من الدُّعَاءِ الذي يُنَاسِبُ اسْمَ اللهِ تعالى القَاهِرِ القَهَّارِ،
- ما روي عن الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».
- وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». فلا مَلْجَأَ ولا مَنْجَا من اللهِ إلا إِلَيهِ، لأَنَّهُ تَبَارَكَ وتعالى هوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ.
- وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ».
- معرفة العبد بصفة من صفات الله تعالى: -
- قهر العبد نفسه للقهار:
- الاتصاف بقهر العبودية لا قهر الألوهية: -
- جلب المعية الربانية للمؤمنين: -
- تلذذ العبد بحسن التوكل على مولاه: -
- - استقامة حياة المسلم وسعادته: -
من الدُّعَاءِ بِاسْمِ اللهِ تعالى القَهَّارِ
أَنْ تَسْتَعِيذَ باللهِ تعالى القَهَّارِ من كُلِّ ظَالِمٍ جَبَّارٍ، قَالَ تعالى مُخْبِرَاً عَن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا باللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف 127 – 128]
فَمَن خَافَ من ظَالِمٍ أو جَبَّارٍ من المَخْلُوقَاتِ، فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ تعالى القَهَّارِ، فَإِنَّ اللهَ تعالى يَكْفِيهِ شَرَّ الأَشْرَارِ، فعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَن أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ في غَزَاةٍ، فَلَقِيَ العَدُوَّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ أَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ أَسْتَعِينُ». قَالَ: فَلَقَد رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ، تَضْرِبُهَا المَلَائِكَةُ من بَيْنِ يَدَيْهَا، ومن خَلْفِهَا.
أثر الإيمان باسم الله القهار
فيتعرف العبد على صفة عظيمة من صفات الملك وهي القهر والغلبة، وأن كل قهر يقع بين المخلوقين فهو تحت قهر الله وسلطانه، فأقوى مخلوق يتضاءل ويتصاغر أمام قهر الله تعالى، فأين الجبابرة والأكاسرة عندما ينادي الله يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر١٦]، فهذان الاسمان يزرعان في قلب المسلم التعظيم والتمجيد لله تعالى، وأن الله قاهر وغالب ولا بد، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[يوسف٢١]
فمن أعظم الاستفادات من العلم باسم الله القهار سبحانه وتعالى أن يقهر العبد نفسه، وهذا يكون بالاستغفار والتوبة. فالنفس كي تلجمها وتعلو عليها تحتاج إلى مجاهدة عظيمة والذي يذلل لك هذا هو التوبة والاستغفار. فهما يجعلا نفسك مقهورة وذليلة بين يديك فتستطيع أن تتغلب عليها. وكذلك يقهر العبد وساوس الشياطين وذلك بالاستعاذة، ويقهر الشبه والجهل وذلك بنور العلم واليقين، ويقهر كل ظالم جبار يخافه وهذا بالاستعاذة بالله الواحد القهار قال سبحانه ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:127] فماذا قال موسى؟ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا باللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:128]. وهذه الآية لكل مستضعف في كل زمان ومكان، فالطريق إلى التمكين أن نلجأ بقلوبنا ونطرح أمرنا كله على الله سبحانه وتعالى فلا يوجد في قلوبنا أي التفات إلا له، وأن نصبر، فإن النصر مع الصبر، والأمر يحتاج إلى مُصابرة على تجرع مرارة الأقدار. فإن حدث وجبت السنة الكونية ﴿...وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:128].
فإذا تحققت هذه الشروط الثلاث في أي مستضعف ((الاستعانة بالله – الصبر - تقوى لله فلم يعد يخاف إلا الله ولا يخشى أحدا إلا الله ولا يخشى فيه لومة لائم)) عز وكانت له الغلبة.
حظ المؤمن من صفات الجلال أن يتلبس بعكسها، فقلنا في صفة العزة مثلا أن يكون المؤمن ذليلا لإخوانه عزيزا على الكافرين.
هذا هو قهر العبودية، فيستوجب هذا القهر أن يلين المسلم للفقراء ويعطيهم ويحنو عليهم ويعفو عنهم عند المقدرة وأن يخضع لهم خضوع مشفق، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى9] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾[الضحى10]، فيكون أثر ذلك أن يورثك الله سبحانه وتعالى الغلبة.
فعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال «والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن: لا ينقص مال من صدقة ، فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا يوم القيامة ، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر».
فأولًا: أنه يعرف ويثق تمام الثقة أنه «قال الله: أنفق يا ابن أدم أنفق عليك» فالمال يتناقص كمًا نعم لكن يعوض ذلك في كيفه...أي في البركة، فتجد نفسك وكأن المال الذي تصدقت به معك وزاد عليه وتقضي كل متطلباتك كما هي وكأن شيئا لم ينقص. أو يأتيك عوضا عن مالك الذي أنفقت كمًا، فمثلا لو أخرجت مائة جنيه ترزق بألف والقصص كثيرة في ذلك.
ثانيًا: "ولا يعفو عبدٌ عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة" فهنيئا لمن ظُلم وعامل من ظلمه بعفو يسأل به عفو الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
ثالثًا: "ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر" فإذا سألت فاسأل الله، وقد كان النبي ﷺ يعاهد أصحابه على ألا يسألوا الناس.
فقهر العبودية أن يقهر النفس بالاستغفار والتوبة.
ويلين للفقراء والمستضعفين.
أن لا يفعل ما يعرضه لقهر القهار.
أن لا يتجبر الإنسان على غيره، وأن لا يجعل القوة مطية للكبرياء والاستعلاء في الأرض. فإن التاريخ يشهد أن كل جبار يقصمُه الله، وكل متكبر يهينُه الله، وهو القائل ـ سبحانه ـ: "الكبرياءُ رِدائِي، فمَنْ نازعَنِي في رِدائِي قَصَمْتُهُ" صحيح الجامع.
إن قهر الله ـ عز وجل ـ للمتجبرين، تقابله معية خاصة بالمؤمنين المخبتين، لأن اللجأ إلى القوي الجبار ـ سبحانه ـ، عصمة من الاستضعاف والاستخذاء، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾، [آل عمران 101] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ﴾ [الطلاق 3]
هذا سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ، ملأ الله قلبه يقينا، وعَلَّمه فقه اسم الله القهار، وأن فرعون وإن ادعى القهر فقال: ﴿سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف 127]، فإن الله ناصر عبده المتوكل عليه. ولما اعتقد أتباع موسى أن فرعون غالب، وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء 61]، أجابهم موسى ـ عليه السلام ـ بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[الشعراء 62].
والنبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار، والمشركون واقفون على رأسيهما، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرهما، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول بكل اطمئنان ويقين: "يَا أَبَا بَكْر، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا" متفق عليه. وهو تفسير لقوله ـ تعالى ـ : (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة 40].
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ: "فهذه المعيةُ الخاصةُ تقتضي النَّصر والتَّأييدَ، والحفظ والإعانة.. فمن حَفِظ الله، وراعى حقوقه، وجده أمامَه وتُجاهه على كُلِّ حالٍ، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه".
قيل لأحد الصالحين: نراكَ وحدكَ. فقال: "من يكن الله معه، كيف يكونُ وحده؟".
وقيل لآخر: أما مَعَكَ مؤنسٌ؟ قال: "بلى". قيل له: أين هو؟ قال: "أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وفوقي".
وقال قتادة: "من يتق الله يكن الله معه، ومن يكن الله ـ عز وجل ـ معه، فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل".
فقه اسم الله الْقَهَّارُ جل جلاله، يورث صاحبه قلبا حَسن التوكل على مولاه، لأنه علم أن له ربا عظيما، قويا، قاهرا، مقتدرا، فلم يخش أحدا إلا الله، وهو قلب الطير الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ، أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ" مسلم، وليس قلب من انخدع بقوة الظالمين المستكبرين، وارتعب من زمجرة بعض الأعاجم الظالمين، فاستكانوا لهم، وخضعوا لسلطتهم، بل مجدوهم، وتسابقوا إلى محالفتهم، والاعتزاز بقربهم. وهؤلاء هم الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "لَيأتِينَّ على الناسِ زَمانٌ، قلوبُهم قلوبُ الأعاجم" الصحيحةِ.
قال بعض العلماء: "لا تتكل على غير الله، فيكلك الله إلى من اتَّكلت عليه".
وقال الحسن ـ رحمه الله ـ: "يا أبن آدم، إن من ضعف يقينك، أن تكون بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ".
وقال يوسف بن أسباط ـ رحمه الله ـ: "كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عملُه، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كُتب له".
والمؤمن يقهر بالتوكل الخوف من العدو، مهما عتا وتجبر، ومهما تسلط وتكبر، ومهما سطا وقهر، فالعاقبة للمتقين. قال ـ تعالى ـ:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران 173].
وقد أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقال له: "وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ. وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" صحيح سنن الترمذي.
وما أُتي المسلمون ـ اليوم ـ إلا من ضعف اليقين بأن الله هو القهار، وأنه هو القوي الجبار. فلم تغن عنا كثرتنا شيئا، بل صارت زمرة من اليهود ـ وهم عدة ملايين ـ يسيطرون على مقدراتنا، ويتحكمون في مصائرنا، ويفكرون بدلنا، ويزعمون تقديم الحلول لأزماتنا ومشاكلنا، حتى أسلسنا لهم القياد، وتركنا صدق التوكل على القاهر فوق العباد.
إذا نَحْنُ أدلَجْنَا وأنت أَمامَنا * كَفَى لِمَطايَانا بذِكـرك هاديا
إن استحضار معاني اتصاف الله عز وجل بالقهر، يورث المسلم الخوف من الله، فتستقيم حياته، وتهنأ عيشته، وتعظم سعادته، وإذا تحقق الخوف من الله وحده، هان بجانبه كل جبار، وضعف بإزائه كل متسلط قهار، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وبين رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، أن خوف الله في الدنيا، أمن ومنجاة في الآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ. إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا، أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
الذي يقرأ القرآن الكريم بتمعن وتدبر، يعلم أنه يقرأ كلام الكبير المتعال، يقرأ كلام العزيز القهار، يخاطبه ـ سبحانه ـ بالأوامر والنواهي، فيعلم ضعفه وتقصيره، يخبره بلطفه ورفقه، فيستحضر مغفرته ورحمته، فيرق قلبه لذكر الله، وتنهال دموعه بغير استئذان. قال ـ تعالى ـ في وصف هؤلاء المؤمنين المخلصين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾. ويقول ـ عز وجل ـ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾.
والذي ارتقى إلى هذا المستوى الإيماني، يعتصر قلبه لذنوب اقترفها، وتتألم نفسه لعبادة قصر فيها، فيخاف من الجبار أن يؤاخذه بها، فيهرع إلى التوبة، ويسارع فيخاف من الجبار أن يؤاخذه بها، فيهرع إلى التوبة، ويسارع إلى الأوبة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا"
ومن حقق هذا الخوف المبني على استحضار اسم الله "القهار"، وجد من نفسه حاجزا عن معصية الله، ومانعا عن الاعتداء على حرمات الله، ووقوفا عند حدود الله.
- لم يخف الله القهار، وتطاول على شرائعه بالتسفيه والاستنقاص، فقصد إلى إباحة الخمور، وأكل الربا، وتسهيل القمار، والأكل جهارا في نهار رمضان.
- لم يخف الله القهار، من أباح الشذوذ، ولم ير بأسا بالزنا، ورأى المجون حرية شخصية، والخيانة والعبث والتهتك والسفور اقتناعات ذاتية.
- لم يخف الله القهار، من طمع في تغيير أحكام القرآن، بمنع التفاضل في الإرث بدعوى المساواة، وعدم اعتقاد قوة إلهية فوقية بدعوى حرية الاعتقاد، ومن أساغ سب رموز المسلمين ومقدساتهم بدعوى حرية الفكر.
- لم يخف الله القهار، من اغتنى على حساب الفقراء والمعوزين، وملأ جيبه على ظهر الضعفاء والمحرومين، وقوى عضلاته على أشلاء الزمنى والمهزولين، وابتسم على وقع دموع المشفقين المسترحمين.
والله لو علم هؤلاء وهؤلاء حق العلم، أن فوقهم جبارا يمهل ولا يهمل، ﴿ يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُمُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، يوم عَبَّر عنه أحد الحكماء بقوله:
وأُحضِروا للعـرضِ والحسابِ * وانقطَعَتْ علائقُ الأنسابِ
وارتَكَـمتْ سحـائبُ الأهوالِ * وانعـجمَ البليغُ في المقالِ
وعنَتِ الوُجـوهُ للقيُّومِ * واقتُصَّ مِن ذي الظُّلمِ للمظـلومِ
وشهِدَتْ الاَعْضاءُ والجَوارِحْ * وبدَتِ السَّـوْءاتُ والفضائحْ
وابتُلِيَتْ هنالِكَ السـرائِرْ * وانكشَـفَ المخفِيُّ في الضمائِرْ
لو استحضروا هذه الآيات والنذر، واتعظوا بمن قبلهم من الظالمين المسرفين، ما تجاوزوا حدودهم، ولا اعتدوا على غيرهم، ولا طعنوا في شريعة ربهم، ولا استهزأوا بسنة نبيهم.
- قهر الله عباده بالابتلاءات: -
- استحقاق القهار للعباجة والألوهية: -
- لين القلب للفقراء والمستضعفين: -
- إثبات ما يتضمنه اسم الله القهار من صفاته سُبْحَانَهُ:
- الله سُبْحَانَهُ الْقَهَّارُ جل جلاله، الذي عم قهره العالم العلوي والسفلي حتى أعتى الخلق منهم، وأشدهم جبروتًا وسطوة يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فالكل تحت قهره مغلوبًا ذليلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام١٨] وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد١٦]
- أنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي قهر العالمين بسلطانه وملكه، فلا يستطيع أحد منهم الخروج عنه طرفة عين، ولا التصرف فيه إلا وفق ما رسم له، فالليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل من غير اختلاف أو امتناع، والشمس والقمر والنجوم الكل يجري ويتردد على الدوام على وفق ما قدر الله له، [ينظر: تفسير السعدي /ص: ٦٩٦].
- أنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي قهر العالمين بمشيئته وإرادته النافذة، فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بمشيئته وأذنه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. [ينظر: تفسير السعدي /ص: ٢٥٢]، ولو دبر صاحبه كل تدبير وكاد ما شاء.
- إنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي قهر العالين بقضائه النافذ، وقدره الواقع، يحكم بما شاء ويقضي بما أراد، لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له، يقضي بما أراد سُبْحَانَهُ من الفقر والمرض والعسر والهم والغم، ولا يملك أحد رده ولا كشفه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، ويقضي بالخير من الغنى والصحة والفرح والسرور واليسر، ولا يملك أحد منعه ولا حجبه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام١٧ – ١٨]، وقال رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس: »وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ«
- إنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي قهر العالمين بما قضاء عليهم من الموت والفناء، وإن طال بهم المدى وعمروا سنين عددًا، واتخذوا من الأسباب ما اتخذوا، فإذا نزل بهم ما استطاع أحد من الخلق رده أو دفعه عن نفسه ولو أتي من القوة والجبروت ما أوتي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١] [ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٣)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٣]
- أنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي قهر الجبابرة وقرى الطغيان بما أنزل عليهم من العذاب الأليم، فما استطاعوا فرارًا ولا امتناعًا ولا انتصارًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]
- إنه الْقَهَّارُ جل جلاله الذي يقهر العالمين يوم القيامة بالذل والخضوع، فلا تكلم نفسه إلا بإذنه، ويقهرهم بتلاشي أملاكهم قليلها وكثيرها، فلا ملك إلا ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر١٦] [تفسير السعدي ص: ٥٢٣]
- إنه الْقَهَّارُ جل جلاله، الذي قهر العالمين بنفوذ حكمه الجزائي فيهم، فلا يمتنع مجرم أُمر به إلى النار من أن يدخلها، ولا ناصر له ومدافع ولو كثر جنده، وعظم سلطانه، وعرض جاهه، ثم إذا دخلوها فلا يملكون الخروج منها، ولا تخفيف عذابها ولا إيقافه برهة إلا أن يشاء الله، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٨-٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦: ١٠٩] [تفسير السعدي ص: 884]
- دلالة اسم الله الْقَهَّارُ جل جلاله على التوحيد
- طمأنينة القلب وسكينته بالْقَهَّارُ جل جلاله
- محبة بالْقَهَّارُ جل جلاله
- التواضع والخضوع للْقَهَّارُ جل جلاله
- الحذر من اتصاف المخلوق بالقهر
إِنَّ الْقَهَّارُ جل جلاله عَلَى الحَقِيقَةِ هو اللهُ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، هو قَهَرَ وَغَلَبَ عِبَادَهُ أَجْمَعِينَ، حَتَّى إِنَّ أَعْتَى الخَلْقِ يَتَضَاءَلُ ويَتَلَاشَى أَمَامَ قَهْرِ الله وَجَبَرُوتِهِ، فَهَا هُوَ الَموْتُ الذي كَتَبَهُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ لَا يَسْتَطِيعُ الخَلْقُ رَدَّهُ أَوْ دَفْعَهُ عَنْ أَنْفُسِهِم، وَلَوْ أُوتُوا مِنَ القُوَّةِ والجَبَرَوتِ مَا أُوتُوا، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ الَموْتَ قريبًا مِنْ وَصْفِهِ نَفْسَهَ بـ (القَاهِرِ) لِيُذَكِّرَهُم بِشَيْءٍ قَدْ قَهَرَهم به أَجْمَعِينَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام61، 62]، ومِمَّا قَهَرَهم بِهِ أيضًا: الأَمْرَاضُ والَمصَائِبُ والنَّكَبَاتُ التي لا يَمْلِكُونَ رَدَّهَا عَنْ أَنْفُسِهِم.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: القَهَّارُ الذي طَاحَتْ عِنْدَ صَوْلَتِهِ صَوْلَةُ الَمخْلُوقِينَ، وبَادَتْ عِنْدَ سَطْوَتِهِ قُوَى الخَلَائِقَ أَجْمَعِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16].
فَأَيْنَ الجَبَابِرَةُ والأَكَاسِرَةُ عِنْدَ ظُهُورِ هذا الخِطَابِ؟ وأَيْنَ الأَنْبِيَاءُ والُمرْسَلُونَ؟ والَملَائِكَةُ الُمقَرَّبُونَ فِي هَذَا العِتَابِ؟ وأَيْنَ أَهْلُ الضَّلَالِ والإلْحَادِ؟ والتَّوْحِيدِ والإرْشَادِ؟ وَأَيْنَ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ؟ وأَيْنَ إِبْلِيسُ وشِيعَتُهُ؟ وَكَأَنَّهم بَادُوا وانْقَضَوا، زَهَقَتِ النُّفُوسُ وَتَبَدَّدَتِ الأَرْوَاحُ، وتَلَفَتِ الأَجْسَامُ والأَشْبَاحُ، وَتَفَرَّقَتْ الأَوْصَالُ، وَبَقِيَ المَوْجُودَ الذي لَمْ يَزَلْ ولا يَزَالُ.
إِنَّ الْقَهَّارُ جل جلاله الُمسْتَحِقُّ للعِبَادَةِ والأُلُوهِيَّةِ وما سِوَاهُ مِنَ الآلِهَةِ فَإِنَّمَا هي مَخْلُوقَاتٌ عَاجِزَةٌ مَقْهُورَةٌ، لا تَمْلِكُ أَنْ تَرُدَّ الضُّرّ عَنْ نَفْسِها فَكَيْفَ تَقْهَرُ غَيْرَها؟ بهذا جَادَلَ نَبِيُّ الله يُوسُفُ وصَاحِبَيْهِ في السِّجْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف: 39]، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتَهَمْ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَالعَابِدُ لها مُتَحِيِّرٌ أَيُّها يُرْضِي، وأنها مُسَخَّرَةٌ وَمَقْهُورَةٌ للهِ وفي قَبْضَتِهِ، وَلَيْسَ لَهَا من الأُلُوهِيَّةِ إِلَّا الاسْمُ الذي أُعْطِيَ لها زُورًا وبُهْتَانًا دُونَ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40].
أيُّها الإخوة الكرام: إذا آمَنَ العَبْدُ بِاسْمِ اللهِ تعالى الْقَهَّارُ جل جلاله ، فَإِنَّهُ يَلِينُ قَلْبُهُ على الفُقَرَاءِ والمُسْتَضْعَفِينَ، ويَعْفُو عِنْدَ القُدْرَةِ على المُسِيئِينَ، قَالَ تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى 9: 11]
وعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قال رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ كُنْتُ لَحَالِفَاً عَلَيْهِنَّ، لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقُوا، وَلَا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا ـ و قَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ: إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزَّاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ـ وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ».
والأعضاء التي خلقها الله في جسم الإنسان وغيره من الكائنات تعمل على وفق ما أراد الله من غير امتناع أو توقف إلا أن يشاء الله، فالكل مدبر تحت قهر القهار وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد١٦].
- فهؤلاء أهل الشرك والأوثان قوم إبراهيم تنادوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا، ثم أضرموا النيران فيه، وألقوا إبراهيم ﵇، فقهرهم القهار بقوله للنار: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ – ٧٠] [ينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٣٥١].
- وهؤلاء إخوة يوسف دبروا وخطّطوا لإقصاء يوسف وإبعاده؛ حتى لا يتمكن أبوه من رؤيته، فيتفرغ لهم، ويقبل عليهم بالشفقة والمحبة، قال تَعَالَى عن قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف:٩ –١٠]، لكن كان قهر الله وتدبيره بخلاف ما أرادوا، فأبقى ذكر أبيه له حتى مع غياب شخصه ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].
- وهذا فرعون بلغه أن هلاك ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، فقهره القهار بأن أبقى موسى حيًّا، بل وجعل منشأه ومرباه على فراشه، وفي داره، وغذاءه من طعامه، وتحت تربيته ودلاله، ثم جعل هلاكه وهلاك جنده على يديه؛ ليُعلم العالمين أن رب السموات العلا هو القاهر القهار القادر الغالب، العزيز القوي شديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن . [تفسير ابن كثير ٦/ ٢٢٠ – ٢٢١].
- وهؤلاء اليهود- عليهم لعنة الله- أرادوا قتل عيسى وصلبه، فقهرهم القهار بأن رفع عيسى إليه، وألقى شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] [تفسير السعدي (ص: ١٣٢]
- وهذه قريش عام الهجرة همت بقتل رسول الله ﷺ بعد القبض عليه وعلى صاحبه، فأعلنت عن مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة، بدل كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، فجد الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن قهرهم القهار فعاد الكل بغير جدوى ومن دون عائد، على الرغم من وصولهم إلى باب الغار، قال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، ولكن الله غالب على أمره. [تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٥)، والرحيق المختوم، للمباركفوري /ص: ١٥٠]
قال ابن كثير: »أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين« [ينظر: تفسير ابن كثير 4/405]، فقالوا متعجبين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف ٨٥] [ينظر: تفسير السعدي /ص: ٣٩٤].
وهو سُبْحَانَهُ مع هذا القهر الواسع العظيم إلا أنه في غاية الكمال والجمال؛ إذ قهره سُبْحَانَهُ عن علم وخبرة بمصالح الأشياء ومضارها، ومن يستحق القهر ومن لا يستحقه، وعن حكمة بالغة يضع معها قهره في الموضع المناسب له، وعن عدل تام لا ظلم معه ولا جور، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٨][تفسير الطبري ١١/ ٢٨٨]
إذا تأمل العبد في الكون من حوله وجد أن كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره أو له مخلوق يضاده؛ فخلق الله الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر ثورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة
يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلًّا منهما على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار، وقهر كلًّا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، ثم إن هذا القهر كله لا بد أن ينتهي لقاهر واحد حي، قيوم، عليٍّ، مالك، قادر، قوي، عزيز، عليم، حكيم، لا والد له ولا ولد، ولا أحد كذلك إلا الله الواحد القهار، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٧–١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤] [ينظر: طريق الهجرتين (١/ ٢٣٣]
قال الشيخ السعدي ﵀ في التعليق على الآية السابقة: »القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورًا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه« [تفسير السعدي /ص: ٧١٩]
وبهذا يكون اسم الله الْقَهَّارُ جل جلاله دالًّا على توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
ثم إن من له القهر بكماله وتمامه، لا قاهر له ولا مغالب، هو المستحق أن يعبد وحده دون ما سواه؛ إذ إن ما سواه مقهور مربوب مملوك للواحد القهار، فكيف يساوى بالواحد القهار في العبودية؟!! قال تَعَالَى:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩–٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص:٦٥].
قال الشيخ السعدي: »هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تَعَالَى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهَّاران متساويَيْن في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده« [تفسير السعدي /ص: ٧١٦]
اسم الْقَهَّارُ جل جلاله يدعو النفوس للاطمئنان والسكينة، لا سيما المظلومة منها؛ ليقينها بقهر الله للظلمة وقدرته عليهم، مع اطلاعه على ظلمهم وعدم غياب ذلك عنه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، ويقينه أن حقه محفوظ عنده، وسيأخذه له من ظالمه ولو بعد حين، كما جاء في الحديث: »ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ، حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا الله دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ«.
ومن ذلك: نفوس المؤمنين الذين تكالبت عليهم الأعداء، وتحزبت عليهم الأحزاب، وخذلهم القريب والبعيد، فإنهم إذا نظروا إلى ضعفهم وقلة حيلتهم وما أصابهم من جراح وقتل ومآسٍ، وبالمقابل قوة عدوهم وبطشه وغناه، ثم تذكروا أن ربهم قاهر قهار، لا يخرج ظالم مهما قوي عن قهره؛ عاد ذلك على نفوسهم بالاطمئنان والسكينة والأمل بنصر الله ﷿، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧].
متى عرف العبد أن معبوده قَهَّارُ جل جلاله، لا يُغلب ولا يقوم أمام قهره شيء، وأنه بعبادته له يأوي إلى ركن شديد، يدفع عنه ما يمكن أن يتسلط عليه؛ أثمر ذلك في قلبه محبةً وتعلقًا به جل في علاه.
إذا تأمل العبد في اسم القاهر القهار، ثم نظر في نفسه وكيف أنه تحت قهره لا يد له في الخلق، ولا التدبير، ولا الرزق، يتمنى أن يولد له فلا يولد، وألا يمرض فيمرض، وأن يستغني فيفتقر، وأن يحيى أبدًا فيموت، كل ذلك بغلبة من الله وقهره؛ أورثه ذلك ذلًّا وخضوعًا للقهار، وتواضعًا لخلقه، فلا يغره ملكه وقوته ولا جاهه ونسبه، ولا يقدم على قهر مخلوق، لا سيما الضعيف منهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩].
قال القرطبي: » خص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تَعَالَى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه «
[تفسير القرطبي ٢٠/ ١٠٠]
إذا تأمل العبد في اقتران اسم الله قَهَّارُ جل جلاله باسمه الواحد؛ علم أن قهر القَهَّارُ جل جلاله من صفات كماله الدالة على انفراده بالألوهية، فلا يخشى العبد من احد إلا القَهَّارُ جل جلاله، وهو المتصف بكل كمال وحكمة وعدل.
اما قهر العبد فهو قهر مقترن بجهل وسفه وظلم وعدوان، إضافة إلى كون العبد مربوبًا مقهورًا عاجزًا، تؤذيه البعوضة، وتشوشه الذبابة، ويأسره الجوع، ويصرعه الشبع، فمن كان كذلك كيف يليق به القهر والكبر والتجبر؟! [النهج الأسمى، للنجدي ١/ ١٨٤]
بل إن اتصافه بذلك وتسميته بما يدل عليه محل نقص وصفة ذم نهى الله عنها، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، وذلك لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء، كما قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]