إذا تأمل العبد في اسم الله "الحكم" وما يتضمنه من كمال الحكم الصادر عن ملك مطلق، وعلم تام، وخبرة كاملة، وحكمة عظيمة، وعدل لا جور معه، ورحمة بلغت أن كانت أرحم من الوالدة بولدها، بل صدرت ممن له الكمال المطلق الذي لا شيء يقربه ولا يماثله لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾[الشورى:١١] [تفسير ابن كثير٣/ ١٣١] فلا نقص في حكمه ولا عيب ولا خلل ولا إخلال، ولو فرضت العقول وقدرت أكمل ما يكون من الأحكام لكان حكمه أجل وأعظم.
إذا تأمل العبد ذلك كله؛ ساقه لتوحيد الحاكم الحكيم في الحكم، فانقاد لحكمه، كما قال تعالى:﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[النور: ٥١].
وكما قال ﷺ:» وبك خاصمت، وإليك حاكمت «، ولم يرض حاكما سواه، ولا حكما غير حكمه، قال سبحانه:﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾[الأنعام: ١١٤]، أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه؛ فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم، وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور. [تفسير السعدي /ص ٢٧٠]
وقد قرر سبحانه أن الحكم كله له وحده لا شريك له، في مواضع عدة من كتابه بأساليب مختلفة، منها:
بيان اختصاصه بالحكم، قال تعالى:﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾[الأنعام: ٥٧]، وقال سبحانه:﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾[القصص: ٨٨]، وقال:﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾[الأنعام: ٦٢].
بيان كمال حكمه، قال تعالى:﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَكِمِينَ ﴾[الأعراف: ٨٧]، وقال سبحانه:﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾[المائدة: ٥٠]، وقال:﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾[التين: ٨].
الأمر برد الحكم إليه ولرسوله ﷺ، قال تعالى:﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾[النساء: ٥٩]، وقال:﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾[الشورى: ١٠].
الأمر بتحكيم كتابه، قال تعالى: ﴿ وَأَنُ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾[المائدة: ٤٩]
نفي أن يكون له شريك في الحكم، قال تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾[الكهف: ٢٦].
الإنكار والتشنيع على من اتخذ حكما غير حكمه، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾[النساء:٦٠]، وقال سبحانه:﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾[المائدة:٥٠]
قال العلامة ابن كثير: ((ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله -المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر -وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية). [تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١]
فتبين مما سبق: أن توحيد الله سبحانه في الحكم، وتحكيم شرعه واجب وفرض متعين على الفرد، والمجتمع، ومن لم ير الكفاية في شرع الله تعالى فأعرض عنه أو بدله بغيره ولو في بعضه؛ فإن هذا العمل شرك في الطاعة والاتباع، وشرك في توحيد الربوبية أيضا؛ لأن من خصائصها السيادة، والحكم والتشريع، وكلها حق لله تعالى لا يجوز صرفها لغيره سبحانه). [ينظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم /ص ٢٧٦، وما بعدها]، و[القول المفيد شرح كتاب التوحيد، لابن العثيمين /٢-١٤٩وما بعدها].
ومن تأمل في وحدانية الله بالحكم المشتمل على الحكمة؛ دلّه ذلك على نوع آخر من التوحيد، ألا وهو توحيد الألوهية، فعلم أن من بيده الحكم وإليه الأمر والشرع هو المستحق وحده أن يفرد بالعبادة؛ فإن كل من دونه محكوم عليه لا حاكم، ليس له من الأمر شيء، قال تعالى:﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾[يوسف40] [تفسير السعدي (ص ٢٧٠)] وقال تعالى:﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾[القصص: ٨٨]، وقال جل جلاله:﴿ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[سبأ:٢٧].
ودله-أيضا-على توحيد الأسماء والصفات، فعلم أن من له الحكم لا بد أن يكون سميعا بصيرا عليما خبيرا متكلما قادرا مدبرا، إلى غير ذلك من أسماء وصفات كماله سبحانه، قال تعالى:﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[النحل:٦٠]، وقال سبحانه:﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[الروم:٢٧].
التعامل مع أحكام "الحكم" بما يحب: -
إذا تأمل العبد في اسم الله "الحكم" وشهد آثاره في خلقه وشرعه، تعامل مع أحكامه سبحانه بما يجب عليه تجاهها، وقد أوضح ذلك ابن القيم، فقال:
الأحكام ثلاثة:
فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض بذوق ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارا وتصديقا؛ بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذا وعملا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر.
ومن التسليم: عدم السؤال عن تفاصيل الحكمة؛ ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت نبيها، وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادت، وسلمت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها … بل يسلم لأمر الله وحكمته، ممتثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر، أو فقهها العقل، كانت زيادة في البصيرة والداعية في الامتثال، وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده، ولم يقدح في امتثاله. [الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة /٤ -١٥٦٠ -١٥٦١]
الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري:
الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني –أيضا -فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: (نفر من قدر الله إلى قدر الله).
ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه، فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته، ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر الله بقدره، وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفئ قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله، هكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض، فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه، فإذا غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.
الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني:
الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته؛ فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر، وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة، مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي: أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط، ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم "الحكم" ﷻ، وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره. [طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٧ -٣٨)]
الحكم بما أنزل "الحكم": -
إذا علم العبد أن ربه "الحكم"، الذي من رحمته وحكمته أن جعل التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ لأنه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز والجهل؛ سعى لتحكيم شرعه في نفسه وحياته كلها، لسان حاله ومقاله:﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾[الأنعام: ٥٧].
وتحكيم شرع الله يعني: إعمال شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بأمر الفرد والمجتمع والدولة، من معاملات وجنايات وعلاقات دولية وتجارية وشخصية.
فيشمل ذلك:
عدم التسمي باسم "الحكم"
الله سبحانه هو "الحكم" الحق الذي لا يليق أن يوصف غيره بهذا الاسم؛ فعن هانئ بن يزيد، أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: »إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم« فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله ﷺ: »ما أحسن هذا، فما لك من الولد«؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله. قال ﷺ: »فمن أكبرهم«؟ قلت: شريح. قال ﷺ: »فأنت أبو شريح«.
فغيّر رسول الله ﷺ كنيته (أبا الحكم)؛ كراهية لتكنيه بهذا الاسم والتسمي به. [ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٥٧ – ٢٥٨]
قال الشيخ ابن عثيمين: (غيّره النبي ﷺ لأمرين: -
الأول: أن "الحكم" هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله!
الثاني: أن هذا الاسم، الذي جعل كنية لهذا الرجل، لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم؛ فصار بذلك مطابقا لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركا لله في ذلك، ولهذا كناه النبي ﷺ بما ينبغي أن يكنى به) [القول المفيد على كتاب التوحيد ٢/ ٢٦٣]