعَمه بشكره. الحياء مع الله سبحانه وتعالى والخوف منه والتأدب معه، إذ إنه رغم المعاصي التي يبارزه بها عبده إلا أنه لم يمنع عنه عطاءه ولم يقطع عنه إمداده.
من أعظم منح الله تعالى إذا آمن العبد باسم الله "الجواد" أن يرزقه: التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، والطلب منه سبحانه دون غيره، لأنه وحده المعطي بلا سبب، وبلا حد، وبلا مقابل.
وَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ الْمُوقِنُ هُوَ مَنْ يَتَّصِفُ بِصِفَةِ الْجُودِ؛ فَقَدْ جَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ».
وَهُنَا يَطْمَعُ الْمُؤْمِنُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ الْجَوَادَ سَيَجُودُ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ وَبَرَكَاتِهِ وَإِحْسَانِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾[الْحَدِيدِ:11] وقال تعالى:﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾[الرُّومِ: 6]؛ فَهُوَ يُنْفِقُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ.
وَنَبِيُّنَا ﷺ أَجْوَدُ الْخَلْقِ جَمِيعًا؛ فَهُوَ أَجْوَدُ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مِنَ الْخَيْلِ الْمُرْسَلَةِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ؛ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ"، وَمَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا".
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا *** كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ
جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: "أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ" فَأَبَى. فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي؟ فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي، فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ» ؟!" قَالَهَا مِرَارًا، فَأَتَى امْرَأَتَهُ؛ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ، اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا"
الدعاء بما يناسب اسم الله الجواد
فقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يدعو: الله إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك).
من آثار توحيد المسلم لله في اسمه الجواد...
كثرة الجود في سبيل الله، وأعلاه أن يجود بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا، وأن يجود بالرياسة ويمتهنها بالتواضع لفقراء الناس وحاجتهم، وأن يجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه تعبا وكدا في مصلحة غيره، وأن يجود بالعلم وهو من أعلى مراتب الجود، وهو أفضل من الجود بالمال لأن العلم أشرف من المال، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ أن لاينفع به بخيلا أبدا، ثم الجود بالمنزلة والشرف والجاه في الشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحو ذلك، ثم الجود بالمسامحة لمن شتمه أو قذفه أن يجعله في حل، وكذلك الجود بالصبر والاحتمال والخلق والبشر والبسطة، وترك ما في أيدي الناس من النعم فيغبطهم عليها ولا يلتفت بحسد إليها، ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجود وكثرة العطاء فإنه يحرص على مواقع فضله ورحمته تعالى، فإنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين فهو يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وذلك أن الفضل كله بيده والخير كله منه.