اليقين بأن الله –تعالى -هو الشافي: -
فالله هو "الشافي"، ولا شافي إلا هو، ولا شفاء إلا شفاءه، ولا يرفع المرض إلا هو، سواء كان مرضاً بدنياً أو نفسياً، قال تعالى:﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[الأنعام: 17].
ولأنه هو "الشافي" –سبحانه وتعالى –فإنه لم ينزل داء إلا وأنزل معه دواء، وله أسباب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-أن النبي -ﷺ قال: «ما أنزل الله داءً إلا وأنزل معه شفاء».
اليقين بأنه لا شفاء إلا شفاء الله: -
شِفاءُ اللهِ لا شِفاءَ غَيرُه، وشفاءُ المخلوقين ليس إلَّا سببًا، و"الشافي" حقيقةً هو اللهُ؛ فليس الطَّبيبُ ولا الدَّواءُ هما اللذان يَشْفِيان، بل الطَّبيبُ سَبَبٌ، والدواءُ سَبَبٌ، فإذا عَلِمَ العبدُ ذلك لم يُعَلِّقْ قَلْبَه بغيرِ اللهِ ولم يتوجَّهْ بطَلَبِ الشِّفاءِ إلَّا منه وَحْدَه سُبحانَه . كما قال اللهُ تعالى حكايةً عن خَليلِه إبراهيمَ عليه السَّلامُ :﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء:80]. قال ابنُ عطيةَ: ((أسند إبراهيمُ المرَضَ إلى نَفْسِه والشِّفاءَ إلى الله عَزَّ وجَلَّ، وهذا حُسنُ الأدَبِ في العبارةِ، والكُلُّ مِن عندِ اللهِ تعالى)).
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أهْلِهِ، يَمْسَحُ بيَدِهِ اليُمْنَى ويقولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا». قال ابنُ القَيِّمِ: ((ففي هذه الرُّقْيةِ توسُّلٌ إلى اللهِ بكَمالِ رُبوبيَّتِه، وكَمالِ رحمتِه بالشِّفاءِ، وأنَّه وَحْدَه الشَّافي، وأنَّه لا شِفاءَ إلَّا شِفاؤُه؛ فتضَمَّنَت التوَسُّلَ إليه بتوحيدِه وإحسانِه ورُبوبيَّتِه)) [الطب النبوي 140]
ولو شاء الله لَخَلَق الشِّفاءَ بلا سبب؛ ولكن لما كانت الدنيا دار أسباب، جرت السُّنَّةُ فيها بمقتضى الحكمة على تعليق الأحكام بالأسباب؛ كما ورد عن الرسول ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إلا أنزلَ لَهُ شِفَاء»، وزاد ﷺ على تأكيد ذلك بقوله «لكل داء دواء»
زيارة المرضى والدعاء لهم: وكان النبي ﷺ يزور المرضى، ويدعو لهم، ويرقيهم بكتاب الله كما كان يرقي نفسه بالقرآن، فعن عائشة -رضي الله عنها -أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: «بسم الله تربة أرضنا، بريقه بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا».
وكان النبي – ﷺ – “ينفث على نفسه في مرضه الذي قبُض فيه بالمعوذات"
عدم اليأس إذا تأخر الشفاء
أن الشفاء قد يتأخر لحكمة إلهية، رفعًا لدرجات المريض، وتكفيرًا لسيئاته، فإنه تعالى أنزل الداء وأنزل الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله، كما قال ﷺ: «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء»
حسن الظن بالشافي: -
حسن الظن بالله الذي بيده الشفاء ولو بعد حين؛ وإن تأخر الشفاء رضي بما قسم الله من أجر ومثوبة ورفع درجات.
دخل مطرف وأخوه العلاء على عمران بن حصين في مرضه؛ فقد أصيب بالشلل ثلاثين عاماً؛ فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال: لمَ تبكي؟ قال لأني أراك على هذه الحال العظيمة، قال: “لا تبكِ؛ فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ -ثم قال: أحدثك حديثا لعل الله أن ينفعك به، واكتم عني حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم عليّ فأسمع تسليمها؛ فأعلم بذلك أن البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به؟!”.
إثبات ما يتضمنه اسم الله "الشافي" من الصفات
الله سبحانه هو "الشافي" بقدرته وحكمته، وعلمه وإحاطته، فلا شافي على الإطلاق إلا الله وحده، يقول ﷺ: »واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».
فهو سبحانه الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يبرأ الداء مع انعدام الدواء، وقد يشفى الداء بلزوم الدواء، ويرتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما باعتبار قدرة الله سواء، فهو "الشافي" الذي خلق أسباب الشفاء، ورتّب النتائج على أسبابها والمعلولات على عللها، فيشفي بها وبغيرها؛ لأن حصول الشفاء عنده يحكمه قضاؤه وقدره، فالأسباب سواء ترابط فيها المعلول بعلته، أو انفصل عنها هي من خلق الله وتقديره، ومشيئته وتدبيره.
توحيد الله باسمه "الشافي": -
دلالته على توحيد الألوهية والربوبية: -إن الله هو القدير الحكيم، فبالقدرة ،،، خلق الأشياء وأوجدها وهداها وسيّرها، وانفرد بذلك دون سواه ((وهذا توحيد الربوبية)).
وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها، وعلّق عليها الشرائع والأحكام تحقيقا لتوحيد العبودية، والعبد المؤمن يوقن تماما بأن الشفاء بيد الله وحده، وأن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعا، لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلّف يتعاطى السبب امتثالا لأمر ربه، مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف.
وفي ذلك يقول السعدي عند قوله تعالى:﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾[الشعراء:٧٥-٨١].
((فهو وحده سبحانه المنفرد بذلك، فيجب أن يُفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب، فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها))[ تفسير السعدي ص: ٥٩٢]
دلالته على توحيد الأسماء والصفات:
فاسم الله "الشافي" يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والسمع والبصر، والعلم والقدرة، والخبرة والحكمة، والغنى والقوة، وغير ذلك من صفات الكمال.
التوكل على الله "الشافي": -
فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومسبباتها، وفارق كبير بين التعلق بالأسباب، والأخذ بالأسباب، فإن من صدق توكل العبد على الله أن يأخذ بالأسباب وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذنه تعالى، ولا ترد شيئا من أقداره، ومن أدلة ذلك: ما رواه أبو خزامة، قال: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: »هي من قدر الله«
يقول ابن القيم في ذلك:
((إن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء، ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء، كانت له أدوية
أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمع أمورها عليه، واستعانتها به وتوكلها عليه، فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية)) [الطب النبوي، لابن القيم ص: ٢٧٢]
فالأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد العباد عليها، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده، كما قال النبي ﷺ: »اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ٢)، والله سبحانه لم ينزل داء إلا ومعه الدواء، كما في الحديث: «فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم» (٣)،
محبة الله "الشافي"
الله هو "الشافي" الذي لا شفاء إلا شفاؤه، والذي لا يكشف الضر إلا هو ولا يأتي إلا بالخير إلا هو، وهو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليشفي الناس من أمراض الشرك والكفر والشكوك، والحقد والحسد وغيرها من أمراض القلوب، ويعافيها بالهداية إلى الدين القيم، والصراط المستقيم الذي يوصل إليه، وهو الذي يحفظ أبدانهم ويشفي أبدانهم من الأسقام والآفات، وهذا كله يثمر في القلب محبة من هذه صفاته، وتوحيده والتعبد له بكل أنواع العبادة لا شريك له.
الدعاء باسمه "الشافي"
فمتى ما أراد العبد الشفاء، أو بحث عن أسباب الدواء، فإن من أهم الاسباب التي يأخذ بها: ((دعاء الله باسمه "الشافي")) أن يتولاه بقدرته ويشفيه، ويدله على دائه ودوائه، كما كان يقول ويفعل نبينا ﷺ بأن يمسح على المريض، ويقول: »أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما«، ومنه رقية جبريل لنبينا ﷺ ، فقد ثبت في الصحيح أن جبريل أتى النبي ﷺ: فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: »نعم« قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك.
وقد كان ذلك نهج صحابته من بعده، كما ثبت عن أنس، قال لثابت: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: (اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما(
فاللهم رب الناس، اذهب البأس، أنت الشافي، اشف قلوبنا من عللها، واشف أبداننا من أمراضها، شفاء لا يغادر سقما، شفاء أنت أهله ووليه.